مقدمة
على امتداد التاريخ الحديث للشعوب، لا تنشأ الحركات الفكرية والسياسية الكبرى من فراغ، ولا تولد استجابة لرغبات أفراد أو جماعات معزولة، وإنما تتشكل في الغالب بوصفها تعبيرًا عن حاجات عميقة تختزنها المجتمعات في لحظات التحول والأزمات. ومن هذا المنظور يمكن قراءة نشأة حركة الاتجاه الإسلامي في تونس قبل خمسة وأربعين عامًا، باعتبارها إحدى الظواهر التاريخية التي ارتبطت بسياق ثقافي وسياسي واجتماعي خاص، تشكل بعد عقد ونصف من الاستقلال الوطني. فقد وجدت الحركة نفسها أمام مجتمع يعيش تحولات عميقة فرضتها الدولة الوطنية الحديثة، وأمام مشهد ثقافي وفكري اتسم بسيطرة تصورات حداثية متأثرة بالتيارات الفلسفية الأوروبية السائدة آنذاك، من وجودية وماركسية ووضعية علموية، في مقابل تراجع حضور المرجعيات العربية الإسلامية التقليدية في المجال العام.
لقد كانت ستينيات القرن العشرين مرحلة حاسمة في تشكيل العقل الثقافي التونسي الحديث، حيث انخرطت الدولة والنخب في مشروع واسع للتحديث وإعادة بناء المجتمع. غير أن هذا المسار، رغم ما حققه من مكاسب في مجالات التعليم والإدارة وبناء المؤسسات، أفرز أيضًا توترات عميقة تتعلق بموقع الدين والهوية والتراث في المجال العمومي. ومع مرور الزمن تحولت تلك التوترات إلى انقسامات ثقافية وسياسية ممتدة، ظلت تلقي بظلالها على الحياة الوطنية لعقود متتالية. ومن هنا تكتسب دراسة تلك المرحلة أهميتها، لأنها تساعد على فهم الجذور الفكرية والثقافية للصراعات اللاحقة، كما تفسر السياقات التي أفرزت الحركات الإسلامية وغيرها من التيارات الساعية إلى إعادة التوازن بين مكونات الشخصية التونسية وموروثها الحضاري ومتطلبات العصر.
مرت 45 عاما على يوم الإعلان الرسمي عن تأسيس حزب سياسي هو الاتجاه الإسلامي. ويأتي ذلك التأسيس استجابة للحاجة الاجتماعية الثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمع التونسي. وذلك بعد فشل مشروع النظام البورقيبي سنة 1970 لأسباب بنيوية في الاقتصاد والاجتماع وفي العقل السياسي والثقافي.
ونتطرق اليوم الى البعد الثقافي الذي ألقى بين التونسيين إحنا وفتنا استعصت معالجتها الى اليوم.
الستينات
شكّلت ستينيات القرن العشرين في تونس مرحلة تأسيسية في بناء الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال سنة 1956. وقد ارتبط المشروع الثقافي آنذاك بمشروع الدولة البورقيبية التي سعت إلى بناء هوية وطنية جديدة تجمع بين الانتماء العربي الإسلامي والانفتاح على الحداثة الغربية. لذلك لم تكن الثقافة مجرد نشاط فني أو أدبي، بل كانت جزءًا من مشروع سياسي واجتماعي شامل.
اتسمت الثقافة التونسية في تلك المرحلة بقدر كبير من الحركية الفكرية والنقاشات حول قضايا التحديث والتعليم والمرأة والدولة والعلاقة بين الدين والعصر. وقد برزت النخبة المثقفة بوصفها شريكًا أساسيًا في صياغة ملامح الجمهورية الجديدة، سواء من خلال الصحافة أو الجامعة أو المؤسسات الثقافية الرسمية.
كان من أبرز مضامين الثقافة السائدة آنذاك الإيمان بالتقدم والعقلانية والعلم والتعليم بوصفها أدوات الخروج من التخلف والاستعمار. وقد تأثرت هذه الرؤية بأفكار عصر الأنوار الأوروبي وبالفلسفة الوضعية التي انتشرت في فرنسا منذ القرن التاسع عشر.
نقل التيارات الفكرية
لعبت الجامعة التونسية الحديثة، إلى جانب المعاهد الثانوية والبعثات التعليمية إلى فرنسا، دورًا مهمًا في نقل التيارات الفكرية الأوروبية إلى تونس. وأصبحت باريس وجهة أساسية للطلبة والمثقفين التونسيين الذين عادوا حاملين أفكارًا جديدة حول الفلسفة والسياسة والفنون. والمعضلة أن مدرسة الانتليجنسيا الوليدة من النخب لم تترك مجالا للتعامل مع تلك التيارات باستيعاب موضوعي فلسفي ومنهجي وبعقل نقدي، بل تعاملوا معها بالتبعية والانبهار العجائبي على أنها الحقيقة المطلقة وغيرها الكفر البواح.
على المستوى الأدبي، برزت أسماء مثل محمود المسعدي الذي جمع بين الثقافة العربية الكلاسيكية والتأثيرات الوجودية الحديثة. وقد تجلت هذه النزعة في أعماله مثل "السد" و"حدث أبو هريرة قال"، حيث ظهرت أسئلة الحرية والوجود والمعنى الإنساني.
الوجودية
وتأثرت الأوساط الثقافية التونسية بالفلسفة الوجودية التي كانت في أوج انتشارها في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة من خلال أعمال جان بول سارتر وألبير كامو. المبرمجين رسميا في المقرر الدراسي التونسي. وقد وجدت موضوعات الحرية والالتزام والعبث والاختيار صدى لدى العديد من المثقفين التونسيين.
لم تكن الوجودية مجرد موضة فلسفية، بل أصبحت إطارًا لفهم أزمة الإنسان الحديث بعد الاستعمار. فقد رأى كثير من المثقفين أن المجتمع التونسي يواجه تحديات بناء الذات الفردية والجماعية في عالم سريع التحول.
إلى جانب الوجودية، انتشرت الأفكار الماركسية بين قطاعات واسعة من الطلبة والنقابيين والمثقفين. وقد ساعدت على ذلك موجة التحرر الوطني في العالم الثالث وصعود الحركات الثورية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
تأثر وتأثير
تأثر المثقفون التونسيون بأفكار كارل ماركس وجان بول سارتر في نسخته اليسارية الملتزمة وفلسفة العبثية والعدم.. وبدأت تتشكل حلقات فكرية يسارية تناقش قضايا الطبقات والتنمية والتبعية والاستعمار الجديد.
ومثّل الاتحاد العام التونسي للشغل فضاءً مهمًا لتداول الأفكار الاشتراكية واليسارية، والثورة البروليتارية خاصة في ظل النقاشات حول العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. وقد ارتبط ذلك بتجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح في أواخر الستينيات.
السينما والمسرح
في المجال السينمائي، بدأت تونس تعرف تشكل حركة سينمائية حديثة متأثرة بالسينما الأوروبية الجديدة، وخاصة الموجة الفرنسية الجديدة والواقعية الإيطالية. وبرزت أسماء مثل عمر الخليفي الذي يعد من رواد السينما الوطنية.
كانت السينما التونسية الناشئة تعالج قضايا الهوية والتحرر الوطني والتحديث الاجتماعي، من منظورات ايديولوجية كما سعت إلى تصوير التحولات العميقة التي شهدها المجتمع بعد الاستقلال.
أما في المسرح، فقد مثّل علي بن عياد أحد أبرز رموز النهضة المسرحية. وقد عمل على إدخال تقنيات المسرح الحديث إلى تونس مع المحافظة على بعض العناصر التراثية المحلية.
الشخصانية والقومية
لقد تأثرت النخب التونسية أيضًا بالفكر الشخصاني المسيحي الفرنسي الذي مثله إيمانويل مونييه، خاصة فيما يتعلق بقضايا الإنسان والكرامة والالتزام الاجتماعي.
الشرق العربي
على الصعيد العربي، كانت تونس تتفاعل مع أفكار القومية العربية التي حملها جمال عبد الناصر، ومع كتابات مفكرين مثل قسطنطين زريق وساطع الحصري، وإن ظلت التجربة التونسية أكثر استقلالية عن النموذج الناصري.
كما تأثر المثقفون التونسيون بالنقاشات الفكرية الدائرة في المشرق العربي حول الاشتراكية العربية والقومية والتحديث. وكانت المجلات اللبنانية والمصرية تشكل مصدرًا أساسيًا للمعرفة الفكرية آنذاك.
هيمنة المنظور الفرنسي
أما التأثير الأنجلوسكسوني فكان أضعف نسبيًا مقارنة بالتأثير الفرنسي، بسبب هيمنة اللغة والثقافة الفرنسيتين. ومع ذلك بدأت بعض أعمال برتراند راسل وجون ديوي تصل إلى الأوساط الجامعية التونسية، خاصة في مجالات التربية والفلسفة السياسية.
ثلاث دوائر
يمكن القول إن المشهد الثقافي التونسي في الستينيات كان يقوم على تفاعل ثلاث دوائر كبرى: الدائرة العربية الإسلامية الموروثة، والدائرة الفرنسية الأوروبية الحديثة، والدائرة اليسارية العالمية المرتبطة بحركات التحرر والثورات الاجتماعية. وقد أنتج هذا التفاعل مزيجًا ثقافيًا فريدًا في العالم العربي.
في المحصلة، كانت ستينيات القرن العشرين في تونس زمن صعود المثقف الحداثي والعضوي معًا؛ زمن الوجودية والماركسية والقومية والإصلاحية التنويرية. وقد أسست تلك المرحلة لكثير من النقاشات الفكرية التي ستستمر لاحقًا حول الهوية والدين والدولة والحداثة والديمقراطية، وهي القضايا التي ما تزال تشغل الفكر التونسي إلى اليوم.
في ستينيات القرن العشرين صعد جيل من النخب الثقافية والفكرية التي تأثرت بتيارات فكرية عالمية كانت في أوج انتشارها آنذاك، خاصة الوجودية الفرنسية، والماركسية بمختلف مدارسها، والوضعية العلموية المتأثرة بأفكار أوغست كونت. وقد وجدت هذه النخب في مشروع الدولة الوطنية الحديثة فضاءً مناسباً لتجسيد رؤيتها التحديثية للمجتمع.
القطيعة
واعتقد عدد مهم من المثقفين آنذاك أن النهضة التونسية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر القطع مع البنى الثقافية التقليدية التي ارتبطت بالزيتونة والمؤسسات الدينية القديمة. ولذلك جرى التعامل مع التراث الإسلامي الوطني باعتباره عائقاً أمام التقدم أكثر من كونه مورداً حضارياً يمكن تطويره وإعادة تأويله بما يتناسب مع مقتضيات العصر.
تأثر العديد من المثقفين بالقراءات الوجودية التي كانت تعتبر الإنسان صانع مصيره بعيداً عن المرجعيات الموروثة، كما تأثر آخرون بالتحليلات الماركسية التي رأت في الدين شكلاً من أشكال الوعي التقليدي المرتبط بالبنية الاجتماعية القديمة. وقد ساهم ذلك في تكوين صورة سلبية عن التيارات الإسلامية وعن النخب الزيتونية التي كانت حاضرة بقوة في الحركة الوطنية.
في هذا السياق، نشأت لغة ثقافية وسياسية تصنف الفاعلين الاجتماعيين وفق ثنائية "التقدمية" و"الرجعية"، حيث أُلصقت صفة الرجعية بكل ما هو متصل بالمرجعية الإسلامية أو بالتقاليد الثقافية المحلية. وقد أدى هذا التصنيف الأيديولوجي إلى إقصاء خبرات وطنية مهمة كانت تمتلك رصيداً كبيراً في مجالات التعليم والقضاء والإصلاح الاجتماعي.
لم يكن هذا الإقصاء مجرد خلاف فكري، بل تحول تدريجياً إلى انقسام داخل النخبة التونسية نفسها. فهناك نخبة حداثية فرنكفونية تمركزت في مؤسسات الدولة والإدارة والتعليم الحديث، في مقابل نخب أخرى ذات مرجعية عربية إسلامية شعرت بأنها مهمشة ومبعدة عن دوائر التأثير وصناعة القرار.
أدى هذا الوضع إلى نشوء ما يمكن وصفه بانقسام عمودي بين الدولة ومكونات واسعة من المجتمع. فبينما كانت الدولة تتبنى خطاباً تحديثياً مستلهماً من التجربة الأوروبية، بقيت قطاعات كبيرة من المجتمع محافظة على مرجعياتها الدينية والثقافية التقليدية، مما خلق فجوة متزايدة بين الثقافة الرسمية والثقافة المجتمعية.
كما نشأ انقسام أفقي داخل الطبقات المتعلمة نفسها، حيث انقسم المثقفون بين اتجاه يرى في التحديث قطيعة مع التراث، واتجاه آخر يدعو إلى رفض القطيعة مع التراث . وقد استمر هذا الانقسام لعقود طويلة وأعاد إنتاج نفسه في الجامعات، والأحزاب، ووسائل الإعلام، والنقابات.
ومن نتائج هذا المسار أن مشروع بناء الدولة الوطنية لم ينجح بصورة كاملة في دمج المكونات الحضارية المختلفة للهوية التونسية داخل إطار فكري جامع. فبدلاً من إنتاج تركيب ثقافي متوازن بين الحداثة والإرث الإسلامي، غلبت أحياناً نزعة الإقصاء المتبادل بين التيارات الفكرية المختلفة، وهو ما أضعف فرص بناء توافقات ثقافية عميقة.
ومع صعود الحركات الإسلامية منذ سبعينيات القرن العشرين، عادت هذه التناقضات إلى الواجهة بصورة أكثر حدة. فقد اعتبرت تلك الحركات نفسها ممثلة لروح الهوية الوطنية المستبعدة، بينما رأت فيها قطاعات من النخب الحداثوية تهديداً للمكاسب التحديثية. وهكذا استمرت الاستقطابات التي تعود جذورها إلى خيارات الستينيات في التأثير على الحياة السياسية والفكرية.
ومن منظور تاريخي نقدي، يرى عدد من الباحثين أن أحد التحديات الكبرى التي واجهت تونس الحديثة كان يتمثل في صعوبة بناء مصالحة معرفية بين المرجعية الإسلامية الوطنية وبين مكتسبات الحداثة السياسية والعلمية. فالتجربة التونسية أظهرت أن تجاهل أي مكوّن أساسي من مكونات الوعي الجمعي يؤدي إلى توترات طويلة الأمد، وأن بناء مشروع وطني متماسك يتطلب استيعاب مختلف الروافد الثقافية والحضارية في إطار حوار متوازن بعيداً عن منطق التخوين أو الاحتقار المتبادل. وبدلا من الحوار الديمقراطي ظلت عصا القمع والإرهاب تفعل فعلها في الإسلاميين طيلة سبعة عقود في شكل محاكمات سياسية وسجون وتعذيب ذهب ضحيتها عديد الشهداء وتفككت عديد الأسر جراء تجفيف منابع التدين والارتزاق. وهو ما أوصل البلاد إلى وضعها المأزقي الحالي، الذي لا يتورع عن رمي جميع رموز الحركة الديمقراطية والوطنية ومن ضمنها القيادات الإسلامية وراء القضبان أملا في رميهم وراء الشمس. لم تتمكن قطاعات من الأجيال الجديدة من استيعاب حقيقة الصراع ومعضلاته بسبب ما ران على مخيالهم من استلاب واغتراب مدمر للوعي الجمعي لا يبالي أمام فواجع الظلم والقهر، بل يكاد يصفق للتدهور والسقوط السياسي والأخلاقي.
لكل ذلك كانت نشأة الحركة الإسلامية نشأة شرعية ومشروعة باعتبارها حاجة اجتماعية ومطلبا وطنيا لم تزل تدعو إليه حركة التاريخ والجغرافيا والحياة حتى يتزن المجتمع ويجد سبيله نحو طوق النجاة.
والإسلاميون مطالبون بالاشتغال على البعد الثقافي على الصعيدين النظري والفني الإبداعي الجمالي. كما أنهم مطالبون بالاستيعاب الفلسفي والعملي للتيارات والمدارس الفكرية من زاوية العقل النقدي وقراءاته الموضوعية حتى يتمكنوا من المساهمة في تشكيل عقل الثورة الثقافية الجديدة بما يضمن الوحدة الوطنية والروحية مع القبول بالتعددية والاعتراف بالآخر.
خاتمة
بعد مرور خمسة وأربعين عامًا على الإعلان الرسمي عن تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي، تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة هذه التجربة وما سبقها من تحولات ثقافية وفكرية بعيدًا عن منطق الاستقطاب والأحكام المسبقة. فالتاريخ التونسي المعاصر يكشف أن المجتمعات لا تستقر على أساس الإقصاء، ولا تنهض عبر استبعاد أحد مكوناتها الحضارية أو الفكرية، بل عبر بناء صيغ متوازنة تسمح بالتفاعل الخلاق بين التراث والحداثة، وبين الهوية والانفتاح، وبين الخصوصية الوطنية والقيم الإنسانية المشتركة.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من عقود الصراع الثقافي والسياسي في تونس هو أن أي مشروع وطني ناجح يحتاج إلى مصالحة عميقة مع الذات التاريخية للمجتمع، وإلى عقل نقدي قادر على استيعاب مختلف التيارات الفكرية دون تبعية أو انغلاق. ولذلك فإن المستقبل لا يصنعه انتصار طرف على آخر، بل يصنعه حوار وطني وثقافي واسع يؤسس لوحدة روحية وثقافية جديدة، تتسع لجميع التونسيين بمختلف مرجعياتهم. وفي هذا الإطار، يبقى التحدي المطروح أمام الإسلاميين وسائر القوى الفكرية والسياسية هو الإسهام في بناء نهضة ثقافية جديدة، تجعل من الحرية والتعددية والعدالة والكرامة الإنسانية أسسًا جامعة لمشروع وطني قادر على تجاوز جراح الماضي واستعادة الثقة في المستقبل.
تاريخ أول نشر 2026/6/8
