للمرة الثانية أقرأ رواية الصديق عزالدين جميل في طبعتها الجديدة الثالثة المنقحة.
قرات فيها وجه تونس المظلم الحالك السواد لسنوات الظلم البورڨيبي الدستوري، والاستئصال النوفمبري التجمعي.
قرات فيها وحوشا في جلد إنسان، وشياطين يتعلم الشيطان منهم.
لم يتركوا وسيلة لانتهاك آدمية الإنسان لم يرتكبوها، بدءا من التعذيب الجسدي، إلى التعذيب والتدمير النفسي، إلى قطع السبيل وقطع الارزاق بل وقطع الاعناق.
صورا من دولة ظالمة فاجرة مستهترة بكرامة الانسان، ومن أعوانها الذين يتسابقون من أجل الحصول على "وسام" الترقي على حساب البشر.
صورا من التواطئ الجماعي على الظلم والعدوان على الرجال والحرائر والأطفال والشيوخ العجز.
صورا من حقارة الإنسان الذي يتمعش من خدمة الظلمة بالتلصص على المناضلين والوشاية عنهم، مقابل فتات لا يسمن ولا يغني من جوع، وأحيانا بدون مقابل، وإنما حقدا وحسدا وغيرة.
صورا من ذل التونسي وتسفله.
صورا من تونس اللاهية، وتونس الغارقة في الصمت المخزي والخوف القاتل والتجاهل والانكار.
تونس التي ترتزق من النفاق، وتكفر العشير، وتتنكر للصديق.
صورا من تونس التي لا ترحم ولا تترك رحمة الله تنزل.
كل تلك الصور تقدمها لك "أسوار وأقمار" بشكل مباشر، في شكل وقائع تحبس الانفاس، وتمزق الفؤاد، وتذهب بلب الحليم. أو بشكل غير مباشر من خلال ما تكتزه الصياغات من إيحاءات برع المؤلف في تقديمها بلغة سلسة، ومراوحات بين الزمن، أشبه بتوارد الخواطر من طرف حكاء يجمع بين بساطة السرد ودقة الوصف ... وصف الوقائع ووصف الحالات الوجدانية.
لكن الرواية تقدم صورا أخرى لتونس أخرى، تساكن تونس تلك، وتزاحمها البيوت والباحات والشوارع والمنتديات والإدارات.
إنها صور تونس "الحلوة" تونس "الجميلة" ... تونس الصابرة المحتسبة، تونس الحرية والكرامة، تونس الثبات على المبادئ، تونس الخير الذي لا ينقطع والشهامة الراسخة، تونس الرحمة والنجدة، تونس الشجاعة في الحق، تونس التكافل، تونس الضمير الحي. تونس الأُسر التي تفخر برجالها، وتقف إلى جانبهم، وتخلفهم في اهلهم، احيانا أكثر مما لو كانوا خارج القضبان.
صور الأمهات الصابرات حين يتحولن إلى "لبوات" يحرسن عرين أبنائهن.
وصور الزوجات اللاتي صمدن وثبتن ثبات الجبال الراسخات امام كل صنوف التنكيل والاذلال، وحمين عرينهن، وحافظن عليه بمن فيه وما فيه معنويا كان أم ماديا،
صور الفتيات اللاتي رعين حبهن، ورفضن قطع رباط بني على الحب الجميل والمبدأ النبيل قبل أن يختطف منهن الحبيب، وتحدين أسرهن، ولم يبالين بالأحكام الطويلة التي حوكم بها محبيهم.
صورا عديدة نقلها الكاتب في روايته بأمانة تماما كما نقل الصور المؤسفة المرة.
وأنا أقرأ الرواية أجد الصور نفسها في كل "بر تونس" بمرها وحلوها أيضا.
وقد رأيت في الحاجة عجمية والدته والدتي الزهرة بجهادها ومجاهدتها حين وجدت نفسها بين ابن وراء القضبان وآخر وراء البحار. وبقدر ما ذرفت من دمع الأم الذي لا ينضب، كانت جبلا راسخا وقوة في الحق لا يردها جبروت ظالم.
ونفس الأمر مع الأخوة والأصهار والجيران ناهيك عن الجبهة المقابلة من المتلصصين والمشتغلين لدنيا الآخرين بدون حساب.
كل تلك الصور هي تونس، تونس التي قد يغلب شرها خيرها، ولكن خيرها لا ينقطع، وإنما هي جولات وجولات، لا يدوم الظلم فيها وإن طال، ولا يحلم فيها الظالم براحة البال. ذلك أن الحق قديم فيها قدم الإنسان، قد يضطر إلى تغيير وسائل دفاعه ولكنه لا يستسلم مطلقا.
وذلك هو تاريخ تونس قديمه وحديثه. قد يغشاه الظلم حتى ليخيل إليك انه استسلم للهوان، ولكنه يفاجؤك بما أعده للظالمين، بعد مراكمة للغيض الذي ينفجر في يوم غير موعود تاريخه في وجه الظالم فيثأر لنفسه.
إن الظالم تأخذه العزة بالإثم فينسى، ويطبع الله على قلبه، ولكن الشعوب لا تنام على ضيم ابدا، وإنما تتحين فرصة الثأر من ظالمها في عملية حسابية يصعب فك معادلتها والتنبؤ بتوقيتها غالبا ... فهي تاتي على قدر إلاهي ... "فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ".
كما هي عادتي لا أحب أن أفسد على القارئ قراءته، فقد تجنبت الحديث المفصل، واكتفيت بالإشارات العامة، حتى أترك القارئ يستمتع بالرواية.
ودون أن أدخل في مجال النقد الأدبي وهو ليس اختصاصي، فإن الرواية تأسرك رغما عنك، ولا تترك لك مجالا لقراءتها على مراحل.
قرأتها بعيني الباحث الاجتماعي، لأرى من خلالها تونس في سكونها وحركتها، في ثباتها وتغيرها ... في مرها وحلوها ...
ولأنني إنسان متفائل بطبعي، فقد وجدت في "حلوها" ما فتح أمام عيني طريق الأمل القريب، في تونس المتحررة من الظلم والطغيان، وتونس العامرة بالخير والإيمان ... "ويقولون متى هو ... قل عسى أن يكون قريبا" ... والصبح قريب .
تاريخ أول نشر 2026/5/29
