اليوم هو الثاني عشر في احتجاجات الألبان على النظام السياسي الذي حكم البلاد خلال 35 عاما، وهو يناسب ذكرى تأسيس رابطة بريزرين الألبانية التي تكونت سنة 1887 للمطالبة باستقلال ألبانيا. ينتظر أن يكون زخم المظاهرات أشد وأكبر، حيث تمت دعوة الألبان من المدن الداخلية ومن بلدان الهجرة للمشاركة في المظاهرة الكبرى في العاصمة تيرانا.
انطلقت المظاهرات احتجاجا على قرار تحويل جزيرة سازان Sazan الاستراتيجية وهي جزيرة غير مأهولة كانت قاعدة عسكرية سرية في الحقبة الشيوعية، إلى منتجع سياحي فاخر .
و يمتد المنتجع إلى منطقة زفيرنتس Zvrenec المجاورة التي توجد بها بحيرة فيوصا - نارتا (Vjosa-Narta) وهي محمية وغنية بالتنوع البيولوجي، وموطن لطيور النحام (الفلامينجو)، والفقمة الراهبة، والسلاحف البحرية ويؤمها حوالي 200 نوع من الطيور .
استفاق سكان المنطقة على عمليات تسييج بالأسلاك الشائكة وعلى شركة حراسة تغلق المكان. انتفض السكان، ووقعت مصادمات مع شركة الحراسة ثم مع الأمن، وكان ذلك كافيا كي تنطلق شرارة الاحتجاجات التي تجاوزت المنطقة المعنية لتتوزع على المدن وتأخذ موقعها الوطني في العاصمة تيرانا.
انفجرت ملفات الجزيرة وما وراءها من استيلاء عليها، وتحويلها إلى جزيرة للأوليغارشية العالمية، يقود الاستثمار فيها صهر ترامب جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا وآخرون مقربون من ترامب، وتمتد خيوط الشبكة المعقدة حتى تصل إلى "ابستين" والكيان الغاصب.
وقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي خيوط شبكة من الاختراق السياسي والأمني والاقتصادي، بالغا ذروته بعمليات شراء مكثفة للعقارات والأراضي الفلاحية تقف وراءها شركات إسرائيلية، إضافة إلى الاختراق الأمني المرتبط بإشراف شركات إسرائيلية تكنولوجية على قاعدة بيانات الدولة والمواطنين الألبان عبر الموقع الرسمي للحكومة الألبانية الذي يظم بوابات الولوج للمعطيات المدنية والاقتصادية لألبانيا حكومة وقطاعا خاصا ومواطنين.
ومنذ سنتين عبر رئيس الوزراء الألباني عن عزمه منح الطائفة البكتاشية الصوفية دولة شبيهة بالفاتيكان على مساحة محدودة في قلب العاصمة تيرانا. وقد انفجر جدل كبير حول الموضوع تداول بعض مثيريه الغاية المشبوهة وراء القرار ويتحدثون عن خطة لجعل تلك "الدولة" مقر استخباراتي تلعب فيه إسرائيل دورا محوريا وبتعاون خفي مع دولة عربية عرفت بعلاقتها الوطيدة بالكيان.
يبدو أن محاولات الاستيلاء على جزيرة سازان ومحمية زفرينتس قد أيقظت في الألبان شعورا باستعادة المبادرة، بعد أن استولى الحزبين الكبيرين على ثورة تحررهم منذ 35 عاما، وأقفلا الحياة السياسية على سواهما، وحولا الدولة إلى ريع لهما يتقاسمانه على حساب الشعب الذي غلبه اليأس من إصلاح الأوضاع وخير الهجرة وعذاباتها على العيش في جحيم نخبة سياسية فاسدة سرقت ارض الأبان وعرقهم وامتصت دماءهم.
اليوم يعود الأمل وينفجر الغضب ليطالب الشعب برحيل الجميع، رافعا شعارات التطهير للطبقة السياسية كلها ومناديا بـألبانيا الجديدة.
فتحت ذلك الشعار ، احتشد آلاف المواطنين لليوم 11 أمام مكتب رئيس الوزراء للمطالبة باستقالة إيدي راما Edi Rama.
وترددت هتافات راما للسجن بريشا للسجن (يعني رئيس الوزراء ورئيس الحزب المعارض صالح بريشا Sali Berisha)، وألبانيا الجديدة، واستقالة راما، وألبانيا للألبان، الموت للخونة، والوطن ليس للبيع.
التصميم الجماهيري والتوزع الجغرافي لرقعة الاحتجاجات، وتضامن المهاجرين الألبان في البلدان التي يوجدون بها مع الاحتجاجات بل وقدوم العديد منهم للمشاركة في ألبانيا ... هل يستطيع كل ذلك أن يفرض على الحكومة والأوليغارشية السياسية التي أحكمت قبضتها على الحياة السياسية التنازل وتسليم السلطة إلى حكومة انتقالية، تعد لانتخابات تشريعية وفق قانون انتخابي جيد ينهي سيطرة الحزبين، ويفتح العملية السياسية على نخب جديدة غير ملوثة بفساد 35 سنة؟ هل تستطيع الاحتجاجات أن تقنع النخب غير الحزبية في المنظمات المدنية والاجتماعية بالتقدم لقيادة مرحلة انتقالية تهيئ البلاد إلى عقد سياسي جديد؟ وهل تقنع الاحتجاجات أوروبا وأمريكا أن التعامل الإيجابي مع الاحتجاجات وما تحمله من مبادرات أضمن وأفضل لهما من استمرار تعاونهما مع حكومات الفساد والجريمة وطبقتها السياسية؟
كل هذه الأسئلة لا زالت تنتظر إجابات، لأن الاحتجاجات لم تكشف بعد عن مسار مؤسسي وبرنامج واضح المعالم، وإنما لا زالت تقودها الخشية من أن يكون التنظام فرصة لسرقة أحلامها من جديد، سواء بحيل الطبقة السياسية، أو بخبرة الدولة في الاختراق رغبا ورهبا، أو بخيانة من يوكل إليهم الأمر كما حصل مع هؤلاء الذين يثورون عليهم الآن لما تقدموا لحكم البلاد بعد سقوط النظام الشيوعي...
لكن التاريخ علمنا أيضا أن الحذر الشديد والخوف من سرقة الثورة قد يجعل النتيجة عكسية وهنا مكمن الخطر، حيث أن التأخر عن تحويل الاحتجاجات إلى مسار منظم وبقيادة واضحة قد يفت من عزيمة الناس وإصرارهم فينفرط عقد الاحتجاجات خاصة وأننا مقبلون على انتهاء السنة الدراسية وبداية الموسم السياحي والعطل العائلية
تاريخ أول نشر 2026/6/10
