search

إن العسكر إذا دخلوا السياسة أفسدوها ... وكذلك يفعلون

لست معنيا بالتربيت على أكتاف جنرالات الجيش التونسي الذين نفذوا ذات ليلة قرارات غير دستورية، وشاركوا بفعالية في تنفيذ انقلاب على الشرعية قبل ليلة 25 وبعدها، ولم تختفي دباباتهم ومدرعاتهم من أمام مؤسسات السيادة، ولم يتخلوا عن توظيف القضاء العسكري في خدمة الانقلاب إلا بعد لقاء مع قائد الافريكوم، ودون ان يتخلوا عن دورهم الداعم للانقلاب. كل ذلك كان يتم بدعوى تنفيذ الاوامر العليا والانضباط للقسم!!!

ولست غرا كي تنطلي علي دعوى رجوع "شاهد العقل" لمن انخرطوا في ممارسة لا دستورية تنفيذا لأوامر جهة يستطيع أي مراقب محايد أن يدرك ليس فقط خداعها وكذبها وإنما أيضا مرضها النفسي بما لا يجوز استمرارها على سدة الحكم فضلا عن استقبال أوامرها بالطاعة العمياء من مؤسسة دستورية أقسم ضباطها على الولاء للوطن وليس لمن يحكمه ... والولاء للوطن هو الولاء للدستور أولا وأخيرا ...

لست ساذجا كي لا ادرك أن الجيش وخاصة منذ الثورة، قد تخطى بشكل متزايد مع الأيام مجال عمله الدستوري ألا وهو حماية تراب الوطن إلى التحرك في الفراغات التي اتاحتها له مؤسسات الدولة، وازداد انشغاله وتوسع شيئا نفوذه وطموحه ليلعب في الملعب غير المخصص له.... مستغلا الدعم الكبير الذي فتح له من طرف حكومات ما بعد الثورة بشكل لم يكن يظفر بعشر معشاره قبل ذلك ... فتضاعفت ميزانيته، ودعمت ترسانته التسليحية، ورفعت مرتبات جنوده وضباطه وجنرالاته، وازداد تحصين مكانته وسمعته بقطع الطريق على أي محاولة لنقده على عكس ما حصل لبقية مؤسسات الدولة، مع انه لم يكن "طاهر" الماضي لا قبل اندلاع الثورة ولا خلالها ... لقد كان جيشا في خدمة النظام ولا سيما رأس النظام في عهد بورڨيبة وفي عهد بن علي، وشارك عند الحاجة في قمع التونسيين بل وقتلهم ... هذا تاريخ يمكن أن يحاول الكثيرون إهالة التراب عليه ... لكنه لن يختفي ... فالتاريخ أقوى من مزوريه ....

توسع نفوذ الجيش بشكل كبير، وانخرط في الحياة السياسية مشاركا فاعلا خاصة بعد الانقلاب ... ووسع نفوذه بزيادة عدد منتسبيه أضعافا مضاعفة ... وتورط في التنسيق الأمني والعسكري بما في ذلك الدخول في اتفاقات استراتيجية ودون تفويض دستوري كما في تأسيس قاعدتي التدريب الامني والعسكري مع أفريكوم الامريكية ... وكان آخر ما تسرب للرأي العام الاتفاقية الأمنية العسكرية مع جنرالات الجزائر وما فيها من تدخل سافر وتورط فاضح واعتداء على سيادة تونس .... 

لست غرا ولا ساذجا ولا جاهلا كي أضرب عرض الحائط بكل ما سبق ذكره وأهلل لبلاغ لا يحمل إلا الغموض المقصود ... 

ذلك هو واقع الجيش التونسي وتاريخه القديم والحالي ... وبصورة أدق - حتى أكون منصفا ودقيقا - جزء من واقعه ... وجزء من حقيقته التي لا يمكن أن تخفيها حسناته ... 

الجيش التونسي وخاصة جنرالاته مدعوون إلى أن يقدموا نقدهم الذاتي شأنهم كشان بقية الفاعلين في الساحة من أحزاب وحكومات ومنظمات مجتمع مدني ... وأن يلتزموا بموقعهم الدستوري قبل الإلتزام بتنفيذ أوامر رؤسائهم اللا دستورية ... فلا عذر قانوني ولا دستوري في تنفيذ أوامر تنقلب على الدستور وتعتدي على مؤسسات الدولة وحرية التونسيين .... 

وليعلم الجيش التونسي وجنرالاته ان ما حصلوا عليه من امتيازات كان بدماء التونسيين الذين شاركوا في قمعهم وقتلهم وفي ضياع حقهم عن طريق المحاكم العسكرية التي نصبوها وساهموا من خلالها بإخفاء الحقيقة وغدر الثورة وعَوا بذلك أم لم يعُوا ....

أنا لا أكتب تشويها لمؤسسة سيادية ... لكن كل مؤسسات الدولة الدستورية سواء ... فالذين قبلوا بترذيل البرلمان ثم الاعتداء عليه وعلى القضاء وعلى غيرها من المؤسسات واكتفوا بتحصين أنفسهم لا يرجى منهم خير إلا أن يتوبوا ويقدموا نقدهم الذاتي ....

بقيت كلمة للأغرار الذين يستنجدون بمؤسسة شاركت في إنقلاب على الثورة ... تمهلوا واعتبروا ... فللحرية طريق واحد هو أن يتنادى الجميع إلى كلمة سواء تبدأ بالاستغفار والاعتذار وبالتكفير عن المشاركة في الانقلاب وذلك بمساعدة القوى السياسية على عودة الشرعية الدستورية وإرجاع الحرية المستلبة والالتزام بالحدود الدستورية لمجال عملهم وتدخلهم ... 

عند ذلك يمكن لنا أن ننشد بافتخار :

الجيش سور للوطن يحميه أيام المحن

تاريخ أول نشر 2026/5/22