من أعجب ما تفتقت عنه مخاتلات بعض من النخبة التونسية، هو موقفهم من التوافق بين النهضة والنداء، حيث أن قطاعا عريضا منهم وخاصة ذوو التوجه اليساري والعلماني القصووي ... هؤلاء جميعا اصطفوا وراء الباجي بعد تكوين حزبه، وخاصة أثناء حملته الانتخابية. ومن لم ينضم لنداء تونس قياديا أو مناضلا فاعلا، فقد اشتغل في حزام الحزب في الإعلام ومنابر التوجيه وفي الإدارة وفي العلاقات العامة وحتى في سهرات المقاهي والعلب الليلية ... لا زلت أذكر محمد الكيلاني وهو يصرح متباهيا بالباجي الخصم العنيد الذي سيسقط النهضة ... ولا حديث لا عن ماضيه ولا عن مشروعه .... فقط راوا فيه الوحيد القادر على إسقاط النهضة وافتكاك السلطة منها وإخراجها من الحلبة ولما لا إرجاعها للسجون والمنافي ....
ولما قرر الباجي إنهاء خدماتهم له، وكان في ذلك شبه صريح في ان هؤلاء يصلحون لتخوض بهم معارك لا لتبني بهم دولة ... قرر أن ينفتح انفتاحا محسوبا على النهضة، بدأه بالبرلمان، ثم بعد أن عجز عن تكوين حكومة، ضمهم ضما شبه صوري في البداية لدائرة الحكم ... ثم بعد أن بدأ بيته في التصدع وسع مشاركتهم معه في الحكم ... مع حرص شديد على أنه ليس في توافق وتحالف مع النهضة كي يحافظ على ما تبقى من أولائك لحاجته لهم ....
بعد كل ذلك ... عوض أن يصبوا جام غضبهم على الباجي الذي تنكر لهم بعد أن استعملهم ... عوضا عن ذلك ... توجهوا بتشنيعهم على النهضة، بزعم ادأنها تحالفت مع الفساد ... مع ادأنهم هم من تحالفوا معه وأسقطوا النهضة معه ... لكنهم ويا للأسف لم يستطيعوا إزاحتها بالكامل .... ولولا أنه طردهم بشكل أو بآخر ما تركوه ....
اما النهضة فقد كانت تمارس السياسة بواقعية تجمع ما بين المبادئ والمصالح والإكراهات ... وتعرف أنها "ستصيب" من جهة و"ستصاب" من جهة أخرى ... وتلك هي الممارسة السياسية ...
لقد شبه الشيخ راشد مرة الوضع بصراع الملاكمة على الحلبة، حيث يضطر الملاكمة أحيانا إلى الالتصاق بخصمه للتخفيف من حدة لكماته وتوقي الضربة القاضية ...
كان الشيخ يدرك أن التوافق يحارب ... وكان يسعى من خلال الصبر على الأذى لتثبيته، برغم ما فيه من العيوب، لأنه لم يكن يرى للانتقال الديمقراطي من نجاح بدونه ...
وكان يرى ان تحمل كلفته الكبيرة على السمعة، أقل خطرا من التخلي عنه، والدخول في صراع ينتظره كل المتربصين بالتجربة ... لأنه سيجعل النهضة اضعف وتونس اضعف ... وذلك ما حصل ... عندما سقط التوافق سقطت التجربة ...
ولكن دروس التجربة باقية نبراسا لتجديد العزم والبناء على ما سبق من أجل تونس لكل ابنائها إلا من ابى ...
مشكلتهم كان ذكاء النهضة وواقعية النهضة وشجاعة النهضة ... ما جعل أحدهم يقول: انه ينتظر أين ستتجه النهضة ليقف في الجهة المقابلة، وهو إقرار صريح وعفوي بقوة النهضة ...
ليس لدي شك في أن الزمن يتحرك الآن في اتجاه نفض الكثير من الغبار ... غبار التعمية ... الذي استبسل القصوويون والاستئصاليون في ذره على عيون التونسيين، لتستوي الرؤية صافية نقية بعيني زرقاء اليمامة ... وعندئذ لا يساورني الشك أيضا في أن التونسيين سيشيدون بحكمة النهضة وحكمة الشيخ راشد وكل اولائك الذين وقفوا ودعموا النهضة في خيارها ... وإنما التاريخ التراكم والمراكمة ...
تاريخ أول نشر 2026/5/24
