تقديم:
هذان مقالان طريفان للشيخ #عصام_تليمة حول الخارجين من الإخوان آثرت أن أنشرهما معا لارتباطهما موضوعيا. المقال الأول بعنوان: إخوانجية تحولوا لأمنجية، أما المقال الثاني والذي هو أسبق من المقال الأول تاريخيا حيث كتب منذ حوالي عشرين سنة وأعاد الكاتب نشره بعنوان: الخارجون عن الإخوان: متى وكيف ولماذا؟
ورغم أن موضوع المقالين حركة الإخوان المصرية إلا أنهما يصلحان لدراسة هذه الظاهرة في الحركة الاسلامية عموما سواء كان ذلك في تيار الإخوان المسلمين أو في غيره، بل إنها تتعدى ذلك إلى الحركات السياسية المعاصرة وخاصة تلك التي نشأت في ظل الأنظمة الديكتاتورية ... أنظمة الحزب الواحد ملكية كانت أم جملكية.
أولا : إخوانجية تحولوا لأمنجية!!
11/7/2025
ظاهرة الذين يغادرون تنظيم الإخوان المسلمين، ثم يتحولون للنقيض تماما، من حيث السلوك الأخلاقي الفج، ليصبحوا أدوات للسلطة، لا تحقق ما تريدها فقط، بل تجتهد فيما لم تطلبه، وتمنعها بعض بقايا الخلق أن تسلكه، فتجد فجرا في الخصومة، وافتراء عجيبا، واختلاقا لأحداث لا صلة لها بواقع الجماعة، ولو أنهم تكلموا فيما عاشوه بحق، أو درسوه عن الجماعة، لكان ذلك كافيا لينالوا درجة من المصداقية الحقيقية، لكن الظاهرة لافتة للنظر، وهو ما جعل التساؤل يكثر: لماذا يتحول بعض الإخوانجية السابقين لأمنجية؟!
دراسة سابقة عن الخارجين عن الإخوان فكريا:
منذ ما يقرب من عشرين عاما، كتبت دراسة بعنوان: الخارجون عن الإخوان.. كيف ومتى ولماذا؟ ونوهت في أول الدراسة أني لن أناقش من خرجوا بفضائح، أو خرجوا بمشكلات تتعلق بهم أو بأشخاص في التنظيم، بل اكتفيت بشريحة محددة، وهم الذين خرجوا من التنظيم لخلاف إداري، أو فكري، ثم ذهبوا لمشاريع أخرى، كان التنظيم وسيلتهم السابقة لخدمة الإسلام، فاختاروا وسيلة أخرى، سواء كان اختيار الوسيلة الأخرى عن خلاف، أو عن قناعة فكرية.
لكن المهم أن مشروعهم الأساس وهو: الخدمة للإسلام والبشرية قائمة، بغض النظر عن المسار الذي اتخذه، سواء أيدته أم رفضته، وسواء كان الوسيلة دينية أم سياسية. لكني أرجأت الحديث عن الأسباب الأخرى للخروج من التنظيم، وهو ما يتعلق بشريحة معينة، وهم الذين تحولوا تحولا متناقضا، وصاروا أبواقا للسلطة، وخدما للأجهزة الأمنية فيما يريدون وما لا يريدون، وهم من أحاول تناولهم اليوم.
ظاهرة ليست خاصة بالإخوان فقط:
وهذه الظاهرة، ظاهرة التحول من كيان ديني، أو سياسي، إلى أمنجي، ليست خاصة بالإخوان، وحصرها فيهم فقط هو قصر نظر في البحث والاستقراء، فهي ظاهرة موجودة، سواء لدى التنظيمات السياسية والدينية، بل حتى لدى الدول والأنظمة، فما هي نظرة الأنظمة لمن يتركون الجيوش والعسكرية والأمن النظامي، لينضموا لكيانات أخرى تصنف بأنها خارجة على القانون، وضد النظام والدولة، سواء كان نشاطه ضد السلطة لصالح أفكاره، أو ضدها لصالح أجهزة أخرى، وهو ما تكشفه الأحداث التاريخية في الدول والأنظمة، فهي ظاهرة موجودة.
ولو نظرنا للتيارات الإسلامية، فكم من أشخاص كانوا في مواجهة السلطة، سواء كان عمله سياسيا سلميا، أو حمل السلاح، فوجئنا باختراقات للبعض، فانتقل من مربع المعارض، إلى مربع المؤيد التام، بل المرشد الأمني بكل مهانة، وكم من باحثين من تيارات ناصرية أو يسارية، كان منصفا ومعتدلا، ثم فجأة تحول لما أسميناه التحول من الباحث إلى المباحث.
محاولات الاختراق للجماعة من قديم:
والاختراق الأمني للإخوان، سواء من داخل مصر أو من خارجها، وقت الاحتلال البريطاني لمصر، قديم قدم الجماعة، وبخاصة عندما ولجت باب السياسة، وكان أول من حاول هذا الاختراق رجل المخابرات الباحث المعروف هيوارث دن، والذي نزل مصر وادعى الإسلام، وتسمى باسم عبد الله، وتزوج الفنانة المصرية روحية خالد، ولكنها سرعان ما كشفت مخططه، وتحكي بعض المصادر أنها كشفت شخصيته للأستاذ سيد قطب، وقد كانت لديه شكوك حوله، وكان قد بدأ عمله في عهد البنا، وكشفه البنا منذ اللحظات الأولى، وأعطاه معلومات مغلوطة عن موقف الإخوان من المشاركة في حرب فلسطين، وأوهمه أن الإخوان لن تشترك، ثم فوجئ البريطان بخلاف ذلك، مما دل على أن عميلهم كشف، ولم يكن موضع ثقة.
من مجاهد إخواني في فلسطين لأمنجي:
ومن أعجب حالات الذين تحولوا من الإخوان للعمل الأمنجي للسلطة، شخصية كانت ممن جاهدوا في فلسطين، ولكنه حين جاء عبد الناصر، وجاءت محنة 1954م، وما بعدها، تحول لأمنجي، وهو محمد نجيب جويفل، ولم يكن يعلم الإخوان بأنه تحول لأمنجي، وعندما اعتقل العلامة الشيخ القرضاوي وصديقه العلامة أحمد العسال، سنة 1962م، في مبنى المخابرات العامة المصرية ستين يوما، حبسا انفراديا، وقد التقيا مصادفة، فاتفقا على أن يوهما المخابرات عند الاستدعاء بالموافقة على طلباتهم، ثم بعد سفرهم خارج مصر لقطر، لن يعودا ثانية.
وبالفعل طلب مقابلتهما صلاح نصر، وقال لهما: أنتما شخصان محترمان، ونريد منكما التعاون لأجل مصر، فأوهماه بالموافقة، ثم فوجئا به يقول لهما: وسيكون الواسطة بيننا وبينكم، واحد منكم تعرفونه ويعرفكم، سألاه: من هو؟ فقال: محمد نجيب جويفل، وسافرا بالفعل، ونقلا للإخوان رجل الإخوان السابق، والأمنجي الحالي، كان جويفل قد سافر لسوريا، وعمل على زيادة الانشقاقات في سوريا، ولم يكتشف أمره إلا بعد أن علم القرضاوي بالمعلومة وأمد بها إخوان سوريا، بعد مدة لم يكتشف فيها أمره، وقد نوه لبعض مصائبه التي قام بها الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب العام لإخوان سوريا السابق، في مذكراته.
أمنجية السجون في عهد ناصر وغيره:
وفي سجون عبد الناصر، تحول بعض الشخصيات تحت التعذيب، أو الضعف البشري، إلى شخصيات تنقل عن إخوانها في المعتقل، وتحولوا لأمنجية، وقد علم الإخوان معظم هذه الشخصيات، ولما خرجوا لم يكشفوا عن الأسماء، بل عفوا عن الجميع، دون إخبار، ويقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله: كان هناك اتفاق دون حديث، بنظرات عيون الجميع، أن نعفوا عن الجميع، ونحن نعلم كلنا من كان مع الأمن والأجهزة ونحن داخل المعتقلات. وكان من هؤلاء ممن عمل مع الأمن ولم يعتقل، وزير إسكان سابق، تم تخطيط الانقلاب العسكري سنة 2013م، في بيته، وقد جمع الشخصيات المدنية بتوجيه من العسكر لذلك، وكان قبل ثورة يناير بسنوات طويلة، قد أخبرني أحد الإخوان أنه كان في أسرة إخوانية معهم، وقد اعتقل كل أفراد الأسرة سوى هذا العضو الإخواني، الذي صار بعد ذلك وزيرا في عهد مبارك.
أمنجية التنظيم والسلطة:
والأمنجية الذين كانوا إخوانا سابقين، فئات مختلفة، فهناك من هو أمنجي بالأساس والخلق، وهم قلة، لأن التكليفات التنظيمية لا يتحملها الأمنجية عملا، لكن بعض التصرفات التنظيمية تصنع أمنجية دون أن يدروا، فهؤلاء كانوا داخل التنظيم أمنجية للمسؤولين، ولمن يجدوا مصلحتهم عندهم، ومبدؤهم: عاش الملك، مات الملك، فهم مع المسؤول عن الموقع التنظيمي، وليس المسؤول في حد ذاته، بل من يقبع على كرسي المسؤولية، فهم يتجسسون على إخوانهم لصالح المسؤول، ويحرضون عليه بالحق والباطل، وهم عيون للمسؤول التنظيمي على إخوانهم، فهؤلاء دون أن يدري الإخوان يصنعون بداخلهم جرثومة الأمنجية، فهو في السابق متجسس على إخوانه لصالح التنظيم، وسرعان ما يتجسس على إخوانه السابقين لصالح السلطة، ووجد من هؤلاء بعض حالات كشفت قبل ثورة يناير، وبعد ثورة يناير.
أمنجية المغانم المفقودة:
وهناك شريحة أخرى تتحول لأمنجية، لأن التنظيم بالنسبة له ما هو إلا مغانم، فكلما تدرج في السلم التنظيمي، زادت مغانمه، وعندما يعاقب، أو يعفى من المناصب، ويرى أن شمس مناصبه في التنظيم قد أفلت، سواء بخروجه منه، أو بانقطاع ذلك، فسرعان ما يبحث عن الانتقام ممن حرمه من هذه المغانم، سواء حرم منها بحق أم بغير حق، ويتحول لأمنجي للسلطة الكارهة لتنظيمه السابق.
أمنجية الخارجين من جنة التنظيم الاجتماعية:
وهناك شريحة ليست بالقليلة، وينطبق معيارها على كثير من هؤلاء المتحولين، فهناك شخصيات تدخل الإخوان، وهي ليست ذات حيثية اجتماعية في محيطها العلمي والاجتماعي، فيدخل الإخوان، فيرتقي في الدرجات التنظيمية، ولو مجرد عضو، فيتخرج، ولا يعمل في وظيفته بحكم الكفاءة بل يبحث عن العمل في الكيانات التنظيمية، فيعمل في مشاريع التنظيم، ثم يبحث عن زوجة، فيطلب من التنظيم اختيار أو ترشيح من تصلح للزواج به، ثم ينجب أطفالا، فيترك لقسم الأطفال حسب تسميته في كل تنظيم، ليتولى تربية ورعاية أبنائه، ثم يسكن في العمارة التي يسكن فيها كثير من الإخوان، فيصبح جيرانه، وأصهاره، وعمله، ومحيطه الاجتماعي كله مرتبط بالتنظيم، فلا علاقات خارجه، إلا باسم التنظيم، ولا وجود في الحياة العملية والاجتماعية خارجه.
ثم يحدث أن يصطدم هذا الفرد بفرد مثله، أو مسؤول إخواني أعلى، سواء كان على حق أم على باطل، فيفصل، أو يهمش، ورويدا رويدا يخرج، أو ينفصل، فيفاجأ بأن عمره قد جاوز الأربعين أو الخمسين أو أكثر، وقد أصبح كل محيطه كعمل، لم يعد مقبولا فيه، فكل من حوله ولاؤه للتنظيم، وموقفه منه مختلف، وجيرانه في السكن إخوان، ولم يعد إخوان، فيعامله المعتصبون من التنظيم بغلظة، أو جفاء، ولا يلعب أطفالهم مع أطفاله، ويحترس النساء من التعامل مع زوجته، حتى لو كانت ليست على خط الزوج، لكنها تظل في موضع الشبهة.
فيفاجأ بأنه صار عاريا تماما من علاقات الاجتماعية والعملية، ومطلوب منه أن يبدأ من الصفر، وهو أمر مرهق، وشاق، وبدل أن يبدأ في تكوين ذلك معتمدا على جهده، يتحول لكاره لمن ظلمه في التنظيم، ثم يتدرج في الكراهية، إلى التنظيم، ثم إلى الجماعة بكل تاريخها، ما عدا حسن البنا فقد كان رجلا صالحا، ولكن من بعده انحرفوا بالتنظيم، ثم حسن البنا، ثم الجماعة بكل ما تنتمي إليها من أفكار، وكل من يقترب منها، ويتحول لمعاداة الفكرة الإسلامية بغض النظر عن حملتها، ثم يتم توظيفه والتقاطه للأجهزة، وبداخله كل استعداد للانتقام من التنظيم والفكرة والأشخاص، وهذه شريحة كبيرة من المتحولين للأمنجية.
أمنجية أصفار الكفاءات والمشاريع:
وهناك أشخاص أصفار في الكفاءة، وليست لديهم مشاريع، وقد كان ينجح في نقابة، أو هيئة تدريس، أو انتخابات، بكفاءة وجهد التنظيم، وبدونه لا يحصل على صوت زوجته التي في بيته، فإذا خرج من الإخوان فلا مشروع لديه يبرز فيه في الإعلام، سوى ادعاؤه أنه يملك تفاصيل التنظيم، وتاريخه، وما لا تعلمه الأجهزة الأمنية، وهو عار تماما، عن أي كفاءة، فلو كان لديه مشروع أو كفاءة يتحرك بها في تخصص علمي أو عملي، لكفاه، وهو ما رأيناه في فضلاء كثر خرجوا من الإخوان، وكانوا داخل التنظيم أرقاما مهمة، وكانوا أرقاما أهم في الحياة والمجتمع بعد خروجهم، ولم يعد يمثل لهم التنظيم سوى ذكريات بحلوها ومرها.
وهناك شخصيات تركت التنظيم، ولم يتم استيعابها بعد في عمل أمنجي، فهي تعرض خدماتها، بكل ما تملك من السبل، وهناك شخصيات تعرضت للابتزاز من الأمن، باستغلال نقطة ضعف لديه، وبدل أن يكون صريحا مع التنظيم بما تعرض له، استسلم لهذا الابتزاز وتم تجنيده، وبعد اكتشاف أمره يصعب معالجة الموقف معه، فهذه أمور لا يتقبلها أحد، ولا يعذر بها.
كل الشرائح التي تناولتها هنا في المقال، لها نماذج وأسماء معروفة للكاتب، ولمن لديهم علم بالملف، أو تتبع لمسار شخصياتهم، ولم أجد من المفيد كثيرا ذكر الأسماء، لأنها ظواهر متكررة، وحصر الأسباب في أشخاص ربما يفقد التحليل والاستقراء قيمته، وربما في سياقات أخرى نذكرهم.
ثانيا : الخارجون عن الإخوان تقديرية
12/7/2025
بعد مقالي عن: (إخوانجية تحولوا لأمنجية)، وكنت أشرت لدراسة سابقة لي بعنوان: الخارجون عن الإخوان.. متى وكيف ولماذا؟ وقد نشرت منذ ما يقرب من (15) عاما، فأنشرها على حلقات بإذن الله.
لماذا هذه الدراسة؟
ليست بغية هذه الدراسة أن تنبش في الماضي لتخرج ما فيه من سقطات أو أخطاء بهدف النَّيْل، أو التجريح من جهة ما، أو لحساب جهة على أخرى، إنما هدفها أن تنظر إلى الماضي نظرة فاحصة، مستخرجة الدروس والعبر، مستلهمة منه ما يعين على فهم الحاضر، واستشراف المستقبل، وطي صفحة غدت في بطن الغيب بين يدي الخالق جل وعلا، بما فيها من حسنات وسيئات، ولكي لا ننسف المستقبل لصالح الماضي، ولكي لا يتكرر الخطأ في التعامل مع الناس، وتناسي أقدارهم وعطاءهم، وحسن تصنيفهم تصنيفا يقوي الجماعة الوطنية ولا يضعفها، وينهض بالفكر الإسلامي، ويغذيه بروافد عديدة لا يشترط أن تخرج من معين دَعَويٍّ وفكري واحد.
وقد اخترت الذين خرجوا من الإخوان بناء على موقف أو خلاف فكري، سواء في فكر الإخوان، أو في فكر إدارة الجماعة، وابتعدت عن الانشقاقات القائمة على أسباب سياسية أو شخصية ، أو ما شابهها، لسببين مهمين:
أولهما: لأنه يصعب فيها أن يخرج الباحث بنتيجة بحثية تنتهي بحكم صائب، أو بتخطئة رأي وتصويب آخر، إذ هي غالبا ما تكون في أمور إدارية تنظيمية سرية بحتة.
ثانيهما: أنه يصعب أن يسمع الباحث من الطرفين، ففيها أمور تنظيمية قد يخفي طرف منها ما لديه فيها، بما يمثل ذلك من حساسية في إخراجها للنشر لأصحاب الشهادات، أو اتهاما للباحث بتلقيه المعلومة من جهات أمنية مما يشكك في نزاهة الباحث والبحث.
دوافع الخروج من الإخوان:
لم تكن دوافع وأسباب الخروج من جماعة الإخوان واحدة، فقد كانت متعددة، وأغلبها بني على مواقف فكرية، سواء كانت مرتبطة بموقف انفعالي، أو موقف مدروس نتيجة محنة دفعت بأصحاب المواقف لاتخاذ قرارهم، أو تأمل الخارج منهم إلى مآلات الأمور ففكر في وسيلة أخرى يعمل بها دون صدام مع الجماعة أو النظام القائم، وقد حصرتها فيما يلي:
1ـ سبب فكري:
فمن الأسباب من كان فكريا، حيث اختلف مع الإخوان في التوجه، أو اتفق معهم في الغاية، وهي إقامة دولة إسلامية، والعودة بالمجتمع إلى الإسلام، ولكنه اختلف في الوسيلة والأداة التي يتغير بها المجتمع، أو ينصلح حاله بها، فمن هؤلاء: جماعة شباب محمد، وقد انشقوا عن الإخوان في عهد حسن البنا، وكان السبب أنهم اتهموا الإخوان بالتخلي عن واجب الجهاد، وتغيير المنكر باليد، ومنهم: سامي علي النشار، صاحب (التفكير الفلسفي في الإسلام) وغيره. وقد كان بعض هؤلاء انضم لحزب مصر الفتاة، وشاركوا معه في حادث تحطيم الحانات، سنة 1938م، والذي تراجع عنه أحمد حسين بعد ما يقرب من أربعين عاما في مقال له في مجلة الأزهر سنة 1978م.
2ـ الاقتناع بوسائل أخرى للعمل:
ومنهم من اقتنع بوسيلة أخرى يخدم بها الإسلام، وهي وسيلة التحالف مع السلطة، وعدم الصدام بها، واغتنام الفرصة التي تمنحها إياه من حيث إطلاق يده في وزارة معينة، أو منصب يمارس فيه مهامه التي يخدم فيها الإسلام، ومن أبرز هؤلاء شخصيتان لهما ثقلهما في جماعة الإخوان المسلمين بوجه خاص، وفي الفكر الإسلامي بوجه عام وهما: الشيخ أحمد حسن الباقوري، والدكتور عبد العزيز كامل، فكلاهما تولى وزارة الأوقاف في عهد جمال عبد الناصر.
أما الشيخ أحمد حسن الباقوري، وقد اقتنع بأنه عن طريق توليه منصب وزير الأوقاف يستطيع أن يخدم الدعوة والإسلام أكثر من تواجده في تنظيم الإخوان، وقد طلب جمال عبد الناصر ورجال ثورة يوليو من الإخوان أن يرشحوا لهم أربعة لتولي وزارات في حكومة الثورة، فرشحوا أفرادا ليس منهم الباقوري، ورشحت الثورة الباقوري لوزارة الأوقاف، فقبل الباقوري، ورفض مكتب الإرشاد العرض، فخالف بذلك الباقوري رغبة الإخوان، فقدم استقالته من الجماعة.
وقد سأل أحد الصحفيين الشيخ الباقوري وزير الأوقاف عن أسباب استقالته من الإخوان، فقال: (هي أسباب أحب أن أوثر بها نفسي. وليس من بينها سبب واحد يمس احترامي لإخواني، واعتزازي بهم، فكل واحد منهم صغيرا كان أو كبيرا في أعمق مكان من قلبي).
وبالفعل كان للباقوري إنجازات قوية في وزارة الأوقاف، وكان له دور مع شباب الإخوان الذين عارض الأمن تعيينهم، وكان من هؤلاء عشرة من خريجي الأزهر، المعينين على وظيفة إمام وخطيب، ورفض الأمن تعيينهم لانتمائهم لجماعة الإخوان، وإذ بالباقوري يفاجئ الجميع بتعيينهم على مسؤوليته الشخصية، وكان من بين هؤلاء العشرة: يوسف القرضاوي، وأحمد العسال.
وقام الباقوري كذلك بخدمات لعدد من الإخوان المسلمين، ورفع الظلم عن بعضهم، كما يشهد بذلك مؤرخ الإخوان محمود عبد الحليم. حيث قال عنه: هذه المفاجأة المؤلمة والتي انتهت بفقد الدعوة لأحد أبنائها الكبار لم تفقد المرشد العام - من ناحية - حبه الشخصي لهذا الأخ، كما أنها - من الناحية الأخرى - لم تفقد هذا الأخ الكبير حبه وتقديره للمرشد العام.. ثم قررت بدوري أنها لم تفقدني حبه.. وأوردت أمثلة لتصرفات تومئ إلى أن هذا الأخ وإن فقد موقعه في الدعوة، فإنه حاول جاهدا أن يعمل للمبادئ التي تعلمها في الدعوة، والمثل التي أشربها في موقعه الجديد.
أما د.عبد العزيز كامل والذي كان يسميه حسن البنا: ابن الدعوة (أي دعوة الإخوان) البكر، فقد كان مسؤولا عن قسم الأسر، ولما حدث الصدام بين عبد الناصر والإخوان في 1954م وسجن في السجن الحربي، كان يدون كشوف الأسماء، فقد كان خطه جميلا، ويتقن إدارة الأمور المعيشية في السجن، فاستخدمه المسؤولون عن السجن الحربي في ترتيب أموره ، وكتابة كشوف الأسماء وغيره، مما جعل له مكانة عندهم تقدر في بعض الأحيان. وخفف عن كثير من الإخوان التعذيب، لما له من مكانة عند مسؤولي السجن.
ولكنه تأمل في حال الدعوة وهو في السجن الحربي، وطال تفكيره، فانتهى به إلى أن ينهج نهجا آخر في العمل الدعوي، وصارح بذلك أحد تلامذته، وقد سألت هذا التلميذ عن سبب قرار عبد العزيز كامل ترك العمل مع الإخوان، فذكر: أن عبد العزيز كامل لم يكن يحب - بعد حبه لله ورسوله - أحدا كأمه، فجاءوا بها له في المعتقل، وهددوه بها، فكان هذا سبب انهيار الرجل، وتفكيره في البحث عن وسيلة أخرى يعمل للإسلام بها، غير التواجد في تنظيم الإخوان المسلمين. وخرج عبد العزيز كامل من السجن، ثم بعد ذلك تولى وزارة الأوقاف في عهد عبد الناصر.
3ـ تجنيب الدعوة الصدام مع السلطة:
وممن ترك الإخوان وكان بناء على رأي عنده، فئة أخرى، رأوا ما رأوا من بوادر صدام حاد، يلوح في الأفق، وينذر بصدام دموي شديد بين الثورة والإخوان، وتحديدا بين جمال عبد الناصر والإخوان، ففكر في أن ينأى بنفسه بعيدا عن هذا الخلاف الشديد، ويبحث عن ميدان للعمل، يخدم فيه الإسلام، بعيدا عن العمل التنظيمي في الإخوان، ومن هؤلاء: الأستاذ البهي الخولي، وهو من جيل حسن البنا، وأستاذ القرضاوي، فقد رأى العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر تصل إلى مرحلة احتقان شديدة، وكان رأيه - كما حكى لي الشيخ القرضاوي - أن على الجماعة أن تكتفي بما قدمت من تاريخ مشرق، وتنسحب من العمل السياسي، حتى لا يشوه تاريخها، وما قدمته، وفعلا قرر البهي ترك التنظيم، وقد كان لعلاقة البهي الخولي السابقة بالإخوان فضلا في تخفيف شدة الاحتقان - بعض الشيء - بين عبد الناصر والإخوان، خاصة مع بعض أفرادهم ممن لم يكن بينهم وبين عبد الناصر شخصيا خلاف، كما كان للبهي الخولي ابن يعمل ضابطا في السجن الحربي - اسمه مجيد - وكان يخفف عن مسجوني الإخوان، بحكم علاقة والده السابقة بالإخوان.
4ـ الضعف وعدم تحمل آلام السجن:
ومنهم من كان سبب تركه للإخوان تنظيما لا دعوة، بسبب ما لاقاه من التعذيب في السجن، أو من رأى أن وجوده في السجن ليس لصالح الدعوة، وماذا عليه لو أنه أرسل برسالة استعطاف لجمال عبد الناصر، أو رسالة تأييد له في الحكم، وهو ما اشترطته الثورة آنذاك لمن أراد الخروج من السجن، ومن هؤلاء: عدد غير قليل من الأزهريين، وهو ما ترك صورة - لا زالت إلى الآن عند هذا الجيل من قدامى الإخوان - سيئة عن الأزهريين عند بعض الإخوان، وقد كانت الثورة أعلنت أن من يرسل رسالة تأييد لعبد الناصر يفرج عنه، فقررت جماعة الإخوان أن من يرسل رسالة تأييد يعتبر مفصولا من الإخوان، أو مستقيلا منها، وقد كان من هؤلاء الذين أرسلوا رسالة لعبد الناصر: الشيخ صلاح أبو إسماعيل، ولم ينضم أبو إسماعيل لجماعة الإخوان المسلمين في عهد حسن البنا، رغم أنه سمعه كثيرا، وأعجب به، ولكنه انضم عندما سمع كلمة من عبد القادر عودة وهو يخطب في جمع من الإخوان المسلمين، فسمعه يقول: مصر دولة نيابية، فلو استطعنا أن ندخل إلى المجلس النيابي بكثرة، لوصلنا إلى تغيير ما نريد حسب خطتنا الإسلامية، فاقتنع صلاح أبو إسماعيل في هذا اليوم بأن ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين تنظيما، وكان ذلك في أوائل الخمسينيات ، ونشط الشاب صلاح أبو إسماعيل، الذي عمل في قسم الطلاب بالجماعة، وتحديدا في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وكانت له جهود في الجهاد في القناة ضد الإنجليز، وقام ببعض الأعمال الفنية، وكان عضوا في مسرح الإخوان المسلمين، بل كان فتى الفرقة الأول، نظرا لما يتسم به من فصاحة في اللسان، ووسامة في الوجه، مع قامة فارعة، وقوام طويل، وقد قام بدور (هرقل) في إحدى مسرحيات الإخوان.
ثم اعتقل الشيخ صلاح أبو إسماعيل مع الإخوان في الخمسينيات، وقد فتح باب الإفراج عن المعتقلين من الإخوان المسلمين لمن يرسل رسالة تأييد للرئيس جمال عبد الناصر، فأرسل رسالة من داخل المعتقل، كتب في مقدمتها: من المعتقل صلاح أبو إسماعيل إلى السيد الرئيس جمال عبد الناصر.
ومع خروج الداعية صلاح أبو إسماعيل من المعتقل فور إرساله الرسالة، تسلم عمله في الأزهر، ثم برز دوره الدعوي، وتمرس في العمل السياسي النيابي، فدخل مجلس الشعب، وكان من أوائل الإسلاميين الذين مارسوا العمل السياسي، ولما خرج الإخوان من السجون، وبدأوا يدخلون الانتخابات، بدأ شباب الإخوان يتساءلون: ما موقع صلاح أبو إسماعيل التنظيمي؟ وهل هو من الإخوان أم لا؟ فقطع الشيخ أبو إسماعيل بلباقته المعروفة الطريق على كل من يساوم بهذا الأمر قائلا: لو أخرجني الإخوان من الباب لدخلت إليهم من الشباك، ولو قطع وريدي وسال دمي لكتب: الله أكبر، والله الحمد. بل استفادت جماعة الإخوان بجهد صلاح أبو إسماعيل السياسي، مما جعل شابا من شبابها ينجح معه على نفس قائمته، وهو الدكتور عصام العريان، ليصبح بذلك أصغر عضو في مجلس الشعب وقتها.
5ـ الخلاف في إدارة الجماعة:
وهناك سبب ينشأ عن الخلاف في كيفية إدارة الجماعة، وتحديدا: كيفية إدارة الصراع مع عبد الناصر والثورة، ومن هؤلاء المشايخ: عبد المعز عبد الستار، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، أما الأول: فقد ترك التنظيم، بعد ما رأى أن طريقة إدارة الجماعة لا تروق له، ويخالف قرار مكتب الإرشاد، ويتجاوزه بعض الأفراد ويضرب قراراته عرض الحائط، وقد سألت الشيخ عبد المعز عن استقالته من الإخوان، فقال: أنا لم أستقل من الإخوان ولم أفصل، أنا تركتهم، لفساد مكتب الإرشاد، لقد بايعنا جميعا حسن الهضيبي مرشدا، ولم يجتمع بنا طوال توليه إلا مرات قليلة، كما كانوا يتقابلون مع قلة من المسؤولين مع عبد الناصر، ويتفاوضون معه، دون الرجوع إلينا، أو إعلامنا بما دار، أي أننا - أعضاء مكتب الإرشاد - كنا مجموعة من (الجرادل)، أي أن أولى مبادئ الشورى لم تكن تطبق، فرأيت فسادا في الفكر عن الشورى، وفسادا في إدارة الجماعة فتركتهم، وكان لي رأي في الصدام مع الثورة، أنه على الجماعة تجنب هذا الصدام. وأما الآخران: الغزالي وسابق، فقد احتلا المركز العام للإخوان المسلمين، وقادا ثورة على مرشد الجماعة (حسن الهضيبي) لملعومات مشوشة وصلتهم عنه، وفُصلا على إثر ذلك من الجماعة.
وبعد فصل الغزالي من الإخوان، لم يتنكر الرجل للجماعة التي نشأ فيها - ونفس الكلام يقال عن السيد سابق - أو ينقلب عدوا مبغضا لها ولأفرادها، رغم ما كتبه الغزالي في نقد الهضيبي مرشد الإخوان في كتابه (من معالم الحق) وبخاصة في طبعاته الأولى، يقول الغزالي عن موقفه من الإخوان بعد فصله، وقد ألقوا في غياهب المعتقلات والسجون، وقد تبوأ مكانا ومكانة في وزارة الأوقاف: (وقد أحصى مكتب الاستعلامات في الوزارة من يطلبون الدخول إليها، فوجد ثلاثة أرباعهم يذكرون اسمي، ولما كُلِّمتُ في ذلك قلت: معنى موظف عام أنه خادم للجماهير حقيقة لا دعوى... وبديهي أن يكون الإخوان المسلمون - فرادى - أول من يسعهم هذا النشاط، طالما هَشَشتُ للقائهم، وطمأنت قَلَقهم، وأريته من نفسي الاستعداد التام لعونه!).
ولما جاءت أحداث اعتقالات 1965م، وكانت حملة الاعتقالات أشد من الحملات السابقة، يقول الغزالي: (طُلبت إلى الإذاعة، فلما ذهبت وجدت عدداً من الشيوخ والإخوان الأقدمين. وكانت التعليمات محددة: إن الرئيس أمر بنشر مساوئ الإرهابيين، وتحذير الأمة من الثقة بهم أو التعاون معهم، ويجب أن تقوم بهذا الواجب الوطني على عجل! تَمَلْمَلتُ فوق كرسيَّ ضائقاً، ولاحظ ذلك المشرفون على البرنامج فتجاهلوني، ثم كلفوني - بوصفي مفصولاً من الإخوان - أن أبدأ التسجيل! كان جوابي حاسماً: أنا على استعداد للحديث عن الإسلام، وضرورة إحياء ما مات من أحكامه، ومستعد لإرشاد المخطئين، حكاماً كانوا أو محكومين، لإصلاح ما يكون قد بدر منهم من خطأ، أمّا شتم الإخوان وحدهم، فليس من خلقي أن أجهز على جريح!
قيل: إنهم فصلوك من جماعتهم، فلماذا تُبقي عليهم؟ قلتُ: إذا استضعفوني أيام قوتهم، فلن أستضعفهم أيام حريتي! وما هي إلا ساعات حتى كانت القيود في يدي!) ، ونفس المواقف للسيد سابق، فقد كان معه في الأوقاف، ولم يقل دور عبد المعز عبد الستار عن زميليه، وخاصة عندما خرج إلى السعودية، ثم إلى قطر، فقد كانت له مواقف كثيرة في الوقوف بجانب الإخوان المطاردين خارج مصر.
6ـ الخدمة العامة للإسلام:
وهناك فئة ممن تركوا الإخوان تنظيما وليس فكرا، رأوا أنهم وصلوا إلى مرحلة يجب فيها أن يكونوا رموزا للأمة، وأن يكونوا ملكا لها وحدها، وألا يحصرهم إطار تنظيمي واحد، فهم للأمة أكثر منهم للتنظيم، ومن هؤلاء: الدكتور يوسف القرضاوي، فقد ظل عضوا منظما في جماعة الإخوان المسلمين، منذ بداية الأربعينيات من القرن العشرين، إلى ما يقرب من نهاية الثمانينيات، تحديدا في عام 1988م، فقد طلب من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين إعفاءه من العضوية التنظيمية في الجماعة، نظرا لأنه أصبح يمثل الأمة كرمز أكثر منه ممثلا لجماعة الإخوان المسلمين، وأن نفعه بهذه الصفة للإسلام سيكون أكثر وأثمر بلا شك، وقد تفهم الإخوان طلبه، وسرعان ما أجابوه إليه، كما يقول القرضاوي.
هذا عرض مجمل لأهم الأسباب التي أدت إلى خروج بعض الإخوان ممن اختلفوا في الفكر، أو طريقة العمل مع الجماعة. ويلاحظ في كل من خرجوا عن تنظيم الإخوان في الحالات التي ذكرتها: أنهم لم يتنكروا لماضيهم، ولم يتقاعسوا عن العمل للإسلام، بل عندما خرجت جماعة الإخوان المسلمين من سجون عبد الناصر في بداية السبعينيات، لم يجدوا عباءة يتدثرون بها سوى هؤلاء الرموز الذين تركوا التنظيم، بل منهم من عرض نفسه للخطر ومد يد العون المادي والمساعدة لأسر الإخوان وهم في السجون، كما ذكر الغزالي في مذكراته، وغيرهم ممن لهم مواقف يضيق المقام من ذكرها، كلها تصب في خانة الشهامة، وحسن الخلق، وعدم التنكر، وحفظ الجميل.
العلاقة بين المفكر والتنظيم
بعد دراسة الدوافع التي دفعت عددا من أهل الفكر والعلم من الخروج عن تنظيم الإخوان، بقيت نقطة تدفعنا دفعا للبحث فيها، وهي العلاقة بين المفكر والتنظيم، ولماذا تتوتر العلاقة بينهما، وما الحلول المقترحة في فض هذا الاشتباك بين المفكر والتنظيم.
أسباب توتر العلاقة بين المفكر والتنظيم:
هناك أسباب لا شك تؤدي إلى صدام المفكر بالتنظيم، أو ضيق أحدهما بالآخر، منها:
1ـ الخلط بين أدبيات التنظيم المدني والعسكري:
أول هذه الأسباب وأهمها هو: عدم فهم طبيعة العمل التنظيمي الدعوي، فالمفترض في العمل الدعوي المنظم: أنه تنظيم مدني، تحكمه طبيعة وقوانين وأخلاقيات وأدبيات العمل المدني، وليس تنظيما عسكريا، بما فيه من الغلظة والشدة وعدم إعمال العقل كثيرا، والخطورة هنا تتمثل في استدعاء أدبيات وطريقة إدارة التنظيم العسكري لتنظيم دعوي مدني، يودي بالعمل الدعوي إلى طرق تؤدي إلى انسداد العلاقة بين المفكر والتنظيم، ويؤدي إلى مسخ أفراد العمل الدعوي إلى مجرد دمى تتحرك، وهذا خطأ كبير يقع في إدارة العمل الحركي الدعوي أحيانا، فمن المعلوم أن التنظيم العسكري ينبغي فيه إعلاء مبدأ السمع والطاعة بلا نقاش، بل كثرة النقاش تعوق نجاح أي تنظيم عسكري، وليس مطلوبا فيه كثرة الرؤوس المفكرة، بقدر ما هو مطلوب منها أن تكون جنودا مخلصة، ملتزمة بسرعة التنفيذ، ومطلوب في التنظيم العسكري: قلة الاعتراض، بل انعدامه من الأساس، على خلاف العمل الدعوي وهو تنظيم مدني، لا بد فيه أن يناقش كل فرد ما يقوم به، وأن يكون ما يؤمن به من أفكار، وما يؤديه من أعمال عن قناعة تامة، ولا بد أن تكون الطاعة فيه طاعة مبصرة، وليست طاعة عمياء، وينبغي فيه أن يمنع كل مستبد بالرأي، ضيق به، مانع للنقاش أن يحال بينه وبين توسد أي مسؤولية في التنظيم الدعوي، لأنه يودي بالعمل الدعوي إلى سراديب العمل السري العسكري، وهو ليس مطلوبا، ولا هو الأساس في الدعوة.
ونتج هذا الخطأ في الخلط كذلك عن طريق: استدعاء أدبيات مرحلة تطلبت أن ترتفع أدبيات العمل العسكري فيها بحكم مرحلتها، من حيث التضييق والمحنة، أو عن طريق استدعاء أدبيات كانت لفئة خاصة فتم تعميمها خطأ، ومن ذلك: ما نقرأه في رسالة التعاليم، وفيها فقرات - مثلا - واضح أن الخطاب فيها موجه لجنود في عمل عسكري، وهي بلا شك كانت تدرس للتنظيم الخاص في الإخوان المسلمين، ولكن ما يخص الدعوة العامة منها، هو ركن الفهم، وبقية الأركان، أما ركن الطاعة، والثقة، ففيهما كلام ينبغي أن يحرر، ويزال ما فيه مما هو خاص بالتربية العسكرية، وهذا ما لاحظه مسؤول التربية في جماعة الإخوان المسلمين على عهد الإمام البنا؛ الدكتور عبد العزيز كامل، فاعترض عليه اعتراضا شديدا.
2ـ عدم الدراية بأهمية وعظم دور المفكر في الحركة:
فقد يأتي من لا يقدر قيمة المفكر، ودوره، وما يقوم به من تأصيل للفكرة، وشرح لها، واستشراف لمستقبلها، وهو دور ربما استخف به البعض دون قصد، أو ربما يتسرب إلى البعض بسبب مقولة قالها حسن البنا رحمه الله، وهي رسالة (نحن قوم عمليون)، وقد قصد بها الإمام البنا: العملية في مقابل الدعائية، الذين لا هم لهم إلا الدعاية وقلة العمل، وليس العلم مقابل العمل، ولا تعارض بلا شك بين الفكر والعلم والعمل، والظن بأن المفكر مجرد رجل يجلس ليجادل جدلا بيزنطيا، وهذا الفهم الخاطئ يرد عليه بأنه لا قيمة لعمل ليس مبنيا على العلم الصحيح، وقد صنف أئمة الحديث في كل كتبهم أبوابا في أهمية العلم، وقيمته، وأنه يأتي قبل العمل.
3ـ الضيق بالنقد، وسد منافذه:
ومن الأسباب التي تفسد العلاقة بين المفكر والتنظيم، بل بين التنظيم وبقية أفراده من أصحاب الفكر الحر، والرأي: الضيق بالنقد، والرأي الآخر، وسد كل منفذ يؤدي إليه، من باب: إغلاق باب للجدل، وشتان بين الجدل والنقاش والتحاور. فالمفكر لا يحيا بدون إعمال عقله، وتقليب النظر فيما مضى من مواقف للحركة، وفيما هو قائم من أعمال، وفيما هو مستشرف من مستقبل، وهذا يتطلب منه نقد ما فات، ونقد ما هو قائم، وتقييمه، حتى يبني رؤية لمستقبل يتماشى مع ما تهدف إليه الحركة، وعندئذ تتفاوت وجهات النظر في تقبل هذا النقد، فعند قبوله تستمر العلاقة بين المفكر والتنظيم، ولكن عند رفضه رفضا تاما - بل والضيق به - تسوء العلاقة، وبخاصة عندما يظن البعض بأن النقد باب للخروج على ثوابت الجماعة.
لقد قمت بما يشبه الحصر للنقد في عهد الإمام البنا لشخصه وعلمه وجماعته، فوجدت ما يقرب من أربعين نقدا منشورا في مجلات الإخوان المسلمين، بل خصص البنا صفحة كاملة في مجلة (الإخوان المسلمين) النصف شهرية، جعل عنوانها: باب النقد، وكان غالبا يكتب فيها الشيخ محمد الحامد الحموي نقدا على ما ينشر في المجلة، ونقد فيها رمزين كبيرين من رموز الإخوان: حسن البنا، ومحمد الغزالي. بل وصل الأمر بأحد المنتقدين لحسن البنا أن أرسل له نقدا في صورة سؤال، وكان السؤال كالتالي: يا شيخ حسن أنت رجل مدرس، ونحن نعلم مرتب المدرس جيدا، ونعلم أنك لا تتقاضى راتبا على عملك الدعوي، ومع ذلك نراك أنيقا في ملبسك، أنيقا في مظهرك، فمن أين لك هذا وأنت رجل مدرس بسيط؟!
ومع ذلك نشر حسن البنا سؤال السائل الناقد، ووعدت المجلة بالإجابة في العدد القادم، وأجاب حسن البنا بما يلي: نعم صدقت يا أخي أنا لا أتقاضى راتبا على عملي الدعوي، أما ما لاحظته من أناقة المظهر وغيره وأن راتبي لا يكفي فهو صدق، وكان صلى الله عليه وسلم ينفق من مال خديجة، وأنا أنفق من مال أخي خديجة (يقصد صهره)، ولي أخوان يقرضانني دائما، وأعرض عليك ثلاثة حلول: أن تزورني في المركز العام للإخوان المسلمين وأطلعك على اسم الأخوين الكريمين وإما أن تسدد لهما ديوني عندهما، وبذلك أصبح مدينا لشخص واحد، أو أن تكون الثالث الذي أقترض منه عند الحاجة، أو أن تدعو الله تعالي لي بأن يسدد عني. وقد فكرت في سبيل لتحسين حالتي المادية، وسوف أصدر بإذن الله مجلة (الشهاب) بترخيص شخصي لي، لعلها بذلك تكون سببا من أسباب الدنيا في تحسين وضعي. وجزاك الله خيرا. أخوك: حسن البنا.
4ـ تضخيم جانب الإداري والمنظم على حساب المفكر:
فتضخيم الجانب الإداري والتنظيمي على حساب الجانب الفكري، أو طغيان أحدهما على الآخر، ويأتي نتيجة تضخيم جانب الإداري، وتقزيم جانب المفكر، أو محاولة الإداري الجمع بين المهمتين: أن يكون إداريا ومفكرا في الوقت ذاته، وهي مهمة صعبة ندر من يقوى على الجمع بينهما، وغالبا ما يكون الجامع بينهما ـ على ندرتها ـ المفكر في الأساس.
وأوضح هذه النقطة بمثال معاصر في الحركة الإسلامية المعاصرة، فقد خرج أفراد الحركة الإسلامية من السجون والمعتقلات بعد وفاة جمال عبد الناصر، وقد كان للحركة رصيد ضخم من الفكر والثقافة، ولم تكن حاجتها في ذلك الوقت إلى تصدر المفكر بقدر حاجتها إلى المنظم الذي يعيد حبات العقد المنفرط، فقد كان هذا الرصيد الثقافي يكفيها لبضع سنوات، فتولى أمر الحركة من يدير شؤونها، ومن يهتم بالبناء التنظيمي، وقد كانت تحتاج لهذا بحق في هذه الفترة، وشيئا فشيئا بدأ ينحسر دور المفكر أو الباحث في الحركة، وفوجئنا بالطبيب - وكذلك المهندس وغيره من بقية التخصصات العلمية - الذي يلقي الخاطرة الخفيفة التي تصلح في مجال التجميع الدعوي البسيط، ثم تعمقت الفكرة وتأصلت في قدرة الطبيب والمهندس والمنظم والإداري في الدعوة إلى التكلم باسم الدعوة، والتنظير لها، وشتان بين الموعظة الدعوية، وبين التنظير الفكري، والتأصيل العلمي، فأدوات كل منهما تختلف عن الآخر.
كان ينبغي أن تفهم الحركة أن هذا الدور لغير المفكر دور مؤقت، إذ إن سيلا من الأسئلة والمواقف الفكرية سوف يطرح نفسه تلقائيا بعد عودة نشاط الحركة، ولن يقوى على مواجهة هذه الأسئلة والتنظيرات الفكرية والعلمية سوى المفكر والباحث. وقد تسبب هذا الخطأ في إقصاء المفكر بدرجة ما، وأدى إلى بروز أفكار ليست من صحيح الدعوة ولا صلبها ولا جوهرها، نتجت عن ذلك، مما يجعل هوة تحدث بين المفكر والتنظيم، بل هي تمثل نتوءات، وزوائد زائدة عليها، بل شوهتها في بعض الأحيان.
5ـ تقييم المفكر عن طريق أدائه التنظيمي:
فهو ينظر له بنفس المقياس الذي يقاس به الحركي أو التنظيمي، من حيث الالتزام بما يلتزم به التنظيمي، من واجبات، وحقوق، وأداء دعوي إداري، مما يجعله في نظر الإداري أقل دورا، بل لا دور له أساسا، وينسى هؤلاء أن الصحابة رضوان الله عليهم أنفسهم لم يكن أداؤهم جميعا بمقياس واحد، فلم نر مثلا صحابيا جليلا كخالد بن الوليد من رواة الأحاديث، ولم أجد له اللهم إلا حديثا أو حديثين، فلا نستطيع أن نقيم خالدا في باب العلم ورواية الحديث، كذلك لا يمكن أن نقيم صحابيا كأبي هريرة من الميزان العسكري، فهو رجل حفظ على الأمة حديث رسولها صلى الله عليه وسلم، وهكذا.
6ـ استخفاف المفكر بالتنظيم:
ويقابل السبب السابق سبب آخر مكمل له، وهو: عندما يستخف المفكر بالقرارات التنظيمية الجادة، التي تبنى على شورى صحيحة، وهو خطأ يقع من جانب المفكر، فهو يريد إمضاء رأيه، وإن كان الأمر جرى على شورى معتبرة، وهو خطأ يحدث أيضا من جانب بعض المفكرين، فالصواب في مثل هذه الأمور: أن الشورى إذا تمت ونوقشت الأمور، وانتهى النقاش فيها إلى رأي معين، كان بناء على أغلبية الآراء، فعندئذ يلتزم الجميع بالرأي المتفق عليه، ويظل كل صاحب قناعة فكرية على قناعته في نفسه، كرأي علمي قابل للنقاش وقت فتح باب النقاش.