search

الدكتور عبد المجيد النجار : الدكتور الترابي ... فارس يترجل بعدما ملأ الدنيا وشغل الناس

في يومين متتاليين فقد الفكر الإسلامي التجديدي علمين من أكبر أعلامه هما المرحومان: الدكتور طه جابر العلواني، والدكتور حسن الترابي

أما الدكتور العلواني فهو المفكر الأصولي المجدد أحد مؤسسي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، له رؤى تجديدية في فهم كبريات القضايا الإسلامية، وهو حامل فلسفة أنّ الأمة الإسلامية لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا إذا جدّدت فكرها، وبناء على هذه الفلسفة جعل يفصّل في مشكلات القضايا التي كان لها دور في تعطيل النهضة، ويؤسّس فيها رؤية تجديدية تحرّر العقل من القيود المكبّلة.

وأما الدكتور حسن عبد الله الترابي فهو القانوني الأصولي السياسي المجاهد المجدد، جمع في تكوينه بين فقه القانون الدستوري الحديث وبين العلوم الإسلامية فأبدع فكرا نافذا جريئا زادته تجربته السياسية الطويلة ثراء ومضاء.

جدّد في الفكر التنظيمي فخرج ضمن الحركة الإسلامية التي كان يقودها من دائرة التنظيم الضيق إلى التنظيم الذي يستوعب الشعب كله، وجدّد في أصول الفقه فأعطى للإجماع مفهوما جديدا يستوعب به الإجماع الشعبي، وجدد في السياسة فوسّع الحكم من المركزية إلى الحكم المحلي، وجدد في الفكر العقدي فوجّه العقيدة النظرية إلى ثمراتها العملية. وألّف في كلّ دلك كتبا هي من الدرر في مضامينها كثير منها كان سابقا لزمانه، وذلك في أسلوب انفرد به من دون العالمين جزالة وفخامة وقوّن بيان، وقد سبّب له كلّ ذلك شأن الروّاد الكبار خصومات وعداوات من أقرب الناس إليه إلى أبعدهم منه، ولكنّه كان يجتهد فيما يراه حقا ولا يبالي.

ثلثا قرن قضاها في النضال الفكري والسياسي كلّفته حوالي عشرين عاما من السجون في كلّ العهود التي كان له فيها نضال منها حوالي ثماني "سجنيات" متعاقبات في عهد الحكم الحالي الذي بناه هو ثم اختلف معه بسبب رأيه في توسيع الحرية ونقل الحكم من المركزية إلى المحلية.

كما العديد من قادة حركة النهضة التقيت به عشرات المرات في تونس وباريس والسودان، وكنت كلما زرت السودان أحرص على زيارته حتى في تلك الأحوال التي يكون فيها في إقامة جبرية، وكانت آخر الزيارات له منذ حوالي شهر ونصف، زرناه في بيته فاستقبلنا ببشاشته المعهودة، وبابتسامته ذات المعاني المركبة التي يوجّهها حيثما شاء، فوجدناه في عنفوان عقله لم يخفت منه شيء، يتابع كلّ صغيرة وكبيرة من أخبار العالم الإسلامي بما فيها أخبار بلادنا، ولم يظهر على جسمه إعياء لولا أنه احدودب قليلا بالنسبة لما رأيته عليه قبل حوالي عامين.

ولما هممنا بالخروج من عنده دسّ في يدي فيما يشبه الخفية من بعض رفاقي كتيبا صغيرا ناصحا بقراءته والاستفادة منه، فإذا الكتيب لما قرأته مشروع للمصالحة الوطنية في السودان، وفيه من الأفكار ما يصلح لكلّ بلاد تحتاج إلى المصالحة بين الفرقاء، وكان الختام تحميلنا السلام لمن يحبّ في بلادنا.

لم تستفد الحركة الإسلامية من تجربة الشيخ الترابي ومن فكره كثيرا لحجب نسجها بعد المسافة الفكرية بينه وبينها، ولكن سيأتي يوم يكتشف فيه الناس في مؤلفات الشيخ الترابي كنزا عظيما، وسيكتشفون أنه كان سابقا لزمانه، وحينئذ فإن كتابه " السياسة والحكم" على سبيل المثال سيكون له مقام بين الناس يشبه المقام الذي تتبوّأه اليوم مقدمة ابن خلدون بينهم.

رحم الله الشيخ الترابي وأسكنه فراديس جنانه

تاريخ إعادة النشر 2025/3/5