search

الدكتور عبد المجيد النجار ... ذكرياتي في طلب العلم

(1)

تروج منذ بعض الزمن في أوساط المتعلمين في بلادنا ظاهرة خطيرة في شأن طلب العلم، وهي ما يتناقله التلاميذ والطلاب من أنه ما دامت مناصب الشغل وخاصّة عند الدولة مغلقة أو هي صعبة المنال، إذن لا فائدة في التعلّم، فمواصلة التعلّم إنما هي مضيعة للجهد والوقت؛ ولذلك فإنك ترى المنقطعين عن الدراسة من الابتدائ والإعدادي ولثانوي فقط يربو عددهم عن المائة ألف في كلّ عام عدا المستهترين الذين يسجلون في صفوف الدراسة والمعاهد والكليات ولكن عقولهم ونفوسهم خارج مقاعد العلم، وقد أصبحت الكلمة الشائعة المعبّرة عن هذه الظاهرة هذي المسجّلة في جملة" تقرأ ولاّ ماتقراش المستقبل مثماش".

وإنما تعدّ هذه الظاهرة ظاهرة في غاية الخطورة لأنّ فيها إهدارا للقيمة الذاتية للعلم، إذ للعلم قيمة ذاتية رفيعة في ميزان الدين وفي ميزان العقل وفي ميزان المصلحة العملية، وهي قيمة تبقى ثابتة في كلّ الأحوال وبقطع النظر عن كلّ الملابسات المتعلّقة بالعمل، فإذا ما أصبح مرتبطا بالشغل الوظيفي عند الدولة خاصّة، وأصاب هذا الشغل ما يصيبه من الشحّ فقد العلم قيمته الذاتية بفقدان غايته الوحيدة وهي منصب الشغل الوظيفي.

وفي هذا السياق أريد أن أروي بعض المذكرات فيما كان عليه جيلي والجيل الذي قبلي في خصوص طلب العلم، وذلك من خلال بعض المحطّات التعليمية في حياتي كواحد من أبناء جيلي في طلبهم للعلم كقيمة ذاتية غايتها في ذاتها قبل أيّ غاية أخرى تنتج عنها، عسى أن يكون في ذلك بعض العبرة للجيل الجديد فيستعيد العلم عنده قيمته الذاتية التي يشرف بها الإنسان، وترتفع قيمته الإنسانية بقطع النظر عن كلّ آثار تتعلّق بالمناصب الوظيفية.

في الجيل الذي قبلنا وهو جيل أوائل القرن العشرين كانت تتفشّى ظاهرة في صفوف المتعلّمين وخاصّة من أبناء الأرياف، وقد أدركت بقايا منها في أوائل الخمسينات من ذلك القرن، وهي ظاهرة "الهروب"، وخلاصتها أنّ بعض المتعلمين في الكتاتيب والخلاوي القرآنية حينما يحصّلون شيئا من القرآن حفظا وربما بعضا من العلوم الأولية يرغب آباؤهم في انقطاعهم عن التعلّم لإعانتهم في أشغال الفلاحة أو الرعي غالبا أو في التجارة أحيانا، ولكنّ هؤلاء المتعلمين ذاقوا حلاوة العلم فعزّ عليهم الانقطاع عنهم فـ"يهربون " من آبائهم خلسة وغالبا في جنح الظلام وبزاد ضئيل جدا أو بلا زاد أصلا إلى مدن أخرى لمواصلة التعلّم من أجل التعلّم...

(2)

وقد كان والدي رحمه الله أحد هؤلاء "الهاربين" حوالي سنة 1927 وكان عمره حوالي خمسة عشر عاما في قصّة عجيبة رواها لي، فحواها أنّه تعلّم مبادئ الحروف وحفظ شيئا من القرآن الكريم عند أحد المؤدبين، ولكن والده أراد أن ينقطع عن التعلّم بما أنه أصبح "يفكّ الخطّ، ويقرأ الرسائل وربما يكتبها، ليعينه في رعي الأغنام وفي بعض المناشط الفلاحية، ولكن كانت له رغبة جامحة لمواصلة التعلّم، وكان الحلّ أن انسلّ في جنح الظلام وهو لا يملك إلا "وزره" (وهي عباءة تشبه عباءة الليبيين البيضاء يتدثّر بها للحماية من برد الشتاء) إلا أنها تكون حمراء في الغالب، ومن بني خداش قصد مدينة مدنين على الأقدام (36 كم).

فلما أصبح الصباح ولم تجد الأسرة هذا الشاب علم أنّه "هرب" فأرسل أبوه في إثره من يعود به ويثنيه عن هربه، فلمّا أحسّ بهذا المرسول اختبأ في إحدى غرف القصور القديمة حتى "باتت الرجل ليلا" فخرج يطلب مدينة قابس في شاحنة اعتلاها خلسة لأنه لا يملك "فرنكا" واحدا، وفي قابس باع مكسوبه الوحيد وهي تلك الوزرة التي كان يلتحف بها واشترى أخرى أقلّ قيمة فوفّر بعض المال الذي يوصله إلى سوسة، وهناك قضى سبع سنوات لم يعد فيها إلى أهله حتى حفظ القرآن الكريم وانتسب إلى جامع الزيتونة حتى تحصل على شهادة الأهلية (أربع سنوات )، ومنها انتقل إلى تونس حتى تحصل على شهادة التطويع (البكلوريا الزيتونية) ثم تحصل على سنوات من شهادة العالمية، ثم عاد في الحرب العالمية الثانية إلى قريته على الأقدام (520كم) إذ لم تكن المواصلات متوفرة بسبب الحرب ليدخل الحياة عدلَ إشهاد ثم معلما.

كانت قصّة الهروب هذه من أجل العلم تختزن في نفسي منذ الصغر، وكنت أمنّي النفس بالاستمرار في التعلّم إلى آخر مدى ممكن، ومن هناك بدأت رحلتي في طلب العلم، ولكن بطريقة أخرى غير طريقة "الهروب" فالظروف قد تغيرت، ووالدي رحمه الله كان يشجعني على مبتغاي باعتبار مستواه الثقافي وعبرة من رحلته الشاقّة في طلب العلم.

قضيت بعض سنوات في التعليم الابتدائي ثم انتسبت إلى التعليم الزيتوني فحصلت على شهادة الأهلية سنة 1959من مدرسة ابن خلدون (كلية الآداب بشارع 9 أفريل الآن). وكانت في كل سنة تفتح مناظرة لمن يتحصل على شهادة الأهلية فما فوق للانتساب إلى مدرسة ترشيح المعلمين وكانت مدرسة وحيدة بالمنستير اسمها "دار المعلمين" فأشار علي والدي بأن أشارك في هذه المناظرة...

(3)

...قضيت بعض سنوات في التعليم الابتدائي ثم انتسبت إلى التعليم الزيتوني فحصلت على شهادة الأهلية سنة 1959من مدرسة ابن خلدون (كلية الآداب بشارع 9 أفريل الآن). وكانت في كل سنة تفتح مناظرة لمن يتحصل على شهادة الأهلية فما فوق للانتساب إلى مدرسة ترشيح المعلمين وكانت مدرسة وحيدة بالمنستير اسمها "دار المعلمين" فأشار علي والدي بأن أشارك في هذه المناظرة ولكنني لم أكن متحمسا لأن المدى التعليمي في مدرسة الترشيح هو باكلوريا (شهادة ختم الدروس الثانوية الترشيحية) للتخرج في سلك التعليم ،وكان طموحي التعليمي أرفع من ذلك، ولكنني بشيء من الاستهتار شاركت في المناظرة ونجحت فيها، ومما أذكره مندرجا ضمن الاستهتار أنني قبل الامتحان بيوم كنت جالسا في حديقة القرجاني وكانت منتزها جميلا وكان على مقربة مني شيخان يتجاذبان أطراف الحديث، وكان أحدهما يروي للآخر حدثا تاريخا قديما نسيت موضوعه، فلما دخلت الامتحان من الغد جاء السؤال قريبا من موضوع تلك القصة التي سمعتها بالأمس فكانت هي جوابي على ذلك السؤال وكانت سبب نجاحي في المناظرة.

عدت في عطلة الصيف إلى القرية وأنا أحمل شهادة الأهلية كما أحمل النجاح في مناظرة الترشيح، وكان والدي رحمه الله يوجهني للاستعداد إلى دخول دار المعلمين لأن كلّ التكاليف فيها مجانية ولأنها تنتهي إلى وظيفة مضمونة وهي وظيفة المعلم المحترمة في ذلك الوقت (1961)، وكنت أنا أريد مواصلة التعلم في الزيتونة لأتحصل على شهادة التحصيل (الباكلوريا الزيتونية) وذلك من أجل أذ أذهب بعد التحصيل إلى العراق أو إلى سوريا لمواصلة التعليم الجامعي كما كان يفعل بعض المتخرجين من الزيتونة، وقضينا الصيف في خلاف حاد في هذا الموضوع، ولكن في آخر الأمر خضعت لمطلب والدي مكرها مكسور الخاطر لانكسار أملي في مواصلة التعلّم الجامعي، ولكنني وقفت بعد ذلك بسبب طاعة والدي على خطّ قدري عجيب في رحلة التعلّم ما كان ليحصل لو عاندت ورفضت طلبه...

(4)

في أثناء دراستي في دار المعلمين بالمنستير (وفي الحقيقة كانت دراسة مفيدة جدا ) كانت تلازمني الرغبة الجامحة في مواصلة التعلّم بالرغم من أنّ أبوابها أصبحت شبه مسدودة؛ ولذلك فقد أرسلت طلبا إلى إدارة الزيتونة للمشاركة في امتحان التحصيل بصفة حرة، وجاءني الجواب بالإيجاب ولكن هذا الجواب وقع في يد الكاتب العام لدار المعلمين فاستدعاني وقرّعني تقريعا حادّا، إذ كيف هم (أي الدولة) يعدّونني لأكون معلما ويتكفلون بكل المصاريف مجانا ثم أنا أريد أن أذهب إلى الزيتونة وأترك التعليم؟

نجحت في شهادة ختم الدروس الثانوية الترشيحية بامتياز ولكن الرغبة في مواصلة التعلم ظلّت تلازمني دوما، ولما ذهبنا في مفتتح السنة الدراسية 1964ـ65 إلى تونس لنقضي عاما في التربص من أجل التخرج في سلك التعليم اتصلت بإدارة الكلية الزيتونية وكانت في نهج جامع الزيتونة أطلب الانتساب إلى الكلية بالموازاة مع التربص في التعليم، ولكن الكاتب العام نهرني نهرا قاسيا بسبب أنني جئت متأخرا ببعض الأيام من انتهاء مدة الترسيم، فأسلمت أمري إلى الله وعُيّنت معلما في مدينة آجيم بجربة وقضيت هناك ثلاث سنوات، وفي السنة الأخيرة في شهر أفريل ذهبت إلى القرية وطلبت من والدي رحمه الله أن يكلّم أحد أصدقائه وكان عضوا في المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل وهو المرحوم علي العونلي من أجل أن يتدخل لنقلتي إلى تونس من أجل محاولة متجددة في الانتساب إلى الكلية الزيتونية، فوافق على ذلك رحمه الله وحزم حقيبته ليذهب إلى تونس من أجل هذا الطلب مني، وقصد القرية ليستقلّ المواصلات إلى تونس العاصمة فإذا به يلمح من بعيد صديقه علي العونلي جاء في زيارة إلى أهله لأنه أصيل القرية، فكفاه الله عناء السفر وكلّمه في الموضوع فوعده بالإجابة وكان الأمر ليس سهلا لأن النقلة إلى العاصمة صعبة جدا.

لم تأت النقلة إلا في افتتاح السنة الدراسية الموالية فشددت الرحال في الحال إلى تونس العاصمة لأباشر عملي معلما في مدرسة بقصر السعيد، ولكن أجل التسجيل في الكلية الزيتونية قد فات، وإذن فإن مصير طلبي سيكون مثل مصير طلبي قبل ثلاث سنوات، ولكن احتطت للأمر بتوصية من أحد أقاربي له علاقة بأحد الأساتذة في الكلية الزيتونية فمرّ التسجيل في الكلية بسلام، وكانت فرحتي عارمة.

(5)

..ولكن بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من الانتساب إلى الزيتونة جاءتنا أنا وأمثالي من خريجي الترشيح رسالة من وزارة التربية تنبهنا إلى أنه يمنع علينا الانتساب إلى التعليم العالي وأنه يجب علينا البقاء في التعليم الابتدائي عشر سنوات كما يقتضيه عقد كنا وقعناه مع الوزارة عند الانتساب إلى دار المعلمين، فأسقط في أيدينا، وذهبنا إلى عميد الكلية الشيخ المرحوم محمد الفاضل بن عاشور نشكوه الأمر، فقال لنا: ادرسوا أبنائي وجدّوا في الدرس ولا تبالوا بما يرسل إليكم من وزارة التربية وغيرها، وكان الأمر كذلك.

قضيت أربع سنوات في الكلية الزيتونة أعمل معلما من الثامنة صباحا إلى الثالثة مساء، وفي الساعة الرابعة نلتحق بالكلية لندرس إلى الساعة الثامنة ليلا، ثم نلنقي مع ثلّة رباعية من الإخوة الزملاء في نفس الوضعية لنذاكر ما درسناه على مشايخنا إلى منتصف الليل، وكان ذلك أمرا ثابتا لا يتغير طيلة أربع سنوات إلا في حال الضرورة، إنها حوالي ست عشرة ساعة عمل في اليوم مع الالتزامات الأسرية وما ما تقتضيه مهنة المعلم من إعداد مضن للدروس.

كانت الدراسة في الزيتونة مفيدة جدا خاصّة وأننا في الدراسة بدار المعلمين لم تكن العلوم الشرعية مدرجة ضمن البرنامج التعليمي إلا قليلا جدا، وقد درست على كبار علماء الزيتونة وعلى رأسهم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور الذي درست عنده سنة ونصفا ثم توفي رحمه الله سنة 1970، وفيما رأيت في البلاد الواسعة التي تنقلت بينها طيلة خمسين عاما لم أر مثل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في حسن المحاضرة التعليمية، وفي العقلية الكلية التي يلقي بها المحاضرة وفي الفصاحة والأناقة اللغوية التي يقدّم بها الدرس، إنه مثل النحلة تطوف على الأزهار الكثيرة المتنوعة لتعطيك خلاصة جامعة هي العسل المصفّى، يتناول الشيخ أعوص المسائل بالبيان وحينما تنتهي المحاضرة تجد نفسك لا تحتاج إلى مراجعة أو مذاكرة من شدّة ما تترسّخ في نفسك من الأفكار التي يطرحها، ولا غرو فهو سليل الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور هضم ما عند والده من علم وصاغة في أفكار فلسفية كلّية يأتيك فيها بما لا تجده عند غيره، ولا زلت إلى الآن أعيش على الزاد الذي أخذته من الشيخ ابن عاشور رحمه الله تعالى، لقد كان فريد عصره ولكنّه لا يلقى إلى حدّ الآن من الاهتمام ما يليق بقيمته الفكرية العلمية.

(6)

كانت دروس الشيخ ابن عاشور دروسا حيّة تنبض بالحياة بالرغم من أنّ طبيعة الدروس الجامعية طبيعة أكاديمية طابعها الجفاف، ولكنّ الشيخ كان ينزّل دروسه بما فيها المسائل الدقيقة العويصة منزلة الإصلاح الفكري والحضاري، فلا تملك معها إلا أن تنشدّ إليها وأن تتفاعل معها، وقد درست عليه الدراسات القرآنية والمدخل الديني، وكانت السمة العامة لدروسه سمة الكلّية الفلسفية فيما لم أقف عليه عند كلّ من درست عليهم، بل كلّ من قرأت لهم. وقد كان وهو عميد الكلية وهو في نفس الآن مفتي الديار التونسية يحرص أيما حرص على أن يدرس السنة الأولى من أجل التأسيس الإصلاحي الفكري للمتعلمين.

ومن جلّة المشايخ الزيتونيين الذين تعلمت منهم الكثير الشيخ الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة رحمه الله، فقد كان فصيحا أديبا ضليعا في اللغة والآداب ثم أصبح ضليعا في علوم السنّة النبوية. ومن جلّة المشايخ الشيخ محمد الشاذلي النيفر رحمه الله، فقد كان عالما فقيها مدقّقا محقّقا وكان من بيت علم تليد يمتلك مكتبة من نوادر الكتب يغترف منها بما لا تجده عند غيره من التحقيقات. ومن أساتذتي في الزيتونة الدكتور علي الشابي الذي كان أديبا فصيحا رائق اللغة جميل الأسلوب مع ثقافة واسعة في الأدب عموما وفي تاريخ الفكر الإسلامي والفرق الكلامية خصوصا. ومنهم الدكتور المرحوم الحبيب الهيلة الذي كان محقّقا مدقّقا في التراث الإسلامي تاريخا وأدبا ولغة وقد استفدت منه فوائد كثيرة. وقد درست أيضا على الدكتورة الشيخة هند شلبي رحمها الله بالرغم من أنها لا تفوقني سنّا وإنما تقدّمت علي في سنوات الدراسة، وكانت ضليعة في علوم القرآن مدقّقة محقّقة في التراث ما يتعلق منه بالدراسات القرآنية خاصّة. وكثر هم الأساتذة والمشايخ الزيتونيين الذي درست عليهم واستفدت منهم فوائد جمّة رحمهم الله تعالى جميعا، مثل الشيخ محمد العربي العنابي والشيخ أحمد بن ميلاد والشيخ الصادق بسباس والشيخ عبد العزيز بن جعفر.

وقد كان الشيخ محمد الفاضل رحمه الله وهو عميد الكلية يستضيف بعض الأساتذه المشهورين من الخارج كأساتذة زائرين لبعض الأيام أو الأسابيع. وممن أذكره منهم الأستاذ علال الفاسي في علم مقاصد الشريعة، والأستاذ صبحي الصالح في علوم القرآن، والشيخ محمد مصطفى شلبي في علم أصول الفقه رحمهم الله جميعا.

(7)

وقد كانت الدراسة في الكلية الزيتونية تكوّن الطالب على اكتساب الملكة العلمية إضافة إلى تحصيل المعلومات الجزئية، إذ لم يكن يعتمد ما يسمى بالكتاب المقرر وإنما الأستاذ يلقي محاضرته التي تتضمن الأفكار الأساسية، ويشير إلى المصادر في موضوع المحاضرة، وعلى الطالب أن يؤلّف من المحاضرة ومن المصادر المعلومات لكافية التي سيكون مطالبا بها في الامتحان، ولم يكن الامتحان استرجاعا لمعلومات وإنما كان يطلب فيه تحليل قضية ما وإبداء الرأي فيها. ومما أذكره في امتحان دراسات السنّة أن الورقة الموزعة على الممتحنين كانت شبه فارغة لا يوجد فيها سؤال، فلما وقع تدقيق النظر وجد السؤال كلمة واحدة فقط وهي "الموطّأ" فعليك أيها الطالب أن تجيب ببحث في كتاب الموطّأ بما تراه صالحا من مضمونه وخصائصه ومنهجه وما قيل فيه إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية، وكان السؤال من مدرّس المادّة وهو الشيخ ابن عاشور. والشعار المرفوع في خصوص الامتحانات أنّ " الامتحان يكون في المقرر لا في المقروء" ومعناه أن البرنامج في كلّ مادة يدرس بعضه وما لم يدرس على الطالب أن يدرسه بمعرفته ومن خلال مصادره فهو مطالب به في الامتحان.

انتهت السنوات الأربع في التعلم بالكلية الزيتونية وكانت العادة أن يصبح المعلمون الذين تحصلوا على الإجازة من الكلية أن يرتقوا ليصبحوا أساتذة في التعليم الثانوي، ولكن الرغبة في التعلّم ما زالت قائمة في النفس بإلحاح، غير أنّ الزيتونة لم يكن فيها آنذاك الدراسات العليا؛ ولذلك فقد شددت الرحال إلى الجزائر لأسجل في الدراسات العليا ولأترك الأسرة إذ أصبحت متزوجا ولي بنت، وفعلا اتصلت بالدكتور عمار الطالبي في كلية الآداب بالجزائر العاصمة وسجلت معه موضوعا في الفلسفة الإسلامية، وعدت إلى تونس لأرتب أموري من أجل الالتحاق بالجزائر، ولكن لما وصلت تونس وجدت أنّ العميد محمد الحبيب بن الخوجة رحمه الله تعالى قد رتّب مستعملا معارفه الواسعة بعثة طلابية إلى جامعة الأزهر بمنحة يعطى جزء منها من قبل جامعة الأزهر والجزء الآخر من قبل السفارة التونسية، فسجلت في هذه البعثة مع خمسة من الإخوة المتخرجين في نفس الدفعة، وفضلت هذه الوجهة التعليمية على وجهة الجزائر لما فيها من تغطية مالية وإن كانت قليلة لا تغطّي كل التكاليف.

"هذه بعثة الزيتونة إلى الأزهر بمسعى الشيخ بلخوجه: من اليمين:د.محمد التومي رحمه الله ود.عبد الله الاوصيف وكان في بعثة سابقة ود.رشد التليلي والشيخ ابن الخوجه ود. ابو لبابة حسين ود.عبد المجيد النجار".

(8)

.. وفي هذه النقطة الزمنية التقيت ببركة طاعتي والدي فيما أشار به علي من مسار في التعلّم، فلو عملت برأيي ربما ذهبت إلى العراق أو إلى سوريا ويعلم الله ماذا سيكون مصيري التعليمي والتكويني والمذهبي، وفي النهاية سينتهي بي المسار إلى الوقوف عند التعليم الثانوي مثل الكثيؤين من أترابي.

تركنا الأهل والأولاد والوظيفة وشددنا الرحال إلى القاهرة للالتحاق بجامعة الأزهر للدراسة في درجة الماجستير وقضينا هناك سنتين تحصلنا إثرهما على شهادة الماجستير بامتياز. ولكن في الحقيقة لم تكن الفائدة العلمية الحاصلة في هذه المرحلة كبيرة إذ ما حصلناه في الزيتونة كان أعلى مما حصلناه في الأزهر، وإنما استفدنا بالتعرف على كبار المشايخ والعلماء من مثل الشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ عبد الحليم محمود رحمهم الله تعالى. وبالموازاة مع انتسابي إلى الأزهر انتسبت أيضا إلى المعهد العالي التابع للجامعة العربية وحضرت دروسا على كبار الأدباء والعلماء من مثل الدكتورة سهير القلماوي في الأدب والدكتور تمام حسان في اللغة والأدب، والدكتور مؤنس في الألسنية، وكانت الدراسة في هذا المعهد راقية جدا ولكنني لم أتمم فيه الدراسة لصعوبة الجمع بينه وبين الأزهر.

عدنا إلى تونس بعد الحصول على الماجستير ليقع انتدابنا للتعليم بالكلية الزيتونية مع مواصلة إعداد رسالة الدكتوراه بجامعة الأزهر التي تحصلت عليها في سنة 1981. وإلى هنا تنتهي رحلة طلب العلم بالمسارات الرسمية، فيها من المصاعب الشيء الكثير، ولكن فيها من الإصرار على التعلّم من أجل العلم ما يثلج الصدر ويريح النفس، وذلك من بركة العلم من أجل العلم، لتبتدئ رحلة طلب العلم من خلال البحث العلمي والتعليم الجامعي، وتلك قصّة أخرى في مشوار طلب العلم، تختلف في طبيعتها عن طبيعة المرحلة الأولى..

" 31/01/74 معرض الكتاب الدولي المنظم بالقاهرة، من اليمين: رشيد التليلي محمد التومي عبد الرحيم ممثل الدار التونسية للنشر في معرض القاهرة وعبد المجيد النجار"

نشرت على حلقات يومية في صفحته الرسمية على الفيسبوك ابتداء من 31 يناير 2025.