search

الزعيم الافريقي لوممبا بين جمهور الملاعب .. معركة الرموز والوعي السياسي

لطالما نُظِر إلى جماهير الملاعب، خصوصًا في المجتمعات العربية والإفريقية، بوصفها كتلة انفعالية، خاضعة لمنطق التفريغ العاطفي، أو مجالًا لـ«تخدير الوعي» عبر الفرجة الجماعية. غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحوّلًا بنيويًا في وظيفة المدرجات: من فضاء ترفيهي إلى حقل رمزي–سياسي تتقاطع فيه الذاكرة الوطنية والاحتجاج الاجتماعي، وإعادة بناء المعنى الجماعي.

الملاعب كفضاء مضاد للهيمنة:

تُمثّل ظواهر مثل مشجع “تمثال لومومبا” في الكونغو خلال تصفيات كرة القدم الإفريقية الأخيرة، وشعارات الألتراس في تونس ومصر والمغرب، تجلّيًا لما يمكن تسميته معركة الرموز داخل الفضاء الجماهيري؛ حيث تتحول الإيماءة، الصورة، الشعار، والجسد نفسه إلى وسائط مقاومة ناعمة، تعيد تسييس المجال العام خارج القنوات الحزبية والمؤسسية المأزومة.

ويمكن من خلال الباحثين الاجتماعيين والمراقبين تحليل هذه الظاهرة عبر:

1.  تفكيك الدور السياسي للرمز في سيكولوجية الجماهير.

2.  ربطها بتجارب الألتراس في تونس، مصر، والمغرب.

3.  مقارنتها نظريًا بأطروحات أنطونيو غرامشي، كارل بولانيي، وسيرج موسكوفيتشي.


الرمز في ديناميكية الجماهير – من الانفعال إلى المعنى:

تُظهر دراسات سيكولوجية الجماهير الحديثة أن الجماعة ليست نقيضًا للعقلانية، بل تمتلك عقلًا جمعيًا خاصًا، تُعاد فيه صياغة المعاني عبر التكرار الطقوسي والرمزي. الرمز هنا لا يعمل بوصفه خطابًا منطقيًا مباشرًا، بل كـ شحنة وجدانية–تاريخية تختزل سردية كاملة في صورة أو حركة واحدة¹.

في حالة “تمثال باتريس لومومبا”، بين جماهير الملاعب يتحول الجسد الجامد، الصامت، خلال مختلف مباريات كرة القدم الكونغولية إلى:

  • استدعاء للذاكرة الاستعمارية.
  • رفض رمزي للاغتيال السياسي.
  • إعادة بعث لخطاب التحرر الوطني داخل فضاء رياضي معولم يبث على الفضائبات.

هذا النمط من الرمزية يتجاوز الهتاف المباشر، ويشتغل على مستوى اللاشعور الجمعي، حيث يُعاد إنتاج الوعي لا عبر الإقناع، بل عبر التماثل والانخراط الوجداني.

الألتراس في شمال إفريقيا – المدرج كفضاء سياسي بديل:

تونس: من التشجيع إلى الاحتجاج:

تحولت مجموعات الألتراس في تونس منذ فترة الحكم النوفمبري لزين العابدين بن علي إلى أحد الفضاءات القليلة التي حافظت على لغة نقدية جذرية تجاه السلطة، الفساد، والتهميش الاجتماعي. شعارات مثل:

“حرية… كرامة… عدالة اجتماعية” ومثلت اغنية المدارج الملحمية والحماسية للنادي الرياضي الافريقي "يا حياتنا" مثالا حيا لمعركة الرموز لخصت خارطة نقدية للأوضاع الاجتماعية والسياسية.

لم تكن زينة لغوية، بل تعبيرًا عن إخفاق المشاريع السياسية وإدانة البرامج التنموية الفاشلة. وبناء على انسداد قنوات التمثيل السياسي، أصبحت مدارج جمهور الملاعب تؤدي وظيفة ما يشبه الفضاء العمومي البديل، حيث تُقال المحظورات دون وساطة حزبية. وكثيرا ما تحولت الملاعب الى ادانة للمواقف العربية الرسمية من القضية الفلسطينية.

. مصر: الألتراس كذاكرة الثورة:

لعبت مجموعات الألتراس في مصر، دورًا محوريًا بين 2011 و2013، ليس فقط كقوة احتجاجية، بل كـ حامل للذاكرة الثورية.  وشكلت مجزرة بورسعيد لحظة مفصلية، حوّلت الألتراس من جماعات تشجيع إلى فاعل سياسي مُلاحَق.

الرمز (الشهداء، اللافتات السوداء، الصمت الجماعي) أصبح هنا أداة:

  • لتثبيت الذاكرة.
  • لمقاومة السردية الرسمية.
  • لفضح العنف البنيوي للدولة.

المغرب: الرمز والهوية الاجتماعية:

في المغرب، تتميز الألتراس بخطاب رمزي كثيف يمزج بين:

  • التهميش الاجتماعي.
  • نقد النيوليبرالية.
  • مساءلة الهوية الوطنية.

أغاني مثل “في بلادي ظلموني” تحولت إلى نصوص سياسية شعبية عابرة للملاعب، تعبّر عن أزمة الاندماج الاجتماعي وفشل النموذج التنموي.

غرامشي – المدرج كحرب مواقع رمزية:

يتيح مفهوم الهيمنة الثقافية عند الفيلسوف والمناضل اليساري الإيطالي  أنطونيو غرامشي فهم المدرجات بوصفها ساحة حرب مواقع، لا مواجهة مباشرة. فالسلطة لا تُنتزع فقط عبر السيطرة على الدولة، بل عبر السيطرة على المعنى، اللغة، والرموز.

الألتراس:

  • لا تملك برنامجًا سياسيًا.
  • لا تسعى للسلطة.
  • لكنها تُقوّض الهيمنة عبر نزع الشرعية الرمزية عن الخطاب الرسمي.

المدرج هنا يعمل كـ مدرسة سياسية غير رسمية، تُنتج "مثقفين عضويين" من داخل الطبقات الشعبية، لا عبر الكتب، بل عبر التجربة الجماعية.

بولانيي – الجماهير كحركة حماية اجتماعية:

يُظهر كارل بولانيي المؤرخ الاقتصادي النمساوي المجري وعالم الأنثروبولوجيا الاقتصادية، وعالم الاجتماع التاريخي، ان المجتمعات تتعرض للتفكك بفعل السوق أو السلطوية، فتُنتج حركات دفاع ذاتية لإعادة ترميم المعنى والروابط الاجتماعية.

من هذا المنظور، يمكن فهم الألتراس والرمزية الجماهيرية بوصفها:

  • ردّ فعل على التهميش.
  • محاولة لإعادة “ترميم” التفكك الاجتماعي داخل الفضاء الرياضي.
  • مع رفض تحويل المواطن إلى مجرد مستهلك أو رقم أمني.

الرمز هنا ليس زينة، بل آلية حماية اجتماعية–ثقافية في زمن الانهيار المؤسسي.

موسكوفيتشي – التمثلات الاجتماعية وصناعة المعنى:

يقدّم سيرج موسكوفيتشي الروماني الفرنسي المتخصص في علم النفس الاجتماعي مفهوم التمثلات الاجتماعية بوصفها الأطر التي تفهم الجماعات من خلالها الواقع وتُعيد صياغته. ويصبح المدرج الرياضي وجماهيره مختبرًا لإنتاج هذه التمثلات:

  • الدولة الاستبدادية تمثل القمع.
  • الشهيد يمثل الذاكرة الجماعية مثل شخصية الزعيم الافريقي باتريس لوممبا المستعادة في رمزيتها وذاكرتها الحية.
  • الفريق الرياضي يمثل الجماعة الوطنية او الوطن المصغر.

وعبر التكرار الطقوسي (الأغاني، الحركات، اللافتات)، تتحول هذه التمثلات إلى بنية إدراكية مستقرة، تؤثر في الوعي السياسي لجيل كامل، خصوصًا جيل Z.

ورغم طابعها التحرري، تحمل ظاهرة معركة الرموز وإنتاج السياسة والوعي السياسي مخاطر:

  • الانغلاق الهوياتي.
  • العنف الرمزي أو المادي.
  • الاستغلال السياسي.

غير أن هذه المخاطر ليست حتمية، بل مرتبطة بسياق القمع وانسداد الأفق السياسي. فحين يُغلق المجال العام، تنتقل السياسة إلى حيث لا تتوقعها السلطة: المدرجات، الجدران، والأجساد.

وفي الواقع إن ظاهرة الرمزية في جماهير الملاعب تؤكد أن السياسة لم تختفِ، بل غيّرت فضاءها ولغتها. فالمدرج لم يعد مكانًا للهيجان الحماسي فحسب، بل بات حقلًا لإعادة إنتاج الوعي، الذاكرة، والمعنى الجماعي.

وفي عالم عربي مأزوم، قد تكون معركة الرموز إحدى آخر ساحات المقاومة السلمية الممكنة، حيث يُعاد تسييس الجماهير خارج قوالب النخب المنهكة.

تاريخ أول نشر 2026/1/11