search

الغنوشي … طائر الفينيق

ربما يبدو هذا المثل ممجوجا لكثرة استعماله، إلا أنني أراه من دون مبالغة في مكانه. ذلك أن المتأمل في سيرة الشيخ راشد الغنوشي وفي المنعطفات الحاسمة التي مر بها تجعلك تستعيد هذا المثل بكل حمولته النفسية. ففي كل منعطف يتبادر إلى ذهن المتابع والمراقب أن مسيرته قد آذنت بالتوقف وما عليه إلا أن يستسلم للقدر. كان ذلك ذات فجر قارس من شهر ديسمبر 1980، وذات صيف قائض من شهر جويلية (يوليو) 1981، وذات خريف ذابل من شهر أكتوبر 1987 حين كان حبل المشنقة متدليا ينتظر فريسته، وذات سنة 1991 تلك السنة الدامية التي وضع فيها مشروعه في الامتحان الرهيب تعذيبا وسجنا وتشريدا وقتلا معنويا وفق خطة أعدتها ونفذتها بحنق شديد نخبة أشربت الإقصاء والاستئصال اليعقوبي، ثم كانت عشرين سنة من الاغتراب القسري أوشكت أن تذهب ببقية العمر بعيدا عن وطن نذر نفسه لخدمته وتحقيق ما عجز الأسلاف عن القيام به. في تلك الأشهر الأخيرة من سنة 2010 كان اليأس قد استبد بمن حوله وأوشك العقد أن ينفرط، حتى كانت الثورة التي جاءت على غير ميعاد، لا بل في لحظة يأس قاتلة تصدق فيها الآية القرآنية: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا". وتتوالى المنعطفات الحاسمة حتى كانت الأخيرة ولن تكون الآخرة  ليلة 25 جويلية (يوليو) 2021 . في كل تلك المنعطفات الحاسمة وما بينها من منعطفات ينتصر في داخله قلب موصول بالله يؤمن إيمانا راسخا أنه قدر الله وأن إرادته من إرادته، فينتفض تماما كطائر الفينيق يزيح عنه كل كلاكل الوهن والاستسلام وتشرق بين عينيه مشاعل النور تضيء ما بدا أنفاقا مظلمة ودروبا معتمة وتنفتح له ساحات فسيحة من العمل والعطاء والنماء.

هكذا كان طريقه … مرهقة بل شاقة جدا لمن حوله في أحيان كثيرة … ما إن يخرجوا من ضيق ويخيل إليهم أنهم سيضعون أحمالهم حتى يٌركبهم صهوة جواد المسير اللاهب نحو الغاية القصوى … الحرية … مشروعه الأسمى وغايته الجلى … كلما توهموا أنهم تحرروا حتى يفاجئهم بصرخته: كلا لم نتحرر بعد.

تلك كانت روحه وإرادته اليقظة في تلك الليلة التي استولى فيها سعار الشعبوية على تونس، وارتبكت فيها نفوس من حوله، فذهب ليضع شهادته على الانقلاب، ويعلن بجلاء موقفه في تلك الصورة الخالدة: واقفا أمام بوابة البرلمان التي أغلقتها دبابة الانقلاب.

وبقدر ما بدت تلك الصورة باهتة ليلتها أمام الأعين التي عشتها الشعبوية الحمقاء وإعلامها المضلل، بقدر ما أخذت مع الزمن تزداد وضوحا وسطوعا. وكلما ازداد وضوحها وسطوعها يتبدد بالمقابل ظلال الشعبوية وضلالها.

يقبع الغنوشي وراء قضبان سجون الانقلاب بجسده الثمانيني الذي يوهم المنقلب بأنه في قبضته، لكنه بعقله وقلبه وبسيرته ومسيرته يقاوم الانقلاب وأعداء الحرية والكرامة وكأنه حر طليق وربما بأكثر مما لو كان حرا طليقا. 

لذلك لم أفاجأ بالتقرير الصادر عن فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز القسري رقم 2025/ 63، والمتضمن رأيا قانونيا رصينا بمخالفة استمرار احتجاز الشيخ راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي السابق ورئيس حركة النهضة التونسية عدة مواد من أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية :

- الحق في الحرية والأمان ( المادة 9)

- الحق في محاكمة عادلة ( المادة 14)

- حرية التعبير ( المادة 19)

- مبدأ عدم التمييز ( المادة 26)

و يدعو السلطات التونسية إلى :

- الإفراج الفوري عن الشيخ راشد الغنوشي وزملائه من المعتقلين.

- توفير الضمانات لتمكينهم من التعويض المجزي عن ما تعرضوا له من انتهاكات.

- صيانة حقوقهم الأساسية في ممارسة حرية التعبير والعمل السياسي دون خوف على أنفسهم أو حرياتهم أو حقوقهم.

في كل مرة ينتشي الإنقلاب بالأحكام التي يصدرها قضاؤه تشفيا وتنكيلا وظنا خائبا بأنه بذلك إنما يغيب الشيخ وذكره بين الناس، يأبى الله ثم ضمائر الأحرار في العالم ذلك، ويتحول سجن الغنوشي إلى غصة يختنق بها الانقلاب وتقطع عليه أنفاسه.

تاريخ أول نشر 2026/3/26