search

المجتمعان المدني والسياسي ... والمقاومة على الطريقة التونسية

كنت منذ انعقاد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل أفكر في كتابة بعض الملاحظات من وحي المناسبة، خارج سياق الجدل الذي عقبه حول المعارك الداخلية والنتائج النهائية للمؤتمر و الخاسرين والرابحين فيها.

لكن أحسب أن تأخري "جاء في الصالح"، ذلك أن انعقاد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الرابع لحزب التيار الديمقراطي قد عززت ما كان أوحى به إلي مؤتمر الاتحاد.

جوهر ملاحظاتي يرى أن طبيعة النخبة التونسية في وجهها الإيحابي تتغلب في الأخير سواء على وجهها السلبي أو على وجوهها الأخرى التي تميل إلى نوع من تبني خطاب العنف والإقصاء والحلول الجذرية في مواجهة تسلط الدولة وعنفها وديكتاتوريتها ... وهنا أنا أصف ما أعتبره "طبيعة" بمعنى "شخصية أساس"وإن شئت قل "مزاج". تلك الخاصية، تجعل التونسي أكثر استعدادا لاستعمال أساليب "المناورة" و"الرهدنة" للحصول على "حقوقه"، ولا يلجأ للحلول الجذرية والقصووية إلا في لحظة "فيضان الكأس"، يعود بعدها بسرعة إلى "سجيته".

ومن هنا يصح إلى حد ما القول، أن طبيعة " الثورة" في التاريخ التونسي أقرب إلى "الانتفاض" المؤقت منها للثورة الجارفة الممتدة النفس. وقد كان احد الروائيبن بليغا عندما سمى ثورة علي بن غذاهم بـ"عام الفزوع"، من "الفزعة" وهي "هبة" للإنقاذ، أو للتخليص من ظلم، أو لفض ظلم، وليس لإحداث تغيير جذري يتطلب صبرا وحزما وعزما واستعدادا لـ"لتخبط في الدماء".

أورد محمد الصياح في شهادته التي قدمها للكاتب والإعلامي لطفي حجي، القصة التي بقيت في مخيلته بعد أول لقاء مع بورڨيبة، والتي لخصت في تقديري منهجيته في التعامل مع الخصوم وممارسته للسياسة.

يذكر الصباح أن بورڨيبة كان يتحدث إليهم بطريقته المسرحية المعهودة كيف يتعامل مع الخصم، مشبها نفسه بالملاكم الذي يتحين خصمه في لحظة غفلة كي يسدد له اللكمة القاتلة بعد أن يكون مارس معه فنون الارهاق والإلهاء والاغراء: "اضرب ورخ وعاودله" أي "اضرب وتراجع قليلا ثم اضرب مرة أخرى". ومن يتتبع تاريخ بورڨيبة السياسي، يجده وفيا لتلك الروح وليس لما يميل إليه الكثيرون من انه يفضل سياسة خذ وطالب وسياسة المراحل. بل إن بورڨيبة قد نفى ذلك صراحة في بعض خطبه، وهو وإن اعتمد سياسة المراحل أحيانا، إلا أنه اعتمدها ضمن رؤيته الآنفة في ممارسته للسياسة. سياسته مبنية أساسا على التخطيط واإعداد والمحاصرة العقلانية للخصم وتحين لحظات الضعف، فإذا أدركها فإنه لا يرحمه ... هكذا مارس السياسة سواء في إدارته للحزب أو للدولة مع منافسيه ومع خصومه ومع أعدائه.

أعود إلى صلب الموضوع وأقول إن النخبة التونسية الوطنية تواقة للتغيير دوما، ورافضة للظلم والديكتاتورية، وترفض الخنوع والاستسلام، غير أنها تمارس رفضها عموما بطرق بعيدة عن الحلول الجذرية والقصووية.

لذلك لم يشهد تاريخ تونس الحديث فترة استسلام كامل. ولم يستطع بورڨيبة بكل ظلمه وديكتاتوريته تكميم أفواه النخبة حتى وإن بدا أنه في لحظة من اللحظات قد روضها رغبا ورهبا.

وفي أشد لحظات القمع والترويض للنخبة، يتحرك المجتمع بشكل تلقائي لإنتاج نخبته البديلة التي تدافع عن حريته وكرامته. وفي هذا الإطار نفهم ظهور أجيال المناضلين في شكل حركات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية. فعندما يشعر المجتمع أن قوى التغيير التي انتدبها لمهمة مواجهة عنف الدولة وتسلطها قد استفرغت جهدها واستنفذت أغراضها "ينتج" بديله عنها في سنة استبدال هي في جوهرها من سنة من سنن الاستبدال الإلهي.

في مطلع التسعينات وبعد سنوات القمع الأعمى لحركة النهضة، وحيث بدا أن النخبة قد استسلمت لبن علي، لم تمر سوى 3 أو 4 سنوات حتى استفاقت النخبة، واخترقت جدار الصد في اتجاه رفض القمع ورفض الإقصاء الذي بدا وكأنه كان قدرا لازما، وبدا أن النخبة التونسية قد غرقت في وحله.

إن التتبع الدقيق لتلك السنوات سيجد الوقائع أمامه ماثلة صارخة سفهت أحلام الدولة الكليانية.

تلك طبيعة النخبة التونسية وهي انعكاس لطبيعة التونسي. إنها منتوجه ومولوده، ترفض الظلم كما يرفضه الانسان بجبلته، وترفض القيد كما يرفضه أي حر، وقد تحني ظهرها قليلا لكنها لا تركع ولا تسجد لظالمها.

مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل كحدث، جوهره عودة المنظمة التي هي أكثر من نقابة إلى الخيار الديمقراطي في إدارتها، وإلى أولوية الاجتماعي في مهمتها، وإلى روحها الوطنية الجامعة في شعاراتها. وهي عودة للأصل. وقد اعجبني التوصيف الذي أستعمله جمال الدين الهاني: " العودة للعهدة الحشادية". أنا هنا لا أقلل من حجم الوضع المتردي الذي عليه الاتحاد، ولا ازعم أن ما نخر جسمه قد وقع التخلص منه. أعرف أن التغيير الحقيقي لا زال يحتاج عملا شاقا، ولكن لا يمكن أن نقلل من أهمية انعقاد هذا المؤتمر الذي قد لا نبالغ إن قلنا أنه المؤتمر الأول الذي أفرز خيارا عماليا خالصا أو شبه خالص بدون تدخل الدولة وبدون هيمنة إيديولوجية أخرجت الاتحاد عن وظيفته ومهمته وذلك منذ الاستقلال.

أما عن الجلسة الافتتاحية لمؤتمر التيار الديمقراطي التي شاهدتها كاملة، فقد كانت بالنسبة لي مليئة بالدلالات الإيجابية.

وكان أهم ما فيها كلمة الامين العام بطبيعة الحال، وأهم ما قاله في كلمته: " ناضلنا في إطار مسار دستوري تشاركي في عشرية نجزم أنها الحقبة الديمقراطية الوحيدة في تاريخ تونس". إنها كلمة جامعة تحمل من الإقرار ومن النقد الذاتي الكثير، ولن يضعف نقدها الذاتي الجريء أن صاحبها لم يجثو على ركبته صارخا "لقد اجرمنا ... لقد خنا ... " كما يصر على ذلك البعض، "فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" كما قال عيسى عليه السلام.

خطاب الجلسة كله كان إيجابيا ومتوازنا ... الكلمات، وشريطي الفيديو، والحضور الجامع، بما فيهم أحزاب كان الصراع بينها وبين التيار مريرا، بل وحتى غياب بعض الوجوه التي لم تظهر لي من خلال مشاهدة الجلسة، ودعوة صريحة للنضال المشترك، كل ذلك إشارات إيجابية وإعلانا على استعداد لقطع خطوات ليس لعقلاء التونسيين إلا استقبالها بكل إيجابية والبناء علبها والتغافل عما سواها.

أعرف أن هناك من سيستفزه كلامي هذا، وربما لن أسلم من الألسنة الحداد، لكنني مع احترامي للجميع أكتب ما أراه وما يمليه علي ضميري.

وأقول للذين يبحثون عن الحلول الجذرية بكل حب، ليس مكانها في تونس، ولا عند التونسيين شعبا ونخبا .... وقد جربت أجيالنا المتعاقبة الحلول الجذرية تأثرا بمناخ عالمي سادت فيه تلك الرؤى والمناهج، ولكنها جميعا انتهت إلى طبيعتها التونسية الغلابة ... التونسي عاشق للحرية كافر بالظلم، محب ككل إنسان كرمه الله للحق والخير والجمال، ولكنه يريد كل ذلك ويطلبه بالإصرار على الحوار والمداورة والمناورة والرهدنة لا بالعنف والإقصاء ورد الظلم بالظلم.

ذالك هو التحليل الانتروبولوجي الثقافي لشخصية التونسي منذ تشكلت شخصيته وتمايزت ... ورغم انفتاحها على العالم، واستقبالها للاحتلالات والهجرات، إلا أن الغالب على الوافدين برغم تأثيرهم الذي لا ينكر، هو الانصهار في الشخصية التونسية وغلبة التأثر بها على التأثير فيها.

تاريخ أول نشر 2026/4/4