search

النهضة ومواردها البشرية

لاحظت مفاجأة بعض الأصدقاء ببعض الأسماء التي قطعت خيار الصمت وتكلمت أو كتبت، فأظهرت ما كان مجهولا من شخصيتها. ورغم أن بعضها كان معروفا بنحو ما من خلال المهام التي تقلدها، إلا أنه كان يغلب على سلوكها قلة الكلام والظهور، والاقتصاد في الكتابة والحديث لأسباب كثيرة، منها ازدحام القاع بمن هب ودب، ومنها الالتزام بواجب التحفظ، ومنها ما تقتضيه المهام التي كان يتقلدها ...

وأنا أعذر الناس ومنهم قواعد النهضة ذاتها، وخاصة جيل ما بعد الثمانينيات الذي لم يتسنى له العيش في محاضن النهضة الأصلية ومحاضن ما قبل الانفتاح الذي بدأ بعد 87 وإن انقطع مع المحنة الكبرى وخاصة انفتاح ما بعد الثورة، وهو انفتاح طبيعي ومطلوب برغم ما يوجهه البعض من النقد المشروع. فليس العيب في الانفتاح، لأن أي حزب مشارك في مؤسسات الدولة مهما كانت مشاركته في الحكم أو المعارضة لم يعد يسعه التعامل القديم في زمن الديكتاتورية والسرية. فهو لم يعد حزب "النهضويين"، وإنما حزب التونسيين جميعا، لأن من يريد أن يحكم باسم التونسيين جميعا، عليه أن ينفتح عليهم جميعا، وفق نظام الانتماء الحزبي الذي يحدده الدستور والقانون، ولا يمكن أن تخرج شروط العضوية فيه على أصول الانتماء الحزبي الدستورية والقانونية.

أعود لأقول أن مدرسة النهضة، قد خرجت أجيالا من المناضلين والقادة، وهم أهل القلم واللسان، وأهل العمل والجد، وأهل التضحية والفداء.

ولقد كان لي رأي طالما كتبت عنه وجهرت به. وهو أن النهضة لم تحسن إدارة مواردها البشرية.

وإنني أجزم أن ما تملكه النهضة من موارد بشرية لو أحسن إدارتها واستثمارها لاستطاعت - مع الإقرار بصعوبة المرحلة الانتقالية في كل الثورات - تجنب الكثير من القصور والإخلالات على جميع الأصعدة.

انزلقت النهضة تحت ضغط الواقع، وارتبكت في المحافظة على جزء مهم من سمتها النضالي، ما كان لها التفريط فيه بكل تلك السرعة، وتجاهلت بدون مبرر مقنع ما خلصت إليه في تقييماتها، سواء تلك التي أعدت في الخارج أو تلك التي أعدت في الداخل. وقد كانت تقييمات الداخل لم يجف حبرها بعد لما قامت الثورة.

ما أقوله هو مستوى من المستويات التي يمكن أن يطالها النظر، ولكنها طبعا لا تلغي المستويات الأخرى وخاصة ذات البعد الاستراتيجي في علاقة بعمق المشروع الذي حافظت النهضة عليه، وتعاملت مع اوضاع معقدة ولكنها طبيعية في كل الثورات بروح المسؤولية التاريخية، ولم تتتعتع ولم تنحرف بوصلتها، رغم ارتباكها وتعثرها وتكبكبها على المستوى العملي في مجالات أصبح الإقرار بها من تحصيل حاصل، ولعل أهمها حسن استثمار وإدارة مواردها البشرية بروح الالتزام الأخلاقي الذي عرفت به، واستيعاب التنوع وجعله نقطة قوة لا نقطة ضعف، وحسن توزيع طاقاتها بين مجالات العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، وكذلك لو عرفت كيف توازن بين الطموح المشروع للفرد داخلها وبين ظواهر التسلق والتسلل والزبونية وغيرها مما هو معروف وملاحظ ولا يمكن إنكاره. وكذلك حسن تقدير الموازنة في التوظيف بين ما تحتاجه الدولة وما يجب أن تحتفظ به لصالح المجتمع.

تاريخ أول نشر 2026/6/9