أنا يا سادة رجل من الغيب... من سكان هذه المعمورة في العام 2200، حيث لا أحد منكم على قيد الحياة... أنا يا سادة مهتم ومهموم بتتبع سير المصلحين الكبار والمفكرين الذين ينظرون للأفق البعيد ويُنظّرون للأمة في أفقها الحضاري، ويخوضون المعارك المباشرة وفق استراتيجيات التراكم النفسي والقيمي، أولائك الذين عبّدوا طريق الإصلاح والتحرير في العقول والقلوب، وقادوا مشاريع النهضة تبشيرا وتعزيزا وتمكينا.
هؤلاء الذين حملوا هم التغيير شبابا، وشحذوا عزائمهم بالحلم الجميل وبالطموح النبيل وبالإرادة الواثقة والتوكل الصادق.
لم يستوحشوا الطريق لقلة سالكيه، ولم يهابوا مطباته ومنعطفاته ومنحدراته السحيقة أحيانا ولا المهاوي التي على جانبيه.
وطّنوا أنفسهم على أنهم الحُداة، وأنهم المصابيح، وأنهم رؤوس القافلة، وأنهم الأدلاء، بهم تستأنس الأمة في سيرها ويلتم شعثها ويكبر جمعها وتُستحث خطاها.
انقادت الأمة لعقولهم المبصرة ولقلوبهم الباصرة، وتحملوا الأمانة التي ناءت بحملها الجبال الشم.
وجدت تاريخنا المجيد مليئا بهم على قلتهم، لا يخلو منهم زمن ولا حقبة ولا مرحلة، يظهرون عند اشتداد الأزمة وضياع الهمة وسريان اليأس بين الناس.
يأتون بل قل يظهرون "كوردة طالعة من صبح ... كنبع ماء بارد يروي صحاري ملح".
يأتون طاقة متوهجة لا يخبو شعاعها ... يأتون مجددين: في الكلمات ... في الأفكار... في العزمات ...
ومن تلك الكوكبة اخترت أن أحدثكم عن الشيخ راشد الغنوشي ...
يتحدث أحد تلاميذه قائلا: كان أول ما سمعته من الشيخ راشد، وما بقي عالقا في ذهني، في زيارة مبكرة لقريتنا، لحضور ما عُـرف بين الرفاق التونسيين بـ "مؤتمر دوز" سنة 1976، كلمة ختامية في سهرة العرس يتحدث فيها عن" البرنامج الإسلامي"... كلمة البرنامج لا نعرفها في ذلك الوقت إلا في الحديث عن البرنامج المدرسي ... لا أدري لماذا ... ضاع من ذاكرتي مضمون كلمته الختامية ولم يبق منها إلا "البرنامج الإسلامي" ...
وهكذا كان ... للرجل مشروع ومهمة تتطلب برنامجا ... هذا ما تميز به منذ بداية الطريق ... هكذا قال عنه رفيقاه الأوائل احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي ... رجل صاحب مشروع... لديه رسالة ... أخذها على عاتقه كرؤية تبدو له جلية وهي من بعيد ... تماما كما القمر يبدو بهيا وجليا حتى وإن كان في حقيقته "كلس موحش وثقوب" ... لكنه موقن أنه ما إن تطأه قدماه حتى يعيده نابضا بالحياة وعامرا بالتسبيح.
رجل "له قدرة على التنظير والأدلجة ووضع النصوص في سياقات سياسية تهدف إلى التعبئة وتغيير الواقع .... يشدك بتأملاته وتنقلاته المعرفية وتحويل الخطاب الديني الوعظي إلى منظومات فكرية.. تحرك في السامع الرغبة في فعل شيء ما وتجعله مهيئا للانخراط في مشروع ... إنك أمام رجل يريد بناء جماعة ... تسعى إلى بناء دولة" ... هكذا وصفه الجورشي في شهادة لم تخلُ من بعض التجني ولكن الحقيقة فرضت نفسها رغم ذلك.
وهو نفس المعنى الذي اكده احميدة النيفر أكثر من مرة مع محاوريه ... رجل صاحب مشروع منذ انطلاقته ... وصاحب إرادة صلبة لا تلين في السعي للتمكين له.
ومن عجب أنه قد اختار - على خلاف ما يتهمه به الكثيرون حتى من بعض رفاقه الذين فارقوه – أن يبني مشروعه ليس فقط في زحمة التناظر والجدل والصراع الخارجي، وإنما أيضا في أتون التناظر والجدل والتدافع داخل جماعته. كان لا يتهيّب أن يجعل من أشد منتقديه ساعدا أيمنا له، وأن يقاسمه المهام، بل وأن يفوضه مهاما كبيرة. لم يعمل قط مع "حواريين" لا يحسنون إلا السمع والطاعة. أحيانا يخيل إليك أنك مع رجل يستمتع أن يعمل في مناخ يفتقد التجانس، وحتى عندما أصر على حقه في اختيار مساعديه، فإنه يختارهم ممن يعرف جيدا اختلاف رؤيتهم أو على أقل أمزجتهم عنه.
يبدو لي أن ذلك الخيار بناه على رؤية ثاقبة وشجاعة نادرة في الإيمان بأن البناء الصحيح هو الذي يتم في مناخ الاختلاف وليس في مناخ التسليم والطاعة العمياء. بل إنه قد سبق منتقديه وحمل بنفسه على التصورات التقليدية للقيادة في نصوص مبكرة.
قد يراها البعض مجرد ذكاء وقدرة على التوظيف والمناورة، ولكنني أراها أبعد من ذلك بكثير. فقد بنى بذلك سمتا لحركته وأفرادها - قيادة وقاعدة - ميّزتهم عن غيرهم، تدركها عند المقارنة وحين تواجهها بأنماط التنظيم والقيادة لدى الجماعات الأخرى.
هو يعرف أنه سيواجه أوحالا بل أهوالا، ويعرف أن رقبته سيطوفون بها حول المقصلة... لكنه وهو المُشبَعُ بيقينه في الله وبِسِيَرِ من قبله من المصلحين والمجاهدين... يردد مع سيد قطب "وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسا" ... وكما ردد أمام المحكمة في كلمة الإعذار سنة 1987: "إنّ دمي الذي يريد بورقيبة هَدْره، بعد سويعات، سيَسقي دوحة الإسلام في تونس بماء هي في أشدّ الحاجة إليه. فالدعوة لا تُروى بغير دماء أصحابها. ودمي واجب إغداقه، وهو رخيص على شجرة الإسلام".
هو يعرف أن الموت لا يسبق القدر، وأن قدره أن لا يلقي عصا الترحال حتى يلقى الله ولا يهم "على أي جنب" سيلقاه فالمهم أن يلقاه مجاهدا ذائدا عن حياض الحرية ... ويعرف أن ثمن الحرية غال، وأنها لا توهب، وأن عليه أن يكون القدوة لرفاقه ولشعبه... لذلك استشعر الحرج الشديد وهو يرى رفاقه يساقون لزنزانات الانقلاب وهو خارجها.
وحين يرى ظالميه يكيلون له في حنق وسادية السنون تلو السنون أحكاما جزافا في وضاعة وخسة، يواجههم بسخريته مما يأتون، وربما حتى إشفاقه عليهم إذ لا يمكن لسوي العقل والقلب أن يأتي ما أتوا.
يا سادة ... لقد قلّبت كل ما بقي من ذكريات أيامكم ... وما خلّفه الرجل وما خلّفتموه عنه ... فلم أكد أجد إلا سيرة رجل عاشق للحرية، مجاهد في سبيلها، صابر على لأوائها... يتفجر حبا لدينه وأمته ووطنه وللإنسانية جمعاء ...
وجدت رجلا لا يستنكف أن يجعل من نفسه جسرا لنهضة لا تُبنى إلا بالتراكم، وحسبه أنه كان مستعدا للقيام بالواجب، حتى ولو كان مقابل ذلك التضحية بالسمعة والتصدق بالعرض ... لا يستنكف أن يعرض جلده تحاول نهشه ذئاب عاوية وأفاعي نهّاشة وعقارب لسّاعة ... محولا بإرادته ويقينه في الله جلده إلى "جلد تمساح"، كما قال.
ويوم كان المولود غضا طريا صرح في ندوة الإعلان عن الحركة في 6 جوان 1981: "أننا سندخل السياسة بلحانا هذه"، وهو الحلم الذي تحقق عندما وقف هو ورفيق دربه الذي كان بجانبه في الندوة في مكتب متواضع، وقف الإثنان على منصة مجلس النواب التونسي في يوم مشهود من شهر نوفمبر 2019 بلحاهم تلك يسلم الواحد منهما للآخر رئاسة مجلس النواب. في صورة نعرف جميعا أنها كانت أقسى على خصومه من وقع الحسام المهند.
قد يقول قائل من قِصار النظر: "تلك التي قتلته" لكنني أقول على العكس من ذلك "تلك التي أحيته ... تلك الخطوة كان لا بد من تخطيها، ولا يهم أن تذهب أنت أو يذهب غيرك في سبيل ذلك". ذلك هو حكم التاريخ وحكم التغيير الاجتماعي العميق والتغيير الحضاري.
كان يعرف أنه قد يحترق ولا يخترق، لكنه يرى أنه إن قُدّرَ له أن يحترق فإنه قد أفرغ "السلاح" من طلقته الأخيرة، ومن سيأتي بعده سيكون أمامه ما بعد ذلك من العقبات ليقتحمها، أما هذه فقد كفاه إياها.
هو قارئ جيد وفطن للتاريخ ... إنه سليل ابن خلدون ... ذات يوم قال المؤرخ الفلسطيني بشير نافع: أعكف كل سنة على قراءة مقدمة ابن خلدون لكنني أفاجأ بأن الشيخ راشد التقط منها فكرة وكأنني لم أقرأها قط.
في حضرة التاريخ الطويل ... التاريخ الحضاري ... أنت بين مهمتين، وكلاهما لهما نفس القيمة: إما أن تخترق وإما أن تحترق ... فمرة يكون الاختراق ممكنا ومرة يكون الاحتراق واجبا.
وإنك لتعجب العجب العاجب، حين ترى سير أولائك، وترى كيف تناوشتهم السهام من كل جانب، وكيف يُحرّض عليهم سفهاء القوم، لدرجة أن يلقى أحدهم الله وهو غريب "كصالح في ثمود" ... لكن التاريخ يثأر لهم وينصفهم، ويمحو من ذاكرته وذكره خصومهم، أو يجعلها باهتة لا تكاد تُرى أمام حضور مكانته، فيحيا كما لم يكن في حياته، ويواصل وهو في قبره عطاءه وجهاده بما زرعه في الأرض من بذر وما خطّه من كدح وما أنتجه من قول وعمل.
أرأيتم تلك الصورة الملتقطة في ليلة 26 جويلية من العام 2021 أمام باب برلمان تونسي مغلق تنتصب خلفه دبابة ... إنها عمل يفوق كل وصف ويضرب في عمق المعنى ... لقطة أسقطت انقلابا في حكم التاريخ ... هكذا قدمها لنا التاريخ وهكذا قرأناها ...
أرأيتم ذلك الفيديو لليلة التصويت (مساء يوم الخميس 29 جويلية 2020) على حجب الثقة عنه كرئيس للبرلمان ... ليلة امتدت لصباح اليوم التالي (30 جويلية 2020) وانتهت بكلمات منه قمة في الوعي والهدوء والثقة والتصميم ... لقطات أحرقت كل ما طاف حولها من صراخ وزعيق ... وهي ما بقيت في حكم التاريخ قوية تتدفق معنى وحكمة ولن تجد لما سواها ذكرا ... هكذا وصلتنا الرسالة في زمننا هذا ...
هذا ما وجدناه يا سادة ونحن نُقلّب ما تركتموه لنا في أرشيفاتكم المكتوبة والمسموعة والمرئية حول راشد الغنوشي ... هذا ما وجدناه وفرض نفسه علينا ... لا أقول أننا لم نجد غيره ... نعم وجدنا بعض آثار خصومه ... لكنها لم تزدنا اقتناعا إلا بقيمته... فشانؤوه أكدوا قيمته على غير ما أرادوا ... وكل ما زادوا في تكالبهم عليهم زاد ذلك من تأكيد رفعة شأنه وجلال دوره كواحد من كبار هذه الأمة في سعيها الذي لم يتوقف شهادة لله وشهادة على الناس.
نحن يا سادة، في زمننا هذا في آخر القرن الثاني من الألفية الثانية، ننهل من عطاء هذا الرجل، ونتعامل معه وكأنه حاضر بيننا ويكتب لنا لا لكم .... ونرى في ما قام به هو ومن رافقه أو سبقه أو جاء بعده من المصلحين، ما لا بد منه في مسيرة أمتنا، وعليه نبني الآن مسيرتنا الظافرة لتحرير الانسان ...
هكذا بدا لنا راشد الغنوشي ونحن نقرأه من خلال ما حُفِظ لنا من سيرته وجهاده ... "فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكُثُ في الأرض" ... وهذا بالضبط ما ينطبق على راشد الغنوشي إنسانا ومفكرا ومجاهدا وقائدا وزعيما ...
تاريخ أول نشر 2026/4/17
