حتى أكون صادقا، فقد صارعت نفسي كثيرا كي أعلق على بودكاست الإعلامي محمد اليوسفي في موقع الكتيبة مع السيدة منية إبراهيم القيادية السابقة في حركة النهضة والنائبة السابقة في المجلس التأسيسي وبرلمان دورة 2014، وزوجة المناضل والمعتقل السياسي السيد عبد الحميد الجلاصي القيادي السابق في حزب حركة النهضة.
لكنني قررت بعد تفكير ان أكتب التعليق التالي :
دعوا الجانب السياسي في البودكاست وخاصة ما له علاقة بتدقيق وتقييم بعض قضايا العشرية كله أو جله، والذي حاولت منية تجنب الغوص فيه ولكن الصحفي افتك منها شيئا من ذلك .
ما يهمني وما شد انتباهي، وقد استمعت للبودكاست كله، ولم تفلت مني دقيقة واحدة فيه، هو الجانب الإنساني الي احتل حوالي ساعتين في اول البودكاست وحوالي ربع ساعة آخره يعني حوالي ساعتين من حوالي أربع ساعات.
في هذا الجانب الإنساني في البودكاست، وهي تسرد ما حصل للأخ عبد الحميد ولها ولهما معا، ولمن كان له علاقة مباشرة بهما وخاصة ابنتهم مريم، من ظلم وانتهاك صارخ لكل معاني الكرامة الإنسانية، إنها وهي تسرد كل ذلك، كانت غاية في التوصيف والبلاغة والتدقيق، وقداستجمعت دون عناء كل طاقة العقل الحصيف والقلب الرهيف، كي تقدم لنا صورة مما وقع، ومما لا زال يقع الآن، من تعد على كل ما تحرم الشرائع والمواثيق والقوانيق التعدي عليه، في حق الانسان أي إنسان، ولو كان ارتكب جرما، فما بالك إذا لم يتجاوز ممارسة بعض حقوقه الدستوربة والقانونية.
أعرف أن بعض الناس - وحتى عمومهم - لا تتلقى عقولهم، بله قلوبهم، الكلام إلا عبر غلالة التصورات المرتسمة مسبقا على القائل وعلى موضوع قوله، لكنني أجزم أن من يجتهد في تخليص نفسه من تلك الغلالة/الأغلال، سيكتشف كم أننا مدانون نحن أيضا المظلومون قبل الظالمين، حين نسينا أو تناسينا ما حصل، وفتحنا طريقا للإستبداد بنا من جديد. حتى ذلك الشعار الأول من الثورة وهو الحرية، الذي نعيد الآن الحديث على أننا أسرفنا فيه، يتبين عند التدقيق أننا لم نفعل فيه ما هو مهم ومصيري ومقدمة على كل ما سواه: كرامة الانسان ... فلا انتقال ديمقراطي ولا إصلاح اقتصادي واجتماعي يمكن أن يحصل بدون الانسان التونسي كما خلقه الله وحرره، وكما سواه وكرمه ... الإنسان كإنسان وليس كمواطن أو كمسلم أو حتى كتونسي.
تلك كانت خطيئتنا الأساسية ... للأسف لم نستفد لا من تجربتنا المرة والناس تقول "ما يحس بالجمرة كان العافس عليها"، ولا من تجارب من سبقنا، ولا من تجارب العالم من حولنا. وكم هي التجارب التي قرأنا حولها من تلك الثورات، التي مارس ثوارها ما مورس عليهم وعلى شعبهم ما عانوا منه، والناجون منهم، أولائك الذين لم يمارسوا ذلك ولكنهم تغافلوا عنه، أو غفلوا عنه، أو عجزوا عنه، هذا إذا اعتبرنا ذلك منجاة!
وفي هذا الصدد أقول إن دستور 2014، ذو العناصر الإيجابية التي لا ينكرها إلا جاحد، كان ينقصه فصل أساسي غير قابل للتعديل بعد الفصل الأول "التعريفي" للدولة. هذا الفصل هو المخصص للإنسان ، أختار له الصياغة التالية: "الإنسان ذات مقدسة، تتمتع بالبراءة الأصلية في سلوكه. يجرم كل ما يمس من حريته وإرادته من كل أنواع الإكراه والعنف المعنوي والمادي. ويعتبر أي انتهاك لهذا الفصل مجرم حتى في حالات الإيقاف والتحفظ والحبس. ولا يجوز إدانته إلا بحكم قضائي بات من قبل قضاء مستقل في محكمة غير استثنائية، وتتحمل الدولة التونسية وحدها توفير كل ظروف الحبس الإنسانية التي تضمن له كل حقوقه النفسية والمعيشية والصحية. ويلجأ القضاء لعقوبة الحبس في صورة تعذر توفير العقوبات أو وسائل التتبع البديلة"
كان هذا الفصل الأساسي الذي تخلفنا عن الوعي بضرورته ووضعه في صدارة الدستور.
في حديث السيدة منية إبراهيم أيضا في الجانب الإنساني، صور ناطقة وكاشفة عن حياة المناضلين الاسلاميين، وعن علاقاتهم، وعن مبادئهم، وعن قيمهم، وعن أحزانهم وأفراحهم، وعن صمودهم وجلدهم، وعن صبرهم وتصبرهم ... صور لا تختلف عن صور تونسيين مثلهم من زملائهم وجيرانهم وأبناء أحيائهم ومدنهم وقراهم ... وصور لأبطال ضحوا من أجل مبادئهم ووطنهم ... وصور لوطنيين تجاهلوا مصالحهم من أجل صالح وطنهم ... وصور لبشر قد يخطئون وقد يستدرجون وقد يضعفون ... لكنهم لا يخونون ولا يكذبون ولا يسرقون.
تكلمت السيدة منية إبراهيم بحماستها المعهودة، وبوثوقيتها المعهودة، وبجراتها المعهودة، فأبانت عن وجه الحقيقة الدامي المؤلم والمفزع، ولكنها لم تتخل عن إيمانها وتصميمها على مواصلة الطريق، وتفاؤلها بليل سيدبر حتما، وبغد مشرق آت لا ريب فيه.
تاريخ أول نشر 2025/12/28
