search

بين حلم التغيير .... وإنجازه في الواقع

في الممارسة السياسية يمكن عقلنة وتبرير كل موقف أو سلوك سياسي تقريبا، مرة بالضرورة، ومرة بالحاجة التي تنزل منزل الضرورة، ومرة بالتكتيك والمناورة، ومرة بالهدف الاستراتيجي الأبعد، ومرة بأخف الضررين، إلى غير ذلك من التبريرات.

ويظل الناس يختلفون بين من طبعه شديد وسريع الانفعال يرفض اللين، ومن يغلب على سلوكه الهدوء والتروي حتى امام العواصف، فتراه يؤثر الحلول الهادئة، ولا يستسيغ رد الفعل الخطابي أو الميداني. وهناك من يتعامل مع القضايا باعتباره مراقبا وليس ممارسا، فيرى "الحق" من زاوية "الفرجة" تماما كما هم جمهور الملاعب، يتعاملون مع الواقع الذي امامهم ولكن بالمثال المصمم في رؤيتهم الذهنية، وهو ما يختلف عن أولائك الذين يخوضون في وحل الواقع، ويصارعون اعداء أو خصوما أو منافسين لا طواحين هواء.

والتاريخ شاهد لهؤلاء وأولائك، من خلال الوقائع والنتائج.

لذلك يقولون ان السياسة بالنتائج. فكم من مسار خٌط وكل مبرراته مرجوحة، لكنه انتهى إلى نصر مبين، وكم من مسار أٌعد بإحكام وترو وحيطة وحذر، وانتهى إلى نتائج سلبية وربما كارثية.

وليس معنى هذا ان يسلم أحد الطرفين للآخر ... لا ... ليبقى كل إلى ثغرته ينافح منها ويزعج الآخر في فرض الاستماع إليه ... المراقب الحارس غالبا لثغرة المبادئ والمآلات، لا يجب ان يترك ثغرته، وعليه ان يتزود بما يطرحه الممارس من تحديات وإشكالات وضرورات. والممارس عليه أن يستمع ويتحاور مع المراقب، باعتباره حارس المعنى والمبدأ والمآل الاسترتيجي ... لا يستغني أحد منهم عن الآخر ... والخير أن تكون قنوات التحاور وتبادل المعلومات والأفكار مفتوحة، وان تكون الاختلافات والاعتراضات وحتى التنديدات، منصبة على الفكرة والممارسة والخطة والخارطة باعتبارها اجتهادا، وليس على الاشخاص اتهاما في النوايا وتجريحا في القصد، وإن كان ذلك لا يعني النقد في التقدير والمحاسبة في التقصير ...

التاريخ علمنا ان الواقع اعقد من التصورات التي نبنيها حوله ... وكلما بدا لنا أننا امسكنا بخيوطه، إلا و نَد عن عقولنا في لحظة يخيل للقارئ انها عقودا، وما هي إلا أيام أو اشهر أو بضع سنين ... وكلها في حساب التحولات البنيوية السياسية أو الاجتماعية قد لا تعني شيئا ....

أذكر انه بعد حرب الخليج والهزيمة التي لحقت بتيارات التغيير الجذري العربية من يسارية وقومية وإسلامية، بهزيمة صدام وجيشه وما تبعها من خنوع عربي، وانطلاق قطار اوسلو، واستئساد أقطار "الرجعية العربية"، وعودة مصر للجامعة العربية، وتربع دول الخليج العربي لا سيما السعودية على عرش القيادة العربية. دخلت هذه الأخيرة في خيار تجاوز القضايا السياسية إلى التحكم في الثقافة والاعلام. وإذا النخب العربية التي كان يغلب عليها المعارضة لتلك الانظمة تحج الى دواوين الامراء الخليحيين، وتكتب في صحفهم ومجلاتهم، وتؤثث مؤتمراتهم، في عملية "تطبيع كبرى". وقد انفتحت تلك الانظمة اكثر على النخب العلمانية، وكان "التوافق المضمر": نريدكم أن تقولوا كل شيى وخاصة في نقد الدين والتراث والتسويق للحداثة ولما بعد الحداثة، وان تتركوا السياسة في الداخل والخارج لنا كأنظمة وان من اراد ان يقوم بذلك ليكن لنا عونا! و"املئ البطن تستحي العين" كما نقول.

في ذلك الجو المحموم كتب المفكر الراحل محمد عابد الجابري، الذي لم ينجو هو أيضا من ذلك المناخ، مقالا في مجلة المستقبل العربي خلاصته: لم تعد للوسائل الثورية التي تبنيناها طيلة ثلاث عقود معنى، وما علينا إلا توخي ",الأسلوب النقابي" : خذ وطالب!

لا أتهم الجابري رحمه الله، فقد كانت الموجة عاتية ... وكان جيله وخاصة النخب اليسارية والقومية قد استنفذت طاقتها وأدركها الهرم العضوي والفكري والنفسي.

لكن نخب التيار الاسلامي الفتية رفضت الاستسلام، واستلمت الراية، وقادت ثلاث عقود ونيف من مقارعة أعداء الأمة، وأبلت بلاء حسنا مهد للربيع العربي ووصل ذروته مع طوفان الاقصى ...

وها نحن وقد بلغنا القمة نُنذر بالنزول في قانون طبيعي اجتماعي ... فهل حان وقت النزول؟ ولمن سنسلم الراية؟ أللأبناء والأحفاد أم للأغراب والأوغاد؟

ما أنا مطمئن إليه، بالرؤية الحضارية، ان هذه الأمة لا تموت، بل لا تنام على ضيم ... وانها تراكم إنجازاتها وتقدمها في حركة لا يراها الذين يشغلهم السطح عما يعتمل في الوجدان الاجتماعي والحضاري.... "ما بالأنفس" حيث الحقيقة الصلبة والقوة التي لا تغلب . امة تراكم محصولها من صمودها ومن انتصاراتها بل من خساراتها وهزائمها ...

هذه الامة التي قُد "عجب ذنبها" من الإسلام العظيم، لا تهزم ولا تنكسر وقطعا لا تموت ... المعارك التي تخسرها لا تقصم ظهرها وإنما تقويها ... هذه سنة التاريخ ... وقدر المستقبل الذي نحن سائرون إليه ... والمهم بالنسبة إلينا أفرادا وجماعات وأجيالا وشعوبا أن نكون شهودا على زمننا شهودا حضاريا ... نعيش كراما ونموت كراما ... ويا سعد من يموت شهيدا.

تاريخ أول نشر 2026/1/8