تهمتان عمل خصوم النهضة على تثبيتهما في الانطباع العام: وهما تهمة "السذاجة السياسية" وتهمة "الإنتهازية السياسية". الأولى موجهة أساسا لأبناء النهضة وأنصارها، والثانية موجهة أساسا لمن يتحالف مع النهضة. لا أتحدث بالضرورة عن غرفة تحكم وسيطرة، ولكن موضوعيا هذا ما يمكن استقراؤه.
لا يخفى على كل من له وعي سياسي، أن الوسم والوصم من الأدوات المهمة لتشكيل الانطباع العام الذي يتحكم في الوعي العام من خلال تكثيفه والتركيز عليه، والسياسة كما يقولون انطباعات. وأقوى صناعة للانطباعات هي تلك التي تتوجه إلى داخل الخصم كي تساهم في هدم الاستعداد الذاتي للمقاومة وتحوله إلى قابلية للهزيمة وتصديق الخصم.
عندما أسمع أحدهم يتحدث عن سذاجة النهضة أتعجب وأقول هل فعلا أنه يصدق ما يقول؟
أنا أتابع الساحة مثل غيري، وأتعامل مع خطاباتها وسلوك الفاعلين باجتهاد كبير لتحليل كل ما يصدر عنهم، قولا أو فعلا، مزحا أو جدا، ما يتسرب من حوارات الداخل، وما يتهامس به في جلسات خلف أبواب مغلقة. ما يكشفه لحن القول، وما يفضحه المقول مما يحرص على إخفائه.
في كل ذلك لم أظفر بمن يتعامل مع النهضة على اعتبار أنها ساذجة، وأن سياسييها ساذجون ويمكن أن يتلاعب بهم. بل وجدت العكس قائما، حيث يحسبون لكل ما يصدر عن النهضة حسابه، ولا يستهينون بأي حرف في بيان سياسي، ولا بكلمة عابرة في خطاب أو في حوار صحفي.
والناس للأسف لا يقرؤون ولا يصبرون على القراءة. ولو كانوا يقرأون، لفهموا من خلال بيانات النهضة الرسمية، سواء بيانات مجلس الشورى، أو بيانات القيادة التنفيذية، أو حوارات رئيسها ومساعديه، أو مقالات الرأي والتقييم التي يصدرونها. لو كانوا يتابعون ويقرأون كل ذلك، لاستوعبوا خيارات النهضة السياسية باستراتيجياتها وتكتيكاتها، ولتبين لهم أنها أبعد ما يكون عن السذاجة، وأنها خيارات تم اتخاذها بناء على رصد وتحليل وقراءات وحوارات صاخبة وقرارات تتخذ بعد مداولات عميقة. يمكن لك أن تناقشها كخيارات وأن تعترض عليها، وأن تكون مستعدا للإقناع بما يخالفها لأناس عركتهم السياسة، وتشكلت قناعاتهم مع الزمن المديد والتحديات الجسام وعذابات السجون وقسوة المنافي ومصارعة الخصوم بل الأعداء يتولونهم من كل الجبهات.
لن تجد في النهضة أي خيار يمكن أن يفرض بطريق غير طريق التداول الحر والقرار الديمقراطي. وأكاد أجزم أنه لم يصدر أي قرار بناء على رأي أحد - ولو كان رئيس الحركة - وهو محرر من القيود، بل إن الغالب أن أي قرار يصدر إلا وقد سيج بالمحاذير والضوابط، وتستمر متابعته في تنزيله من خلال المسؤولين على تنفيذه أو المراقبين لتنفيذه، حيث يكون من كان مع القرار ومن يعارضه أو يتحفظ عليه جنبا إلى جنب. لا أقول أنه لم تحصل انزلاقات أحيانا على هاته الصورة ولكنها جزئية ووقتية ولم تقلب الوجه العام ... فأين السذاجة التي يتحدث عنها المتعالمون؟
لك أن تقول أن الخيار خاطئ أو أنه لم يحقق أهدافه أو أن تنزيله لم يكن على الوجه المطلوب. ويمكن لك أن تقول ما يقوله المصريون: "غلطة الشاطر" ... فقط أن تصم السلوك السياسي للنهضة بالسذاجة فهذا يعني أنك للأسف أنت "الساذج" ... مع المعذرة لمن يمكن أن يجرحه الوصف.
خيارات النهضة واستراتيجياتها وتكتيكاتها ليست آيات قرآنية منزله وهي تخضع للنقد، وللنهضة تاريخ طويل حافل بالتقييم والنقد والنقد الذاتي ولم ينقطع في أي لحظة. وهي مسيرة قد يكون فيها أخلال جوهرية، وهي كذلك عند البعض حتى من داخل النهضة. ولكن كل ذلك بحجم التحديات الكبرى التي واجهتها وواجهتها تونس والمنطقة والأمة. وهي من زاوية التغيير الاجتماعي العميق، جزء من حركة اجتماعية قاصدة، حيث الارتباك والتوقف وحتى النكوص جزء أساسي في عملية التغييرا، انتزاعا لما يجب أن ينتزع، وترسيخا لما يجب أن يرسخ.
أما عما توصم به النهضة من "انتهازية سياسية" فهي دليل آخر على "خفة" النظر، ووقوع تحت سطوة الدعاية المضادة.
وإنه لعجب أن تعد المرونة السياسية والذكاء السياسي واليقظة السياسية انتهازية. ولو كانت النهضة صارمة ومتجمدة على مواقفها وتحالفاتها لاتهمت بالسذاجة وبالغباء السياسي. والأمثلة التي تذكر كلها لا تصلح أبدا دليلا عن انتهازية سياسية، لأن غالبها مبني على انتهازية سياسية من الطرف الذي يزعم أن النهضة تنكرت له، أو معاندة لموازين قوى في ساحة العمل الحكومي أو السياسي لا يمكن تخطيها إلا لمن هو غير مستعد لتحمل تكلفة التغيير ولو اقتضى ذلك المغامرة واختيار أهون الشرين ... والسياسة أحيانا مغامرة أو لا تكون.
الذين يتهمون النهضة بالانتهازية هم أولائك الذين كانوا يتمنون أن تكون النهضة "طيبة" و"ساذجة" حتى تحقق لهم ما يريدون من أن تكون مركوبهم لتحقيق أغراضهم.
ولعمري إن الذي جمع في مقاله بين "سذاجة" و"انتهازية" النهضة كيف أنه لم ينتبه للتناقض الذي وقع فيه.
تاريخ أول نشر 2026/1/26
