search

تقديم كتاب الاعتدال العنيد للعجمي الوريمي: بين يدي الكتاب

بين يديْ الكتاب

أحمد عبد النبي

باحث وناشط مدني


عندما عهد إليّ الصّديق العزيز - بل الأخ في مقام الشّقيق - العجمي الوريمي بجمْع مقالاته ودراساته المنشورة سابقا أو التي هي بصدد الإعداد للنّشر وكذلك مقالاته وتأمّلاته التي كان ينشرها في حسابه على الفيسبوك، اِستجبت دون تردّد لطلبه، لا لأنّني لا أردّ له طلبا فقط، ولكن لقناعتي أنّ المتابعين للإسلاميّين ولحركة النّهضة وللعجمي ذاته في حاجة ماسّة لذلك، من أجل التّعرّف على هاته الشّخصيّة الآستثنائيّة في سِمتها ورؤيتها، ومن ثمّة القدرة على التّفاعل معها وتقييم آدائها ووضْعها في مكانها المناسب لها داخل النّهضة بقطع النّظر عن المهامّ والألقاب التي أُسْندت إليها.

العجمي إنسانًا

ربّما سيرى البعضُ في حديثي عن العجْمي كشخصيّةٍ اِستثنائيّةٍ مبالغة من باب المدْح والإطراء. ورغم أنني أحبّ أن أنزل النّاس منازلَهم التي يستحقّونها وإذا آقتضى ذلك مدْحهم فإنّني أفعل ذلك بل أعتبره واجبا، إلّا أنّني وأنا أتعامل معها كـ"دراسة حالة" تتطلّب منّي التّجرّد والموضوعيّة كشرط ضروريّ لكبح جماح "عدم الحياد" الذي لا يستطيع الإنسان له ردّا، أرى في شخصيّة العجْمي اِستثنائيّةً تتجاوز الآستثنائيّة العاديّة التي تميّز كلّ إنسان عن الآخر.

العجمي الذي يرى كلّ من خالطه تقريبا أنّه أصبح له صديقا وبعضُهم ربّما يرى أنّه خليلُه وليس صديقَه فقط، يفاجئك بسلوكٍ بقدر ما يحْمل من الآحترام والتّقدير والتّعاطف والثّناء تجاه الآخر، إلّا أنّه بعيدٌ عمليًا عن إبراز مظاهر التّودّد التي تسم العلاقة بين الأصدقاء والخلّان التي نعهدها بين الّناس في مجتمعاتنا. ولا عجب أن تبادر بالتّساؤل عن سبب هذا السّلوك. والجواب نجده عند العجمي في عنوان هذا الكتاب الذي اِختاره: "الآعتدال العنيد". فمن جعل قلبَه يسعُ النّاس جميعا عليه أن يكون عادلا بينهم. وبقدر حرصه على أن لا يجرح مشاعرَ من انتظر منه المزيد في علاقته به، فإنه يحرص بالمقابل أن لا يسبّب ذلك جرحا لآخرين أو أن يحمّل نفسه ما لا تحتمل. هنا نجده حريصا على أن يكون معتدلا وعادلا وعنيدا في الآستمساك بذلك. عاتبته مرة في ترك أحد أصدقائه المقرّبين "يندّ به فرسه" وقلت له ما كنت أحسب أنك ستتركه يمضي في ما مضى. جاوبني بهدوئه المعتاد بأنّه بذل جهودا كبيرة بطريقته وآستطاع أن يحصل على ما قدّر أنّه كافٍ، ولكنّه لم يجد منه اِستجابة وآكتفى بالشّيء الذي لن يتنازل عنه وهو آحترامه وتقديره له. أعود لأقول: أنّ القلب المفتوح بصدقٍ للجميع يلزمه أن يكون قادرا على أن يكون "عنيدا" في آعتداله وعدله بين الجميع.

بعد الثّورة وبحكم إقامتي خارج تونس، لم ألْتق به إلّا بعد حوالي 4 سنوات من الثّورة. لمّا علم أحد أصدقائنا بذلك صُدم لما يعلمه من علاقتنا، فقد عملنا معا، وسكنّا معا، وترافقنا في مهامّ كثيرة، ولم ينقطع تواصلنا بعد خروجه من السّجن وبعد الثّورة. كنت أزور تونس في فترات متقطّعة، ولم تساعد ظروفه وظروفي على أن يكون اللّقاء قبل ذلك. لم يقتنع صديقي بتبريري، أمّا أنا فلأنني أعرف العجمي جيّدا لم أر في ذلك بأسا. ولما آلتقينا فكأنّما لم يمض على آفتراقنا سوى أيّام قلائل مع أنها نيف وعشرين سنة.

لعل القارئ سيستغرب من هذا التّقديم لكتابٍ مضامينه الرئيسيّةُ حديثٌ في الفكر والسّياسة!

هنا سآتي للرّؤية التي حكمتني وأنا أجمع نصوصه. لقد كنت حريصا على أن أتتبّع كتاباته منذ بداياتها قدر الإمكان، واِستطعت أن أجمع بحمد الله أغلبها مع شكري لمن مدّ لي يد العون خاصّة في المقالات التي لا توجد على الشّبكة العنكبوتيّة واقتضى الوصول إليها الٱنتقال  للمكتبة الوطنيّة. وقد حرصت على أن أجمعها وفق ترتيبها الزّمني بقطع النّظر عن تداخل مواضيعها وتوزّع اِهتماماتها وسياقاتها وحتّى منهجيّة كتابتها، حتى أتيح للقارئ التّعامل معها بآعتبارها كاشفة ليس فقط عن مواقف العجمي، وإنّما أيضا عن شخصيّته، ومن وراء ذلك كشف لنوعيّة جزء من نخبة حركة النّهضة (الجماعة الاسلامية وحركة الٱتّجاهالإسلامي سابقا)، ومن وراء ذلك كلّه كشف لطبيعة العقل التّنظيميّ والسّياسيّ والفكريّ لحركة النّهضة.

ومعلومٌ أنّ النّصوص تُكتب من خلال المكوّن الفكري ّوالسّياسيّ لصاحبها ولكنّها أيضا لا تخلو من تأثير السّياق الزّمنيّ والمناخ الدّاخليّ والخارجيّ الذي كتبت فيه.

ورغم تقديري لـ"أهل القلم" الحريصين على "صناعتهم"، إلّا أّنني وفق المنظور الآجتماعي النّفسي الذي أراه أولى بالآهتمام، لا تهمّني هِنات الصّياغة وقلق العبارة - مع انّها قليلة عند رجل آنصاع له القلم مبكّرا –، لا بل إنّني أجد في قلق العبارة دليلا على "فتوحات" تتخلّق من بين صخب التّدافع وصراعات الأفكار والبنى النفسيّة والآجتماعيّة، كفيض ماء يشقّ طريقه منبجسا من بين صخور عتيدة ملساء.

كثيرةٌ هي النّصوص التي لا تُفهم إلاّ إذا فُهم سياقها، وكثيرة هي النصوص التي لا تفهم إلّا إذا فَهِمتَ صاحبها، وكثيرة هي النصوص التي تحمل في تورِيَتِها فصاحتها.

وهناك نصوصٌ يبدو لك فيها أو بينها تناقضٌ، ولكن يجمعُ تناقضَها كاتبُها الذي تتلمذ على الفيلسوف الصّوفي المغربي طه عبد الرحمان، حيث تعلّم منه أو ربّما وجد لديه ما تؤمن به شخصيّته من مبدأ "التّناقض" ضدّا على المبدأ المنطقي الأرسطي" عدم التّناقض".

العجمي مفكّرا:

بعد اِعتقاله في شهر جويلية (يوليو) 2024، شهد فضاء الفيسبوك تفاعلا كبيرا مع حدث اِعتقاله تجاوز مجرّد التّعاطف إلى نوعٍ من التّقييم لشخصيّته، اِلتقى فيها الجانب النّفسيّ بالجانب السّياسيّ، وغلب على كثيرين التّحسّر والإشفاق لما مرّت به شخصيّته من اِمتحانات كبيرة، ومن ضياع عمر ذهبيّ في مسارات أقلّ ما يقال فيها أنها مضطربة ساقته إليها أحابيل الإيديولوجيا التي اِلْتفّت حول شخصيّته مبكّرا وأفقدته القدرة على التّحرّر منها. وكلّ ذلك يوحي بأن العجمي إنّما سيق لقدره سوقا لم يستطع له ردّا. لكنّني رأيت في ذلك إجحافا بل ونقصا بيّنا في فهم شخصيّة الرّجل. فكتبت مقالا أقتطع منه الفقرات التالية:

"يعرفُ أغلب الناس المناضلَ العجمي الوريمي إنسانا اجتماعيّا منفتحا لجميع النّاس ترتاح إليه النّفوس لآختصاصه بخاصّيّة يندُر أن تتوفّر في الإنسان لكلّ الناّس حيث يشعر كلّ جلسائه وكلّ محدّثيه وكلّ محاوريه بأنّه يعاملهم بكلّ الآحترام والتّقدير ... وهو ما جلب له حبّ النّاس، وأقلّه مبادلته الآحترام والتّقدير ذاته.

ويعرف الكثير من النّاس العجمي الوريمي سياسيّا منذ مرحلة الجامعة، حيث برز قائدا طلّابّيا منذ سنته الأولى، وحتّى يوم النّاس هذا وهو يقبع في السّجن كأمين عام حركة النّهضة.

لكن القليل يعرف العجمي الوريمي كمثقّف بل وكمفكّر. والذين يعرفونه عن قرب، يعرفون أنه لو تمحّض للفكر والقلم لكان له اِسم بارزٌ في دنيا الأكاديميا، ولربّما كان له مشروعه الفكريّ، شأنه شأن رئيس الحركة الشّيخ راشد الغنوشي. لكنّ العجمي كما الشيّخ راشد آثرا " المفكّر الحركيّ على المفكّر المعملي" على حد عبارة المستشار طارق البشري.

ينتمي العجمي لجيل "الهمّ الفكري" و"نهم القراءة" الذي لا يبالي أن يبقى بدون أكلّ -على رخص تذكرة المطعم الجامعيّ - مقابل أن يشتري جريدة أو يجمع ثمن كتاب أو ثمن تذكرة لمشاهدة فيلم سنمائي. وقد زاده تخصّصه في الفلسفة "هَمّا على هَمٍّ"، كما فتحت له دراسته بالمغرب الشّقيق بابا أوسع من الآنفتاح حيث حرّيّة النّشر وحرّيّة تدفّق المنشورات من الخارج لا تقارن بتونس، مضافا إليها غزارة إنتاج المغاربة مقارنة بالتّونسيّين.

وأهمّ من القراءة ما درجت عليه السّاحة الطّلّابيّة في تونس والمغرب من حلقات النّقاش الفكريّة التي تمتحن فيها الأفكار المتلقّاة أمام المناظرات التي تمتدّ لساعات وساعات، ويتحاجج المتناظرون فيها بالفصل من الكتاب والفقرة من الفصل والجملة من الصّفحة والكلّمة من الجملة وترجمة هذا وترجمة ذاك والتّرجمة من المصدر والتّرجمة من التّرجمة. هناك تُتلقّف الأفكار الجديدة والمدارس الجديدة والمراجعات وتعدّد القراءات ويسابقون الزمن لمواكبة الجديد. وكان للعجمي في ذلك هِمّة ومكانة حتى أن رسالة تخرّجه في الفلسفة كانت حول يورجن هابرماس الذي يعتبر أحد أعلام مدرسة فرانكفورت والفلسفة عموما في تلك السّنوات.

عادة ما ينحتُ المفكّر أسلوبه الخاّص في الكتابة، وتلك بداية تفرّده، واللّغة هي البداية دائما، وللعجمي أسلوبٌ متميّزٌ يطرق به كبرى القضايا بلغةٍ سلسةٍ وعاديّة معجميّا وإن كانت مشحونة على مستوى الصّياغة وغنيّة بالدّلالات. ربّما كونه مفكّر حركيّ ومثقّف عضويّ يعتبر مسألة القدرة على تبليغ الفكرة مسألة حيويّة، فينزع بطبيعته إلى صياغة أفكاره بطريقة يخترق بها حواجز تنوّع مستويات المتلقّين، كما يبعدها عن الصّرامة التّخصّصيّة التي تضيّق مساحة القرّاء، وتحبس الفكرة في منتديات الخاصّة. كما لا شكّ أنّ للتّركيبة الذّهنيّة والمنهجيّة وعمق الآستيعاب دورا في سلاسة الصّياغة، حتى وإن كانت أحيانا من السّهل الممتنع. وهي خاصّيّة تميّز بها الكثير من المفكّرين وقصر عنها الكثير، فأعاقت إلى حدّ ما آنتشار أفكارهم.

العجمي مثقّفا عضويّا:

لكنّ العجمي ليس من هواة الدّوران في مناخات "الأزمة" و"التّأزّم" ... بل يحلّ تعقيدات الفكر وجدل التّفلسف وآختناقات البدائل من خلال "الممارسة" ... لا يستهين بضرورة التّفكير والتّفكّر، ولكنّه لا يقبل تفكيرا يترك السّاحة فارغة ويحلم ببناء "قصور نظريّة بديعة" لمهندس معماريّ لا يمكن لمهندس مدنيّ تنفيذها ... ومثل هذه الشّخصيّة يكون صاحبها دائم التّفاؤل وصاحب يقينٍ وواسع النّظر. يرفض أن يحكم على الأحداث من لحظةٍ مهما قست، ومن حدثٍ مهما عظُم، وعلى شخصٍ مهما كانت عثرتُه ...

ينظر للمجتمع وللأمّة من زاوية التّاريخ العريض، ويرى أن التّقدّم في التّاريخ غالب على وجهه السّالب. وبقدر ما فيه من الآرتكاسات والعثرات بقدر ما أنّ النّهوض هو القدر الغالب على الإنسان فيه.

كان يفتكّ في زحمة العمل والآنشغالات التي لا تنتهي بعضا من الوقت نلتقي فيه لنتحاور بهدوء. يشعر أنّه في حاجة لأن يستمع لمن ليس "أيديهم في العجين"، ولأن يتبادل معهم رؤاه من زاويتها الفكريّة لا من زاوية المتطلّبات الحركيّة والتنظيميّة. ولأنه يعرف اِهتمامي وتركيزي على تلك الزّاوية، فإنّه يأتي مستعدّا ومتحفّزا وواثقا. ولعلّه يفعل ذلك لأنّه يرى أنّ أمثالي لا بدّ أن يستمعوا أيضا للأفكار وهي تصارع الواقع.

لا يتخلّى العجمي عن "الكتابة الفكريّة" ... واِنشغل أكثر بالكتابة حول السّياسة. وممّا قرأته له وتحاورنا فيه ما يسمّيه "إصلاح السّياسة" ... كان مهتمّا بالتّفكير في الموضوع من الجهة العامّة وأساسا من جهة إطارنا الوطنيّ والعربيّ والإسلاميّ. يحاول أن ينحت من قراءاته ومن تجربته مقاربة ناهضة بالواقع بقدر ما يحمل من إيجابيّات فإن به مطبّات تحتاج تسوية.

ولأنّ إصلاح السّياسة لا يمكن أن ينجز بدون سياسيّين فقد أردف لها "إصلاح السّاسة".

يرى العجمي أنّ تجديد الرّؤية وتجديد رجالها مسألة حيويّة وضروريّة. ويرى أنّ من الإعاقات التي منعت الإنجاز المطلوب في هاتين الزّاويتيْن تضخيم فكرة المحافظة على الوسيلة (الشّقف). ويرى أنّ جيلنا لئن قام بمجهودات كبيرةٍ وأنجز إنجازات لا تُنكر فإنّه لم يستطع الخروج من أسْرِ الإصرار المبالغ فيه في المحافظة على الوسيلة على حساب المضمون.

هذه الفكرة دافعتُ عنها بحماس وأحيانا ببعض "العنف" المعنويّ ... لكنّ العجمي بأسلوبه المتميّز، قد يساهم في تعميقها بما تصبح به هديا لمن ما زالت "أرجلهم في الرّكاب"، أو ممّن يستعدّون لآمتطاء "صهوة جواد" الإنجاز والتّغيير إصلاحا للسّياسة وللسّاسة.

العجمي والغنّوشي:

خصّ العجمي الشّيخَ راشد الغنّوشي بمجموعة من المقالات أفردناها في فصل خاصّ، وهي تُظهر التّقدير والآحترام الكبير الذي يكنّه له.

والمتمعّن في النّصوص التي كتبها وخاصّة النصّ الذي تحدث فيه عن مشروع الشّيخ راشد الإصلاحيّ فكرا وسياسة وأيضا في نصّ الشيخان، ينكشف له رؤيته لمشروع الشّيخ وتقديره المتوازن لكسبه. يقول في خاتمة النصّ: " ورغم أن جهازا إيدولوجيّا بكامله اِحتضنته الجامعة لتفكيك البنية الفكريّة لمشروع الغنّوشي السّياسي، اِنخرطت فيه كبارُ العقول، ورُصدت له ميزانيّات ضخمة، فإنّه لم يفلح في إيقاف اِستمرار مدرسته السّياسيّة، لأنّه جعل جوهر مشروعه الإسلاميّ ومدار نضاله الطّويل الحرّيّة. ولم يصل الغنّوشي لجوهريّة قضيّة الحرّيّة بطرق ملتوية، لقد أدركها بالفطرة ... فطرة إنسانيّة، مثلما اِكتشف ديكارت الكوجيطو، وطرح من حسابه كلّ أدبيّات التّنظير والتّبرير للآستبداد بآعتبارها نقيض فهْمِه للإسلام ونقيضا للإسلام كما فهمه وآلتزم به عقيدة وفكرا ومنهجا."

لم يكن الجدل حول الشّيخ ومشروعه داخل الحركة بأقلّ ممّا هو عليه في ساحة الوطن، وكان ذلك طبيعيّا في حركة هي جماع روافد متعدّدة برغم بنيتها الظّاهرية الموحّدة. ولأنّ ما يجمع بين العجمي والغنّوشي من الآختصاص العلميّ والتّواجد الفاعل في ساحتيْ الفكر والسّياسة، فقد كان أقرب إليه في رؤيته وأكثر إيمانا بجدواها، ودون أن نتجاهل الثّقة المتبادلة بينهما والتي تتجاوز الآلتقاء الفكريّ. فالغنّوشي الذي لا يهمل الفكر بل يجعله أحد "مواعينه" الرّئيسية في ممارسة السّياسة، ويرفض تحويل الحركة إلى "نادي تفكير"، وهي الفكرة التي حاول الدّفع إليها مجموعةُ ما سيُعرف بعد الآنفصال ب"الاسلاميون التقدميون"، وهو نفس ما يمارسه العجمي الوريمي عمليّا حيث يرى أن اِختناقات الفكر لا تحلّ إلّا بالممارسة.

وعندما كتبتُ نصوصا فيها بعض النّقد "القاسي" للشّيخ راشد الغنّوشي، كان العجمي يتبرّم بطريقته الخاصة من ذلك، ويرى فيها بعض الظّلم وربّما عدم إدراك لطبيعة مشروع الغنّوشي الذي يتجاوز ما في اِجتهادات الممارسة من قصور.

وربّما وجد الغنّوشي في شخصيّة العجمي الرّجل الذي يؤمن بالمؤسّسات ويحترمها ولا يخرج عن قرارتها، ويرفض بـ"عنادٍ سمح" كلّ أساليب التّكتّل مهما كانت نوايا أصحابها صادقة.

كما وجد الغنّوشي في العجمي شخصيّة عفيفة حين التّقدّم للمناصب، بل إنّه كثيرا ما يلعب دور الوسيط لغيره. وبعد الفوز في اِنتخابات التّأسيسي و"هجرة" النّخبة القياديّة المحمومة للعمل في أجهزة الدّولة نُوّابا ومسؤولين حكوميّين قال له مازحا: "لم يبق إلا أنا وإيّاك خارج مؤسّسات الدولة".

لا يعترض العجمي على ممارسة النّقد والنّقد الذّاتيّ داخل الحركة، ولكنّه لا يحبّذه إذا كان يمارس في جوّ متوتّر. وهو ما يقترب من رؤية منير شفيق التي ترفض النّقد الذي يحوّل المناخ الدّاخلي إلى مناخِ تنازعٍ وتدابرٍ كما يرفض الآنشقاقات داخل الحركات. وفي كلّ أجواء النّقاشات الحادّة والآصطفافات التي تبرز من حين لآخر يحافظ العجمي على موقعه خارجها، ويغلب عامل التّفاعل معها بهدوء شخصيّته التي تتجنّب الجدل الذي ينقلب في أحيان ليست قليلة إلى مراء لا يأتي بخير.

وفي الكتاب نصوص جريئة تتناول وضع الحركة وتلوح في ثناياها تقييمات جادّة للآداء وللفكرة وفق رؤية توينبي المشهورة للتّاريخ: الآحتفاظ والتجاوز.

العجمي والنهضويّون

في الكتاب نصوصٌ تتحدّث عن بعض قيادات النّهضة، وفيها رسائل للنّهضويّين، بعضُها مساهمة ٌمنه في الحوار الداخليّ، وخاصة في ما يتعلّق بالآستعدادات لمؤتمرات الحركة، وفي طريقة حلّ الإشكاليّات التّنظيميّة الكبرى ومنها نصّ يقدّم رؤية لكيفيّة التّقدّم إلى المؤتمر العاشر وآخر حول المؤتمر الحادي عشر، وفيهما دفاع عن عدم الخروج عن المنهجيّة التي درجت عليها الحركة في حلّ الإشكاليّات التي تحدث فيها وجهات نظر متعارضة. فبقدر ما يجب أن تتاح فرص الحوار المفتوح لكلّ المقترحات، بقدرما يجب الخروج بتوافقات تمنع الآنشطارات في جسم الحركة، وتكون قادرة على الإنجاز العمليّ لرؤية الحركة ومشروعها.

وهنا تجدر الملاحظة أنّ التّوافق الذي دافعت عنه الحركة منهجا لإدارة البلاد، كان هو المنهج الذي أدارت به تنظيمها منذ بواكير نشأتها. فعلى نقيض الصّورة التي تلصق بها بآعتبارها حركة "شيخٍ ومُريدين"، كانت في الواقع تتجاذبها رؤى مختلفة، وبعضها متناقضة. ولكن كان هناك حرصٌ على آعتماد التّوافق أسلوبا يحمي جسم الحركة، حتى وإن كان في بعض الأحيان على حساب إنجاز سلس وخال من الإزدواجية.

والحقيقة أنّ ذلك النّهج قد حمى البلاد من تذرّر الحركة الإسلاميّة وبروز تيّارات جانحة، فلم تظهر تلك التيّارات في السّاحة التّونسيّة إلّا حين غابت الحركة عن السّاحة خلال عشريّتيْ حكم زين العابدين بن علي التي تمّت فيها الحملة الاستئصاليّة للحركة تنظيما وأفرادا ووجودا مجتمعيّا فاعلا.

العجمي رجل السّياسة

ينتمي العجمي الوريمي للجيل الطّلّابيّ الثّالث للإسلاميّين في الجامعة التونسية ( الجيل هنا ليس بالمعنى الزّمني التّقليدي). فإذا جاز لنا أن نعتبر الجيل الأول هو الجيل الذي واكب مرحلة تأسيس الحركة حتى سنة 1976، فإنّ الجيل الثّاني هو الجيل الذي قاد الجامعة بعد أن أصبحت منطقة تنظيميّة مستقلّة يمثّلها المشرف عليها في المكتب التّنفيذي للحركة. وهو الجيل الذي قاد معركة "فرض الحرّيّة في الجامعة"، كما فرض بنضاله وإبداعاته منافسة حقيقيّة للتيّارات الماركسيّة التي كانت اِتّخذت من الهياكلّ النّقابيّة المؤقّتة معقلا وسيفا مسلّطا على ما سواها حتى ممّن له مرجعيّة ماركسيّة كالحزب الشيوعي فما بالك بغيره. ومنذ الصّدام العنيف الأول في ديسمبر 1977، اِتّخذ مسار الأحداث نسقا تصاعديّا اِنحسرت فيه تدريجيّا سطوة اليسار الإستئصاليّ الماركسي وتوسّعت بالمقابل دائرة حضور ونفوذ الٱتّجاهالإسلامي ليس على المستوى النّقابي فقط وإنّما أيضا على المستوى السّياسي والثّقافي.

دخل العجمي الوريمي الجامعة في ذروة الحضور الإسلامي الطّلّابي في السنة الجامعية 1980/1981، ومع تصاعد الأحداث الطّلّابيّة التّلمذيّة قرّرت السّلطة الدّخول في مواجهة الٱتّجاهالإسلاميّ وهي المواجهة التي أجّلتها أحداث قفصة سنة 1980.

كان من نتائج وتطوّرات الأحداث الطّلّابيّة والتّلمذيّة مع اِنكشاف أرشيف الحركة في ديسمبر 1980، أن انطلقت السّلطة في حملة قمعيّة كان نصيب القطاع الطّلّابي فيها وافرا من خلال اِعتقال ومطاردة قيادة الجامعة. وقد دفعت تلك التّطوّرات الطّالب العجمي الوريمي بكلّية الآداب والعلوم الإنسانية بقسم الفلسفة إلى الآلتحاق بقيادة الجامعة ليشكلّ مع آخرين الكوكبة التي اِستلمت قيادة الجامعة في أجواء اِستثنائيّة تمثّلت في تصاعد حملة اِعتقالات وملاحقات وتنكيل ومحاكمات لقيادة الحركة خاصّة منذ صيف 1981 وبعد إعلان الحركة عن نفسها وتقدّمها بطلب تأشيرة قانونيّة في 6 جوان (يونيو) 1981.

ظنّ اليسار الطّلّابيّ أنّ الضّربة التي تلقّتها قيادة الٱتّجاهالإسلامي ستتيح السّاحة له كي يستعيد موقعه ويفرض هيمنته من جديد، لكنّه وجد أمامه الجيل الثّالث حاضرا ومتحفّزا ومستنفرا معزّزا بأفواج متنامية عددا ونوعيّة من المعاهد الثاّنويّة.

وكان العجمي الوريمي من أبرز القيادات الطّلّابّية التي قادت العمل السياسيّ بالجامعة خطيبا ومحاورا اِستطاع هو وإخوانه في قيادة الجامعة أن يفوّتوا على اليسار الفرصة ويخيّبوا آمالهم، ما جعلهم يُقْدمون على "مجزرة منوبة" التي كتبوا بها نهاية سِيادتهم على الجامعة، وتربّع الٱتّجاهالإسلاميّ على عرش النّضال الطّلّابيّ والرّيادة الطّلّابيّة نقابيّا وسياسيّا وثقافيّا.

في مدرسة الٱتّجاهالإسلاميّ في الحركة الطّلّابيّة، تلقّى العجمي الوريمي نظريّا وعمليّا أصول العمل السياسيّ، وتشكلّت من خلال مزاجه النّفسيّ وتحدّيات السّاحة وتكوينه الفكّري المتجدّد رؤيته للسّياسة، أنتجت تجربة سياسيّة تجمع بين التّعلّق بالمبادئ وعدم التّنازل عنها والمرونة في نفس الوقت في تنزيلها في الواقع.

وهكذا عرفنا العجمي الوريمي يتقدّم الصفوف في كلّ التّحدّيات والمنازلات مخطّطا ومنفّذا، وفي نفس الوقت محاورا ومنفتحا حتّى على أشدّ خصومه، ومنهم أولائك الذين كان في مخطّطهم أن يكون العجمي الوريمي الضّحيّة رقم واحد في مجزرة منّوبة. يذكر العجمي أنّه في صيف سنة 1982 وبعد أحداث منّوبة الدّامية، لم يستنكف أن يعقد حوارات مع رضا لينين الذي كان يقود الوطد من أجل إيجاد صيغة تعايش. لكنّ رضا لينين لم يستطع تمريرها داخل فصيله ومع رفاقه في الٱتّجاهات الأخرى.

وظلّت تلك الرّوح في فهم السّياسة والعمل السّياسيّ ملازمة له لم يتخلَّ عنها في أيّ لحظة من اللحظات. ومن يقرأ آخر ما كتبه العجمي الوريمي على حسابه في الفيسبوك قبل اِعتقاله في جويلية (يوليو) 2024 بعنوان: "لا بديل عن الحوار" يستطيع أن يستخلص رؤية العجمي الوريمي للسّياسة وممارستها. وقبل ذلك وفي 28 ديسمبر 1990 - والسّلطة تشحذ سكاكينها لمجزرة دامية لحركة النّهضة - نشر مقالا في مجلة المغرب العربي الأسبوعيّة يحذّر فيه من مسار الآستئصال الذي لاحت بداياته، ويدعو إلى تدارك الأمر، ويعلن اِستعداد الإسلاميّين إلى الآستجابة إلى ما أعلنوه مرارا وتكرارا من التّعايش والوقوف على أرضيّة المشترك الوطنيّ.

كان العجمي وما زال يمارس السّياسة من موقع المسؤوليّة الأخلاقيّة التي تفرضها مرجعيّته الاسلاميّة، ومن موقع المسؤوليّة الوطنيّة، وأيضا من موقع رجل السّياسة الذي يفهم تعقيد الوقائع، وتحدّيات القدرة على صياغة علاقة متوازنة بين خيارات المبادئ وضرورات الممارسة، بين متطلّبات الرّؤية الاستراتيجيّة وما يقتضيه تنزيلها من تكتيك. يفعل كلّ ذلك بذكاء وقاّد وجرأة لافتة وهدوء واثق و"آعتدال عنيد".

لا يتردّد العجمي في أن "يلبَس لكلّ حالة لبوسها". فهو رجل الحوار والتّوافقات عندما تفرضها الضّرورة وتلوح ممكناتها، وهو رجل المواجهات والتّحدّيات عندما تفرضها الضّرورة أيضا، وهو رجل المناورات والتّكتيك الذي يجيد التّحرّك "خلف خطوط الخصوم" إذا توجّب ذلك، وهو رجل الصّبر والجلد والتّحدّي أمام المحن، وقد أبلى عند اِعتقاله وممارسة أشدّ أنواع التّعذيب عليه البلاء الحسن، كما أظهر في سجنه الذي قارب العشرين سنة قدرة على التّحمل وطيب المعاشرة مع إخوانه فلم يؤْثَر عنه ضيقٌ ولا تبرّم، وفي نفس الوقت عزّة نفس لم تستطع أن تنال منها مناورات السّلطة أحيانا وتنكيلها في أحيان أخرى.

وعندما اِختاره مجلس شورى النّهضة كأمين عامّ للحركة، اِستبشر الباحثون عن مصلحة البلاد بتعيينه بآعتباره رجل المرحلة ورجل الحوار. لكنّ المتآمرين والمنقلبين رأوا في ذلك نذير شؤم وأنّهم أمام "أخطر ما في النّهضة" ! تلك الكلّمة التي قالها أحمد شفتر كبير مفسّري الٱنقلاب في حوار إذاعيّ جمعه مع العجمي، وكان ذلك قرارا بضرورة اِعتقاله ... وذلك ما حصل مباشرة ...

وما كان ذلك ليغيب عن نباهة العجمي فعلّق مباشرة على قوله ذاك ... ثم كان تنفيذ القرار بآعتقاله بعد تلك الحصة بيوم واحد.

مضامين الكتاب

لمّا جمعنا النّصوص وجدناها كثيرة لا يحتملها كتاب واحد فآثرنا توزيعها على كتابين، وآجتهدنا في تقسيمها بحيث يغلب على كتابٍ المنزع الفكريّ ويغلب على الآخر المنزع السياسيّ. ذلك أنّ العجمي كمثقف عضويّ لا يكتب في الفكر دون أن يستحضر السّياسة ولا يكتب في السّياسة دون الآرتكاز على الفكر. لذلك ستجد هذا الكتاب الذي تغلب عليه السّياسة زاخرا بإلماعات فكريّة وتأمّلات عميقة ذات حمولة فكريّة بل فلسفية.

وقد قسمنا النصوص على فصول تجمع بين التّرتيب الزّمني أو/ وتقارب الآهتمام:

فقد خصّصنا الفصل الأول للكتابات الأولى المنشورة في الصّحافة خارج أسوار الجامعة. ويؤسفنا أنّ أرشيف "الحدث السياسي" المجلة الحائطية التي كان يصدرها الٱتّجاهالإسلاميّ في الحركة الطّلّابيّة ما زال مفقودا، فهناك كانت كتابات العجمي الوريمي الأولى. وكذلك أرشيف النّصوص الدّاخليّة للمكتب السّياسيّ ومساهماته في إعداد الخطط والمشاريع في الجامعة. ولم نعثر إلّا على نصّ وحيد يبدو أنّه تمّ تقديمه في سنة 1989 ولعلّه كان بمناسبة المؤتمر الثّالث للآتّحاد العامّ التّونسي للطّلبة.

أمّا الفصل الثّاني فقد خصّصناه لجزء من مقالاته التي نشرها في جريدة العرب القَطَريّة بين 2008 و2010 بعد خروجه من السّجن والجزء الآخر نشر في الكتاب الفكريّ.

الفصل الثّالث لبعض المقالات التي نشرها بُعيْد الثّورة مباشرة في جريدة الفجر وجريدة الشروق التونسية.

الفصل الرّابع خصّص لكتاباته حول الشّيخ راشد زعيما ومفكّرا وسياسيّا وأيضا معتقلا ظلما في سجون الٱنقلاب منذ 17 أفريل 2023.

الفصل الخامس جمع أفكار ورسائل وحوارات حول حركة النّهضة والنّهضويّين موجّهة بصفة رئيسيّة لهم وفيها مساهمات في الحوارات الدّاخليّة داخل الحزب وكذلك حواراتهم الخارجيّة. وهي تعكس أهمّيّة من حيث أنّها تعطي فكرة عن حركيّة وتدافع الأفكار والمشاريع والمقاربات والطّموحات داخل البيت النّهضوي ومنهجيّة التّعاطي معها.

الفصل السّادس جمعت فيه نصوص تحمل متابعات وتحاليل ومواقف للحزب أو لشخصه حول الٱنتقال الدّيمقراطيومسارات الحكم ومؤسّساته.

الفصل السّابع جمعت فيه نصوص في الشّأن الوطنيّ عموما والتّعاطي مع تفاعلات المجتمع والسّياسة والنخبة.

الفصل الثّامن حول الٱنقلاب وتداعياته سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا.

الفصل التّاسع تأملات ومطارحات ومتابعات في بعض شؤون العالم العربيذ والإسلاميّ والعالم.

الفصل العاشر: تضمّن بعض الحوارات المهمّة، مع الإشارة إلى أنّ حوارات العجمي الوريمي كثيرة جدا، فهو وجه دائم الحضور في القنوات التّلفزيّة والإذاعيّة داخل تونس وخارجها يفوق حضوره في الصّحافة المكتوبة بكثير.

 وأخيرا فإنّ نشر هذا الكتاب يعدّ مساهمة في الحوار الدّائر في بلدٍ غُدر به وسُرقت ثورته، ومحاولة لإدارة حوار يجمع بين الصّراحة والبحث عن المشترك، فلا بديل عن الحوار كما كتب العجمي الوريمي.

وعسى أن يتحوّل ظلام السّجن وظلمه - الذي نرجو أن لا يطول - نورا وفرصة اِفتكّها القدر الإلهي حتّى ينجز العجمي الوريمي ما قد تكون حَرَمته الأياّم من إنجازه لخير وطننا وأمّتنا... فالمناضلون أمثاله الذين خبروا السّجن يعرفون كيف يحوّلونه إلى "خلوة" للتّطهر والتّذكّر والتّفكير.

تاريخ أول نشر 2026/5/25