تشهد تونس منذ أشهر حركة احتجاجية متصاعدة وحلقات متوالدة من الاحتقان في الحركة الاجتماعية سواء تعلقت بالبعد البيئي والمعيشي مثلما حصل في قابس من نفير شعبي ضد التلوث والامراض والاختناق يطالب بتفكيك الوحدات دون ظهور أي استجابة او خارطة حلول تعلقت بالكرامة والحرية والحركة الديمقراطية.. ولا وجود لمؤشرات لغة حوار او تواصل، سوى لغة المحاكمات والسجون وهو ما يطرح سؤالا محيرا على جميع الفاعلين السياسيين والمدنيين فحواه كيف دخلت تونس عصر الوهم العظيم؟
وفي الواقع هناك لحظات في تاريخ الشعوب تتقاطع فيها السياسة مع الأدب، وتتداخل فيها الدولة مع الميثولوجيا، ويضيع فيها الخط الفاصل بين الواقع والوهم. وتبدو تونس اليوم في واحدة من تلك اللحظات النادرة؛ بلدٌ يتأرجح بين رواية "دون كيشوت" التي عرفناها في مدارسنا و التي تحتفي بالهوس الإصلاحي ومواجهة أعداء متخيّلين، وبين عالم "صمت الحملان" الذي تُدار فيه السلطة عبر الخوف والتهديد وإسكات الأصوات وتستمرئ فيها اضراب من المعارضة التشتت والانعزالية ; الاحتراب العصبوي بين أبناء الشعب الواحد ومنحدراته الطبقية المتقاربة باختلاف مكوناته وكذلك أبناء الهدف الذي يفترض ان يكون هدفا واحدا ، الا وهو استرجاع مسار الثورة الوطنية والثورة الديمقراطية وبناء مجتمع الديمقراطية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والفرص والواجبات. . في هذه المساحة الدرامية والكوميدية، تتشكّل تراجيديا أزمة تونس الراهنة، كأزمة سياسية واقتصادية، ولكن أيضًا نفسية–اجتماعية تتجاوز معنى السلطة إلى معنى الوجود الجماعي نفسه.
كتبت رواية دون كيخوتي في مرحلتين: الجزء الأول سنة 1605، والجزء الثاني سنة 1615.
وهذه الفترة تمثّل بداية تراجع الإمبراطورية الإسبانية بعد قرن ذهبي مزدهر.
لماذا تُعد الظروف السياسية التونسية الحالية جزءًا من معنى الرواية؟
لأن دون كيشوت ليس مجرد فارس مجنون، بل رمز لـ:
- عقل يعيش في الماضي بينما العالم يتغير بسرعة.
- فرد يصطدم بالدولة الحديثة والبيروقراطية.
- نقد لنظام سياسي يدّعي البطولة بينما ينهار اقتصاديًا وأخلاقيًا.
- نقد للمثقف الحالم الذي يعجز عن فهم الواقع الجديد. ويتمسك بالانعزال والدغمائية .
وقد كتب سرفانتس روايته في:
- مرحلة انهيار الفروسية وصعود الدولة المركزية الحديثة.
- ظل الإمبراطورية الإسبانية المتهالكة سياسيًا واقتصاديًا.
- زمن الحروب الدينية ومحاكم التفتيش والرقابة.
- لحظة انتقال أوروبا من العصور الوسيطة إلى الحداثة المبكرة.
لذلك فإن دون كيشوت ليست فقط رواية مغامرات، بل تشريح سياسي–اجتماعي عميق لعصر كامل ينهار.
بهذا المعنى، لا تنظر الدراسة إلى قيس سعيّد كمجرّد رئيس، بل كـبنية خطابية–مخيالية تعكس أزمة أعمق في الدولة والمجتمع، ولا تُفهم الأزمة الاقتصادية بوصفها أرقاما فقط، بل كخلفية مادية تسرّع سوسيولوجيا الانهيار وتُغذّي نفسية الخوف.
منذ 25 جويلية 2021، بدا وكأن البلاد دخلت مرحلة جديدة لا تُدار فيها الشؤون العمومية وفق تصورات سياسية مركبة، بل وفق حكاية فردية يصوغها السلطان، خطابًا وصورًا واستعارات. وبقدر ما حاول الرجل تقديم نفسه كمخلص يواجه «الأشرار»، بقدر ما تحوّل المشهد العام إلى معركة ضد طواحين الريح، تتوالى فيها الاعتقالات، وتتفكّك فيها الثقة، ويستقرّ فيها الخوف كإحساس جماعي.
فكيف تحوّلت تونس إلى ساحة صراع بين واقع مأزوم ومخيال سياسي متضخّم؟ وكيف أصبح خطاب الرئيس محركًا نفسيًا–رمزيًا لإعادة تشكيل الدولة من الأعلى، وسط انهيار الطبقة الوسطى، وعودة الدولة بعقيدة امنية كلاسيكية وبوليسية، وانسداد مروع للأفق الاقتصادي؟
النيوليبرالية المتأخرة وصدمة الإفلاس
عاشت تونس على امتداد سنوات انقلاب "التصحيح "أزمة مالية غير مسبوقة:
- إذ تجاوزت المديونية 90% من الناتج الداخلي. وبات التضخّم يلتهم القدرة الشرائية للمواطنين. وتم استنزاف الطبقة الوسطى التي حملت مشروع الديمقراطية بعد 2011. وعجزت أجهزة الدولة عن دفع الأجور فضلا عن تمويل الدعم و الاستثمار..
ولم يكن هذا التوصيف يعكس مجرد خارطة أرقام؛ وانما عكس قصة مجتمع في حالة استنزاف..
فخلال سنوات طويلة، تبنّت الحكومات المتتالية نموذجًا اقتصاديا نيوليبراليًا متأخرًا، يقوم على الاقتراض، ورفع الدعم تدريجيًا، وتجميد الأجور، وبيع الأصول العمومية. في المقابل، لم يظهر أي مشروع تنموي قادر على خلق الثروة أو التشغيل. وهنا بدأت الطبقة الوسطى –عماد الاستقرار السياسي والاجتماعي– تتآكل، ثم تتبخر.
في ظل هذا الفراغ الكبير، جاء صعود قيس سعيّد كاستجابة نفسية قبل أن تكون سياسية : فالناس لم يبحثوا فقط عن منقذ، بل عن قيادة ابوية بطريركية تعيد ترتيب "الفوضى" فاكتشفوا انهم وقعوا في مستنقع انهيار غشيم وظلم غشوم ضرب نمط المعيشة وولغ في خبز المواطن وشغله، وهز اركان الدولة والارضية الصلبة للنظام الجمهوري..
نهاية الدولة الوسيطة
منذ تأسيس الدولة الحديثة، لعبت الأحزاب والنقابات، والجمعيات، والسلطة القضائية دور «الوساطة» التعديلية والتحكيمية الضرورية بين الدولة والمجتمع. وكانت تلك الوساطة هي صمّام الأمان لاستقرار أي نظام سياسي واجتماعي.
لكن مع صعود قيس سعيّد، دخلت تونس مرحلة جديدة عنوانها الدولة بدون مؤسسات وكيانات وسيطة.
ولا يخفي راس الدولة ذلك، بل يعلنه صراحة في تصريحات وخطب تصف الأحزاب بالسرطان، والنخب بكونها فاسدة، والقضاء باعتباره قطاعا متآمرا، والإعلام والإعلاميين على انهم مرتزقون و نشطاء المجتمع المدني على انهم مشبوهون.
ومثل دون كيشوت حين اعتقد أن الخدم والناس والفرسان والاغنام وطواحين الريح جميعهم «أشرار»، رأى سعيّد أن كل من يعترضه او يعارضه هو جزء من مؤامرة كونية على "الدولة الجديدة".
بهذا المعنى، نحن أمام تفكّك بنيوي في وظائف الدولة: فبدون وسطاء، لا توجد إدارة حديثة، ولا مؤسسات، ولا توازنات، ولا رقابة.
تعاليم دون كيشوت السياسة معركة ضد أعداء متخيّلين، فمن هم «الأعداء » في سردية قيس سعيّد؟
في رواية دون كيشوت، كل شيء يمكن تأويله كعدو: الطواحين، السحرة، الخدم، وحتى الأغنام. المهم أن الفارس يحتاج دائمًا إلى خصم يتعالى عليه ويهزمه باسنة الرماح كي يتأكد من بطولته.
على المنوال نفسه، بحث قيس سعيّد منذ وصوله للسلطة عن "عدو". فتمثل أعداء كثيرين متعددين ومتحولين، ورأى في حركة النهضة والإسلاميين كبش الفداء المثاليbouc émissaire idéal فافتتح غزواته بزجهم في السجون واغرى ميلشيا التصحيح بحرق مقرهم المركزي وعدد من مقراتهم الجهوية وهيأ خارطة لبنك من الأهداف العدائية تدرجت في:
- غلق برلمان 2019 الشرعي بمدرعة عسكرية واختطف رئيس الكتلة البرلمانية نور الدين البحيري وسجن رئيس البرلمان الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة وهو في سن الثمانين في غزوة استعراضية لكتيبة امنية في ليلة القدر ليلة السابع والعشرين من رمضان / 17 افريل 2023 إضافة الى اعتقال ثلة من قيادات حركة النهضة وعلى راسهم علي العريض وعبد الكريم الهاروني والحبيب اللوز والعجمي الوريمي المعروف في الحركة الطلابية باسم هيثم ، وعدد غير يسير من قيادات الصف الأول في سياق تصفوي مريع وجرم الأحزاب الوطنية والكتل السياسية ممثلة في جبهة الخلاص الوطني والحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، واستهدف رموز الحركة الديمقراطية من جوهر مبارك الى نجيب الشابي وخيام التركي ورضا بلحاج وعبد الحميد الجلاصي ولطفي المرايحي واحمد صواب وغازي الشواشي والعياشي الهمامي وشيما عيسى وسهام بن سدرين وسنية الدهماني وغيرهم كثير دون استثناء.
- ووضع اليد على القضاء وحوله الى قضاء وظيفي موجه بالتعليمات.
- وتمت محاصرة مهام المحامين وانتهكت حقوق التقاضي العادل وحقوق الدفاع.
- وتم تدجين الصحافة ومنع حرية الاعلام وحرية المعتقد وحرية التعبير. واتهم الصحافيون بأنهم يبثون الإشاعات واقتيدوا الى السجون دون خجل تحت سيف ديموكلاس بالفصل 54 الزجري..
- واتهمت البعثات الديبلوماسية بالتدخل في شؤون السيادة دون تعريف عقلاني لطبيعة السيادة وقوانينها وحدودها،
- واتهمت الإدارة والجهاز الإداري بالبيروقراطية دون امتلاك اجندة اصلاح اداري للبيروقراطية.
- ولا تعريف علمي لمهام الصحافة والاعلام والقضاء ولأدوار رجال المال والاعمال الذين لم ير فيهم إلا أثرياء يرتكبون محرمات مراكمة الثروة ورأس المال ويمارسون رذائل الاحتكار.
- ولم ير في الحركة الطلابية إلا مجاميع للشغب مدفوعون للتآمر..
وليست هذه لائحة اتهام سياسية؛ بل هي خارطة خيال سلطوي يرى فيه كل فاعل محتمل منافسًا على الشرعية.
الطوباوية الشعبوية: حين تتحول السياسة إلى رسالة سماوية
لم يقدم قائد التصحيح برنامجًا اقتصاديا أو اجتماعيًا متماسكًا، لكنه قدم طوباوية عن "العدل المطلق" و"إرادة الشعب المطلقة " و"التطهير "و"البعث الجديد".
وهنا تكمن الخطورة: فالرجل يعتقد أنّ مشروعه ليس سياسيًا، بل قدرًا تاريخيًا، ومخلصا كونيا. و هذه النزعة الميتافيزيقية تشبه اعتقاد دون كيشوت أنه «مبعوث العناية الإلهية» لإعادة الفروسية.
لكن التحوّل إلى "مخلّص" سياسي في الزمن الحديث، هو أخطر أشكال الشعبوية: لأنه يُعفي نفسه من الأخطاء. ويعتبر كل نقد "خيانة". ويجعل أي تراجع سياسي أو اقتصادي جزءًا من «معركة مقدسة» ضد «الطغمة الفاسدة».
لغة الخطاب… معجم فوق-سياسي ميتاسياسي
عادة ما يتعامل الخطاب السياسي مع الواقع: عبر قوانين، وسياسات، وأرقام، ومفاهيم.
لكن خطاب الرئيس يقوم على لغة رمزية–ميتافيزيقية:
وتوجد أمثلة أسلوبية متكررة:
- الشعب يريد..
- التاريخ لا يرحم…
- سنحاسب الخونة والمتآمرين…
- الدولة ستعود إلى أصحابها..
- الحق سيظهر مهما طال الزمن..
ولا تهدف هذه اللغة إلى إدارة دولة، بل إلى بناء أسطورة، أسطورة الرجل الذي «يفهم» وحده، بينما جميع المؤسسات «تتآمر».
إنه خطاب فوق–سياسي، او ميتا سياسي يشتغل على الرموز لا على المصالح، ويشتغل على الخيال لا على الواقع، ويشغل على المقدس لا على المؤسسات.
. يقوم هذا التحليل مقاربة مركّبة تجمع بين:
1. التحليل السياسي–الاستراتيجي: لفهم تحولات الدولة والسلطة في تونس بعد 25 جويلية 2021، وكيف أعاد مشروع قيس سعيّد صياغة قواعد اللعبة السياسية، وأدوات الحكم، وموقع الفاعلين الأساسيين.
2. التحليل السوسيولوجي والنفسي: لقراءة تحولات المجتمع التونسي، من زاوية تفكك الثقة، صعود الخوف الجماعي، تآكل الطبقة الوسطى، وتغلغل خطاب المؤامرة في وعي فئات واسعة.
3. التحليل الاقتصادي–المالي: لفهم الضغط الموضوعي الذي تمارسه الأزمة الاقتصادية (المالية العمومية، الدين الخارجي، التضخم، البطالة، الفقر) في تعميق هشاشة الدولة والمجتمع، وتحويل السلطة السياسية إلى بحث هستيري عن “عدو” تُلقى عليه المسؤولية.
4. الاستعانة بالخيال الأدبي: من خلال روايتي دون كيشوت (رمزية المعارك الوهمية والطوباوية والهوس الإصلاحي الفردي) وصمت الحملان (الدولة البوليسية، السلطة القائمة على الخوف، الصمت المفروض على المجتمع) كعدستين توضيحيتين لا لتحويل السياسة إلى أدب، بل لـ تفكيك المخيال الذي يحكم السلطة والمجتمع في لحظة الأزمة.
بهذا المعنى، لا تنظر الدراسة إلى قيس سعيّد كمجرّد رئيس، بل كـبنية خطابية–مخيالية تعكس أزمة أعمق في الدولة والمجتمع، ولا تُفهم الأزمة الاقتصادية بوصفها أرقاما فقط، بل كخلفية مادية تسرّع سوسيولوجيا الانهيار وتُغذّي نفسية الخوف.
دون كيشوت وصمت الحملان كعدستين لتحليل السلطة
أ. دون كيشوت: الهوس الإصلاحي الفردي والمعارك الوهمية
في رواية دون كيشوت لسرفانتس، نرى فارسًا غريبًا يخرج لإصلاح العالم اعتمادًا على مخيال قديم عن الفروسية، فيرى طواحين الهواء عمالقة أشرارًا، ويخوض معارك بطولية ضد أعداء لا وجود لهم إلا في ذهنه. خلف السخرية، تكمن أسئلة عميقة:
- ماذا يحدث حين تصبح الأسطورة أقوى من الواقع؟
- كيف يتحول الهوس الأخلاقي والطهراني إلى سلسلة معارك ضد مجتمع لا يفهمه هذا الفارس؟
- وكيف يتحوّل “الإصلاح” إلى هدم لمؤسسات الواقع بدعوى إنقاذ الحقيقة والعدالة؟
هذه الرمزية قريبة بشكل لافت من طريقة تمثل قيس سعيّد للسياسة: مشروع فردي، يقوم على تصور طوباوي للديمقراطية "من تحت"، يرى في الأحزاب، النخب، المنظمات، الإعلام… طواحين هواء يجب تحطيمها لاستعادة "الشعب في صفائه الأصلي".
ب. صمت الحملان: دولة الخوف وإسكات المجتمع
في رواية/فيلم صمت الحملان (The Silence of the Lambs)، نواجه عالماً تُستخدم فيه الأجهزة الأمنية والعنف والقتل الرمزي لكشف "الشر" والسيطرة عليه. لكن ما يهمنا هنا ليس تفاصيل الجريمة، بل منطق السلطة الذي يقوم على:
- هندسة الخوف في المجتمع،
- خلق صورة الوحش الذي يهدد الجميع،
- واستثمار هذا الخوف في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والأفراد.
عندما تُسكت الأصوات، وتُختزل السياسة في ملف أمني، يتحول المجتمع إلى “قطيع صامت”؛ حيوات فردية خائفة، متباعدة، بلا قدرة على تشكيل فضاء عمومي.
بهذا المعنى، تساعدنا دون كيشوت على فهم الهوس الإصلاحي الوهمي للزعيم، بينما تساعدنا صمت الحملان على فهم الهندسة الأمنية–النفسية للمجتمع في سياق صعود الدولة البوليسية الناعمة.
توظيف المخيال الميتافيزيقي في مشروع قيس سعيّد
يستند خطاب قيس سعيّد إلى مخيال ميتافيزيقي–أخلاقي أكثر مما يستند إلى عقل سياسي مؤسساتي. يمكن رصد ثلاثة أبعاد أساسية:
1. اللغة الميتا أخلاقية.
2. التصور الميتافيزيقي للشعب.
3. الزمن الميتافيزيقي لا التاريخي ... ميتا تاريخي.
بهذه العناصر، يتجسّد مشروع قيس سعيّد كنوع من السياسة–اللاسياسية تثير الغبار والضبابية حول: كثير من اللغة، قليل من الإدارة؛ كثير من الميتا أخلاقية المجردة، قليل من السياسات العمومية الواقعية.
أزمة الدولة والمجتمع في تونس 2021–2025
أ. نهاية الدولة الوسيطة:
عرفت تونس منذ الاستقلال نموذج الدولة الوسيطة:
- دولة قوية نسبيًا،
- تتحكم في الاقتصاد،
- وتحتكر التمثيل السياسي والاجتماعي عبر حزب/أحزاب مهيمنة،
- مع وجود نقابات ومنظمات تتفاوض معها في إطار توازن هش.
بعد 2011، ومع تعدد الفاعلين وصراع الأحزاب، بدأت هذه الدولة الوسيطة في التآكل، لكن قيس سعيّد استكمل عمليًا تفكيكها من خلال:
- تعليق البرلمان ثم حلّه وإعادة صياغة الدستور بشكل فردي–استفتائي شكلي Referendum formel، وتركيز السلطة في الرئاسة مع اضعاف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وترذيلها عبر خطاب تجريمي مستمر.
وتكون النتيجة: وجود دولة أقوى شكليًا (مركزة في شخص الرئيس)، لكنها أضعف عمليًا في إدارة الاقتصاد، التفاوض الدولي، ضبط الأزمات.
ب. تفكك الثقة والخوف الجماعي:
المجتمع التونسي يعيش اليوم حالة مركّبة من:
- فقدان الثقة في الدولة (عجز عن الإصلاح، فساد، غموض في القرارات)،
- فقدان الثقة في الأحزاب والنخب (اعتبارها جزءًا من الفشل السابق)،
- والخوف من المستقبل (انهيار الدينار، موجات الهجرة، انسداد الأفق أمام الشباب).
يتغذى هذا على خطاب رسمي يكرر:
“هناك مؤامرات، وخونة، ولوبيات، ومافيات…”
فيتحول جزء من المجتمع إلى متلقٍ سلبي لخطاب المؤامرة، يفضّل تصديق وجود “عدو” غامض على مواجهة تعقيد الأزمة البنيوية.
ج. انهيار الطبقة الوسطى والانحدار الكارثي الى درجة الفقر وما تحت درجة الفقر:
تحت ضغط التضخم، ضعف القدرة الشرائية، ارتفاع الضرائب غير المباشرة، هشاشة الخدمات العمومية، بدأت الطبقة الوسطى – التي كانت ركيزة الاستقرار السياسي–الاجتماعي – في الانهيار:
- الموظف العمومي فقد قدرته على الادخار،
- المهني الحر أصبح يعيش على الهامش،
- ونمط الحياة “التونسي الكلاسيكي” (بيت صغير، تعليم للأبناء، سياحة داخلية) أصبح حلماً أبعد فأبعد.
هذا الانهيار يغذي رغبة في الهروب (الهجرة) أو الانفجار (العنف، الاحتجاج غير المنظم)، ويضعف قدرة المجتمع على مقاومة الدولة البوليسية الناعمة التي تقدم “الأمن والاستقرار” مقابل التخلي عن السياسة.
المعارك الوهمية وتفكك الشرعية
في هذا السياق، يمكن قراءة سلوك السلطة من خلال عدسة دون كيشوت:
1. أعداء متخيلون:
· تقديم الأحزاب، المنظمات، القضاء، المحامين، الإعلام… كجبهة واحدة متآمرة ضد الشعب.
· تحويل أي مبادرة حوار، أو تقارب بين النخب، إلى دليل على مؤامرة تهدد “المسار التصحيحي”.
2. معارك رمزية بدل الإصلاحات الفعلية:
· إعلان الحرب على “الاحتكار” دون إصلاح بنية الاقتصاد الريعي.
· فتح ملفات قضائية استعراضية دون إعادة هيكلة عميقة للقضاء والأمن والمالية العمومية.
· حملات “تطهير” في الإدارات دون إصلاح منظومة الوظيفة العمومية والتشغيل.
3. تفكك الشرعية بدل استعادتها
· يُفترض أن هذه المعارك الوهمية تهدف إلى استعادة الشرعية عبر محاربة الفساد، لكنها عمليًا تؤدي إلى:
· عزلة خارجية،
· فقدان ثقة المستثمرين،
· توتر مع النقابات،
· وتنامي إحساس عام بأن “لا أحد يحكم فعلاً”، بل هناك خطاب يملأ الفراغ.
هنا نرى المفارقة:
- فارس الإصلاح (الزعيم) يخوض المعركة باسم الشعب،
- لكن الشعب لا يرى نتائج ملموسة،
- فتتحول البطولة إلى كاريكاتور، وتتحول الشرعية الثورية إلى شرعية متهالكة.
دولة الخوف وصمت المؤسسات
بالعودة إلى رمزية صمت الحملان، يمكن قراءة تحولات الدولة التونسية كالتالي:
1. القضاء كأداة ردع:
· الملاحقات القضائية ضد خصوم سياسيين، نقابيين، أو إعلاميين.
· توظيف ملفات “التآمر على أمن الدولة” و”التمويل الأجنبي” لتأديب النخب.
· خلق مناخ عام من الخوف من التتبع، يفضّل فيه كثيرون الصمت على المجازفة.
2. الإعلام تحت الضغط:
· تضييق غير مباشر عبر القضايا، حملات التشويه، الضغط الاقتصادي، أو تعديل الأطر القانونية.
· تحويل جزء من الإعلام إلى بوق للسلطة، وجزء آخر إلى أصوات هامشية تتحرك في فضاء رقمي غير متحكم فيه.
3. المنظمات الوطنية في المنطقة الرمادية:
· الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية المنظمات يتأرجحون بين رفض المسار الانفرادي، والخوف من مواجهة مباشرة تؤدي إلى قمع أو تجفيف موارد.
· النتيجة: مؤسسات تاريخية كانت صوتاً للمجتمع تتحول تدريجيًا إلى حضور رمزي ضعيف، ما يقرب المجتمع من حالة “القطيع الصامت”.
بهذا المعنى، تتشكل ملامح “دولة خوف” لا تعتمد بالضرورة على قمع دموي واسع، بل على قتل رمزي:
- إفقاد النخب مصداقيتها،
- تخويف الفاعلين،
- وتحويل المواطن إلى فرد معزول، خائف، يراقب ذاته قبل أن تراقبه الدولة.
سيكولوجيا السلطة بين الهوس الطهراني والعداء للنخب
أ. الهوس بالطهارة الأخلاقية:
يقدّم قيس سعيّد نفسه باعتباره رجل القانون النزيه، الطاهر، غير الملوث بالأحزاب. هذه الصورة تتغذى على:
- خطاب تكراري عن “السرقة والفساد والخيانة”،
- رفض كل تسوية أو تفاوض مع “الفاسدين”،
- تقديم السياسة كمساحة إما طهارة مطلقة أو فساد مطلق.
هذه السيكولوجيا الطهرانية تجعل من التسوية السياسية خيانة، ومن الحوار مع الخصوم تنازلاً عن المبادئ، ما يقود إلى عزلة سياسية وإلى إدارة البلاد بمنطق القلعة المحاصَرة.
ب. شيطنة النخب: من المكارثية إلى الشعبوية اللاتينية:
تاريخيًا، عرف العالم تجارب تشبه ما يحدث في تونس اليوم:
المكارثية في الولايات المتحدة (الخمسينيات): حيث تمت شيطنة المثقفين والفنانين والنقابيين والشيوعيين كمندسّين وخونة، واعتُبرت أي معارضة للنظام القائم تهديدًا للأمن القومي. وكذلك فعلت الشعبوية اللاتينية (بولسونارو، وغيره بصيغ مختلفة): حيث يتم تجييش الجماهير ضد النخب السياسية والإعلامية والقضائية باعتبارها “مافيا” أو “أوليغارشيا” متآمرة على الشعب. وقد صور كاتب رواية صمت الحملان (The Silence of the Lambs):توماس هاريس (Thomas Harris)، مجتمع الخوف خير تصوير وقد صدرت الرواية عام 1988، وهي جزء من سلسلة تتناول شخصية هانيبال ليكتر. وقد تم اخراج الرواية لاهميتها في فيلم سينمائي بعنوان (The Silence of the Lambs):من قبل جوناثان ديمي .
في الحالة التونسية، يتجلى ذلك عبر: تصوير الأحزاب كعصابات وتصوير النقابات كلوبيات وتصوير الإعلام كأداة تضليل والتعامل مع كل محاولة تنسيق بين هذه القوى كـمؤامرة خطيرة.
هكذا يُعاد إنتاج المجتمع في شكل ثنائية حادة:
- شعب طاهر يقوده زعيم مخلّص،
- ونخب فاسدة خائنة يجب عزلها أو معاقبتها.
هذه الثنائية لا تحل الأزمة، بل تعمّقها وتفتح الباب أمام دولة بوليسية ناعمة تدّعي حماية الشعب من نخب “شريرة”.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي للأزمة
لا يمكن فهم تعمّق الخوف وتآكل الثقة دون النظر إلى الخلفية الاقتصادية–المالية:
1. أزمة المالية العمومية والدين الخارجي:
· عجز متزايد في الميزانية،
· ارتفاع خدمة الدين،
· صعوبة التوصل إلى اتفاق مستقر مع المانحين الدوليين.
هذه العناصر تجعل الدولة في وضع تسيير يومي للأزمة لا في وضع التخطيط الاستراتيجي.
2. التضخم وتآكل القدرة الشرائية:
· ارتفاع أسعار المواد الأساسية،
· اضطراب التزويد،
· توسع الاقتصاد الموازي.
ويمس هذا مباشرة الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة والمفقرة، ويدفعها إلى:
· إمّا الانسحاب إلى منطق البقاء الفردي،
· أو الانخراط في موجات احتجاج غير منظَّمة، قد تتخذ طابع الانفجار العنيف.
3. البطالة والهجرة:
بطالة مرتفعة بين الشباب وخريجي الجامعات وتسع الهجرات القانونية وغير القانونية مع شعور عام بأن البلاد "تطرد أبناءها".
هذه العوامل تجعل أي خطاب عن "السيادة الوطنية" أو "استعادة الشعب لسلطته" يبدو منفصلاً عن شعور الناس اليومي، ما يُغذي مفارقة قاسية:
- يتم استخدام خطاب سيادي–ثوري،
- في حين يعيش المواطن اغترابًا اقتصاديًا واجتماعيًا يدفعه إلى الهروب من الدولة لا الدفاع عنها.
خرائط القوة والفاعلين في الأزمة
يمكن رسم خريطة مبسطة للفاعلين الرئيسيين:
1. رئاسة الجمهورية
· مركز الثقل السياسي والرمزي.
· تمتلك أدوات: المراسيم، التحكم في الحكومة، النفوذ على جزء من القضاء والأمن.
· تعتمد على شرعية انتخابية سابقة، وخطاب شعبوي سيادي.
2. المنظمات الوطنية( الاتحاد العام للشغل، منظمة الأعراف، هيئة المحامين… )
· تمتلك شرعية تاريخية وقدرة تعبئة اجتماعية.
· لكنّها مترددة بين الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئاسة أو الحفاظ على مساحة تفاوض رمادية.
3. القضاء
· جزء منه في موقع ضغط سياسي،
· جزء آخر يحاول عبثا الحفاظ على استقلالية نسبية،
· ما يجعل الجهاز القضائي ساحة صراع بين منطق دولة القانون ومنطق دولة الخوف.
4. الإعلام
· يتوزع بين إعلام قريب من السلطة،
· وإعلام نقدي محدود التأثير،
· وفضاء رقمي فوضوي يجمع الأخبار الموثوقة مع الإشاعات ونظريات المؤامرة.
5. المعارضة السياسية
· مشتتة، ضعيفة التنظيم، متباينة الأجندات (إسلاميون، يسار، قوميون، ليبراليون…).
· تحاول بناء جبهات ديمقراطية، لكن يتم تصويرها رسميًا كجزء من “الجبهة المتآمرة”. مما يجعلها في تشتتها أقرب الى صمت الحملان.
6. شبكات الدولة العميقة
· شبكات بيروقراطية–أمنية–اقتصادية تشكل امتدادًا لمنظومات سابقة.
· جزء منها يتكيّف مع السلطة الجديدة،
· وجزء منها ينتظر توازن قوى جديد دون انخراط علني.
هذه الخريطة تظهر أن الصراع ليس ببساطة بين "الرئاسة" والمعارضة، بل بين مشروع تركيز سلطوي فردي من جهة، وبقايا منظومة الدولة الوسيطة والمجتمع السياسي والمدني من جهة أخرى، في سياق هشاشة اقتصادية عميقة.
"الخطر الداهم" كأداة حكم جديدة
استند قيس سعيّد إلى مفهوم “الخطر الداهم" لتفعيل إجراءات استثنائية، لكنه تحوّل لاحقًا من ظرف قانوني إلى منطق حكم دائم:
1. التطبيع مع الاستثناء:
. ما بدأ كإجراء “استثنائي لإنقاذ الدولة” أصبح منطقًا لإعادة بناء النظام السياسي برمّته.
. تم تحويل حالة الاستثناء إلى قاعدة سياسية تبرّر أي تركيز جديد للسلطة.
2. الخطر الداهم كعدو دائم:
لا يتم تعريف "الخطر الداهم" بدقة، بل يبقى مفهوما مطاطًا يمكن أن يشمل:
· الإرهاب،
· الفساد،
· المتآمرين،
· وحتى مبادرات الحوار بين النخب السياسية يعتبر خطرا داهما.
· بهذه الطريقة يتحول "الخطر الداهم" إلى عدو بلا وجه، شبيه بالأعداء الذين يصارعهم دون كيشوت، وهو ما يسمح للسلطة بإبقاء "الخطر الداهم" حيًّا دائمًا لتبرير استمرار الاستثناء.
3. إدارة الخوف لا إدارة الدولة:
· بدل بناء سياسات عمومية،
· يتم بناء سردية أمنية–سياسية تقول للمواطن:
"الوضع خطير، نحن وحدنا نحميكم، عليكم الصبر والثقة."
هذا الاستخدام الاستراتيجي لمفهوم "الخطر الداهم" يرسّخ دولة بوليسية ناعمة:
- لا تحتاج لاعتقالات جماعية يومية،
- يكفيها أن تحافظ على مستوى عالٍ من الخوف والضبابية القانونية والسياسية.
السيناريوهات المحتملة لتونس 2025–2030
السيناريو الأول: الدولة البوليسية الناعمة:
المسار:
- يتم الاستمرار في تركيز السلطة في يد الرئاسة ومزيد من تطويع القضاء والإعلام واحتواء المنظمات الوطنية عبر التهديد أو الإغراء و إدارة الأزمة الاقتصادية عبر حلول ترقيعيه، دون إصلاح بنيوي أو اتفاق مستقر مع الشركاء الدوليين.
السمات:
- ويؤدي ذلك الى استقرار أمني نسبي وصمت سياسي صمت حملان متزايد، لا يرقى الى مستوى توحيد المعارضة والفاعلين السياسيين مع توسع في الاقتصاد الموازي وهجرة الفرار المتأكد ويؤدي ذلك -اخيرا – الى دولة تحكم مجتمعًا صامتًا، مشتتًا، خائفًا، مثل مشهد "الحملان الصامتة".
المخاطر:
- تآكل شرعية النظام على المدى المتوسط،
- تحول الخوف المكبوت إلى انفجارات عفوية،
- ضعف الدولة أمام أي صدمة خارجية (أزمة غذاء، طاقة، أو اضطرابات إقليمية).
السيناريو الثاني: الانفراج التدريجي:
المسار:
- تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والضغوط الدولية والداخلية، تضطر السلطة إلى:
- فتح حوار مع المنظمات والنخب،
- قبول إصلاحات سياسية محدودة (انتخابات أكثر تنافسية، إعادة الاعتبار جزئيًا للبرلمان، توسيع هامش الحريات)،
- السعي إلى تأسيس تسوية تاريخية جديدة بين الدولة والمجتمع.
السمات:
- عودة تدريجية للحياة السياسية، ولو بشكل محدود.
- تخفيف القبضة على الإعلام والقضاء.
- إعادة بناء جزئية للدولة الوسيطة (مؤسسات تفاوض وتمثيل).
الشروط:
- قدرة جزء من المعارضة على تجاوز الانقسامات وتحقيق الوحدة الوطنية والديمقراطية المطلوبة.
- لعب المنظمات الوطنية دور الوسيط،
- وجود إرادة داخل جزء من منظومة الحكم للخروج من منطق الاستثناء الدائم.
السيناريو الثالث: الانفجار الاجتماعي:
المسار:
- استمرار التدهور الاقتصادي: تضخم مرتفع و نقص حاد في المواد الأساسية وتعطل الخدمات العمومية وارتفاع البطالة مع تزايد شعور الفئات الشعبية والوسطى بأن النظام الحالي لا يملك حلاً، وصولا الى اندلاع احتجاجات عفوية، متقطعة، تتحول تدريجيًا إلى موجات عنف، قد تفقد فيها القوى السياسية القدرة على التنظيم والوساطة.
السمات:
- الهشاشة الأمنية مع إمكان توسع العنف الجهوي أو الفئوي ودخول فاعلين غير مؤسساتيين (شبكات تهريب، مجموعات عنيفة، تدخلات خارجية).
المخاطر:
- انهيار ما تبقى من الثقة في فكرة الدولة نفسها وفتح الابواب أمام حلول "قاسية" (عسكرة أوسع للمجتمع والدولة وتدخلات خارجية مع عودة أشكال متطرفة من السلطوية).
ويظهر من خلال هذه القراءة، أن تونس تعيش اليوم مفارقة دون كيشوت–صمت الحملان:
- زعيم يرى في كل مبادرة وحدوية للنخب طواحين هواء متآمرة.
- ودولة تسير بخطى ثابتة نحو تحويل المجتمع والأحزاب المتنازعة والفاعلين المدنيين والنقابيين إلى قطيع صامت، عبر الخوف، والضبابية، والتجريم الرمزي للنخب.
لكن هذه الاستراتيجية ليست قدراً ويمكن التفكير بعقل سياسي جمعي يفتح افاقا للفعل التغييري الديمقراطي وذلك من خلال:
1. إعادة الاعتبار للسياسة ضد الميتافيزيقا والرومانسية والميتا سياسة واستبدال إرادة الدغمائية العقائدية الأيديولوجية بإرادة التغيير الديمقراطي والبنيوي:
· تفكيك الخطاب الميتافيزيقي الميتا سياسي عن "الشعب الطاهر" و"الخطر الداهم" واستبداله بنقاش واقعي حول:
· المنوال التنموي،
· السياسات الاجتماعية،
· الإصلاحات المؤسسية الممكنة.
· المواطنة العضوية والثقافة العضوية.
2. بناء جبهة ديمقراطية وطنية –اجتماعية عريضة:
· تضم طيفاً واسعا من الأحزاب القابلة للاشتراك في المواطنة والوطن، المنظمات، الجمعيات، الشخصيات المستقلة، حول حد أدنى مشترك:
· رفض الدولة البوليسية،
· الدفاع عن الحقوق والحريات،
· تبني برنامج إنقاذ اقتصادي–اجتماعي.
3. إحياء دور المنظمات الوسيطة:
· إعادة تموقع الأحزاب الديمقراطية الوطنية والاتحاد العام التونسي للشغل والحركة الطلابية والشبابية والنسوية وبقية الفاعلين في موقع الوسيط التاريخي والكتلة التاريخية لا المتفرج أو المهادن او المضاد للثورة .
· تطوير مبادرات حوار مجتمعي تنطلق من القاعدة (جهات، فئات مهنية، شباب) لتجاوز احتكار السلطة لخطاب "التحدث باسم الشعب".
4. وضع خطة إنقاذ اقتصادي–اجتماعي ذات مصداقية:
· إصلاحات تدريجية، عادلة اجتماعيًا،
· مواجهة الاقتصاد الريعي والفساد البنيوي،
· حماية الحد الأدنى من مكتسبات الطبقة الوسطى والفئات الضعيفة،
· ربط أي اتفاق مع المانحين الدوليين بضمانات ديمقراطية واجتماعية واضحة.
5. استعادة الفضاء العمومي والخطاب المضاد للخوف:
· تشجيع ودعم الإعلام الديمقراطي والمستقل.
· حماية المثقفين والباحثين والصحفيين من الملاحقات الكيدية والعبثية.
· بناء سردية بديلة تقول للمجتمع:
"الخطر الحقيقي ليس النخب كما تُصوَّر، بل انهيار الدولة وانهيار العقد الاجتماعي والوحدة الوطنية وانتهاك الذاكرة الروحية والخبرات الجمعية “
6. الاستثمار في الذاكرة والعبرة التاريخية مع استحضار تجارب شيطنة النخب في المكارثية والشعبوية اللاتينية وتحويلها إلى مادة نقاش عمومي تُظهر أن مسار شيطنة النخب يقود عادة إلى:
· الفساد الأكبر.
· والسلطوية الأشد.
· والانفجار الاجتماعي بالنتيجة.
·
بين دون كيشوت وصمت الحملان… أي مستقبل لتونس؟
تونس اليوم ليست في أزمة اقتصادية أو سياسية فحسب، بل في أزمة سردية. بلدٌ يعيش بين روايتين:
1. رواية دون كيشوت: رجل يعيد تخيّل نفسه فارسًا يقاتل أعداءً متخيّلين ليمنح معنى لمعركة لا وجود لها.
2. رواية صمت الحملان: مجتمع يُدفع تدريجيًا نحو الخوف، ينكمش، يصمت، ويقبل حكمة القوة بدل قوة الحكمة.
السؤال الحقيقي ليس: إلى أين تسير تونس؟
بل: من سيكتب الرواية القادمة؟
هل سيستمر الرئيس في كتابة فصول ملحمته الفردية؟
أم سيستعيد المجتمع بأحزابه الوطنية ومنظماته دوره كراوٍ لقصته، يرفض الخوف، ويتجاوز الوهم، ويحقق وحدته الموطنية والموقفية ويصوغ مصيره بنفسه؟
بين الوهم والواقع، بين الشجاعة والخوف، بين الخرافة والدولة الحديثة… تقف تونس عند مفترق طرق تاريخي.
ولعل أول خطوة للخروج من الأسطورة هي الاعتراف بأن الأزمة حقيقية، وأن مواجهة الواقع أصعب من مواجهة الطواحين، لكنها وحدها بداية النجاة.
وفي الأخير هل ستنجح تونس في كسر ثنائية الفارس الوهمي والقطيع الصامت والعودة إلى سياسة تعترف بتعقيد المجتمع، وتعيد للناس حقهم في الكلام والفعل والإرادة والأمل؟
تاريخ أول نشر 2026/1/3
