لو كانوا مجرمين ومورطين لما لجأ الانقلاب ومن وراءه وعبيده إلى إجراء محاكمات تفتقد للحد الأدنى من النزاهة والشفافية والاستقلالية، ولما انتهكت فيها كل إجراءات المحاكمة العادلة، ولنقلت على الهواء مباشرة، ولكانت ملفاتها تحتوي على مقومات الملفات القضائية مستوفية الشروط، ولعرضت المحجوزات وأدوات الجريمة على العموم، ولتقدم الشهود بأعيانهم ولجرت المكافحات بينهم وبين المتهمين، ولمُكن المتهمون من الدفاع عن أنفسهم في محاكمة علنية، ولمُكن محاموهم من حقهم القانوني في كل ما يساعدهم على الدفاع عن منوبيهم بالشكل الذي يكفله القانون ....
لم يكن هناك شيئ من كل ذلك ... إذن فهي محاكمات صورية شكلية، تم فيها استعمال القضاء استعمالا شائنا سيبوء بإثمه ليس فقط من أصدر التعليمات بل ومن استجاب لها .
كل سلسلة المحاكمات والأحكام التي أصدرها قضاء الوظيفة وقضاء التعليمات إنما هي أوسمة على صدر النهضة وصدور قياداتها وأعضائها، تؤكد أنهم على حق مبين، وأنهم قدموا لتونس وللعالم تجربة المشاركة من موقع متقدم للحكم وإن ارتكبوا فيه أخطاء إلا أنهم لم يخونوا الله ويخونوا أماناتهم، وأنهم لم ينحرفوا بالسلطة ولم تنحرف بهم، وأنهم جاؤا بالديمقراطية وحكموا بها وأخرجوا بالانقلاب والتآمر الداخلي والخارجي وبالغدر والخيانة. كانوا يدركون أن المعركة شرسة وأن الثورة وإن أسقطت رأس النظام إلا أنها أبقت نظام الاستعمار الداخلي، وقدمت جولة مشرفة لمصارعته والإثخان فيه ولن يكون ما أنجزته إلا تقدما في صراع مرير ستعقبه جولات وجولات حتى النصر إن شاء الله.
لو كانت النهضة ورجالها ضعفاء و"سذج" و"غشيمين" و"ما يفهموش في السياسة" و"أيادي مرتعشة"، ما اضطر خصمهم إلى الانقلاب، وما اضطر إلى فبركة الملفات، وما اضطر إلى توظيف القضاء، ولما لجأ لاستصدار أحكاما فاضحة بتلك الصورة ... ليس هناك تفسير خارج عجزه عن مواجهة النهضة بسلاح القانون فضلا عن أدوات السياسة، فلجأ إلى الدوس على كل ذلك كما يفعل كل من فقد عقله وقلبه وجعل الله على بصره غشاوة ... وتلك سير الظالمين في كل عصر ومصر .
كثيرون كانوا يدفعون النهضة إلى ان تمارس ما لا تقتضيه أخلاقها أو ما لا يرتضيه الصراع الديمقراطي أو ما يحرمه الدين الذي هو مرجعيتها، فتمارس ما مارسه خصومها معها من الظلم والكيد والانقلاب والدجل والكذب، لكنها تمسكت بالصدق والأمانة والعدل، ومارست السياسة وفق أصول السياسة باستراتيجياتها وتكتيكاتها المدنية السلمية، وتمسكت بالحرية للجميع، وبالصبر على الأذى، والابتعاد عن الانتقام والثأر. لأنها تؤمن ان الظلم لا يقاوم بالظلم، وان الكذب لا يقاوم بالكذب، وان الخداع لا يقاوم بالخداع، وان الفساد لا يقاوم بالفساد، وان طريق الاصلاح الحقيقي يحتاج صبرا طويلا، ونفسا عميقا، وقدرة على جمع الكلمة وتعظيم المشتركات، لا حفر الاخاديد وزرع الاحقاد .... كانت النهضة تتصرف من موقع القوة لا من موقع الضعف على عكس ما يتوهم المتعجلون من أبنائها وبعض مراقبيها، وكانت ترى انها إن تهزم وهي تطلب الحق وتجتهد في تنزيله، خير لها من ان تنتصر باعتماد وسائل خصومها أو بعض خصومها على الغدر والخيانة والانقلاب، بل ترى في هزيمتها انتصارا، لأنها وان قدر لها أن انهزمت في معركة إلا انها انتصرت في انها لم تُلجئها الى الخروج من العدل إلى الظلم، وانتصرت على شيطان السلطة وفتنته، وليس سهلا ان تفوز في هذه المعارك، فكم أعمت فتنة السلطان زعامات وحركات، فحولتها من أمل في التغيير والاصلاح إلى استمرار للفساد والطغيان .... أما هزيمة معركة فليست نهاية الدنيا، وقد علمنا التاريخ أن كثيرا من الهزائم كانت مقدمة ضرورية لنصر حقيقي تتحقق فيه موعودات الله بالتمكين للمستضعفين ووراثة الصالحين ... " ويقولون متى هو قل عسى ان يكون قريبا" ... "ولتعلمن نبأه بعد حين".
تاريخ أول نشر 2026/6/3
