search

حبيب بوعجيلة: في قراءة راهن صاخب ... العالم يتمخض على ارضنا

عندما نضع في الاعتبار التصميم الايراني على عدم ايقاف الحرب اذا كان الأمر يتعلق بالعودة الى المرحلة السابقة التي تبقيها تحت سيف الهيمنة الغربية ورحمتها وعندما نفهم أن قبول عدوها الصهيوامريكي بخروج ايران سالمة كما هي قبل هذه الحرب يعني قبولهم ببداية افول نظام الهيمنة الامريكي الأطلسي الصهيوني ؛ عندها نستطيع بوضوح ان نستخلص ان المعادلة حاليا هي معادلة صفرية وان ذهاب العالم كله الى الحرب الشاملة التي سترتب النظام الدولي الجديد مسالة وقت .

اندلاع الحرب الشاملة قد يكون مسالة وقت غير طويل ، لأن استمرار الحرب بهذه الوتيرة الاستنزافية التي اتقنت فرضها ايران ليس في صالح امريكا ولا اسرائيل ولا في صالح الغرب كله وبالطبع ليس في صالح الخليج العربي المسرح التقليدي للمصالح الغربية ومسرح الجدران والقواعد والشبكات الامنية التي بنتها امريكا للنظام العالمي الصهيواطلسي في هذه المنطقة منذ سايكس بيكو وما بعدها لتواجه على اراضينا العربية القوى المفترض صعودها من شرق العالم وجنوبه ونقصد الروس والصين وكل من تحدثه نفسه بمنافسة الغرب اليهومسيحي في قيادة العالم .

كل المؤشرات تقول بأن الأمر لن يخرج من احد امكانيتين :

& أن تتوقف الحرب دون ان تنكسر ايران ما يعني هزيمة الاهداف الامريكية الاسرائيلية وبداية انهيار كل مقومات استمرار نظام الهيمنة الغربي .وهذه امكانية سيكون القبول بتحققها من امريكا واسرائيل بمثابة الانتحار

& او ان تنجح امريكا واسرائيل في جرجرة دول الحلف الاطلسي ودول الخليج لخوض الحرب وكسر ايران وبالتالي انهاء كل امكانية لتغيير نظام الهيمنة والتحجيم النهائي للصين وسائر قوى جنوب العالم وشرقه الطامحة للانعتاق واعادة ترتيب العالم على قيم العدل والانصاف .

بناء على هاتين الامكانيتين يقف العالم اذن امام اسئلة جذرية يتداخل فيها الاقتصادي مع الحضاري في زمن فارق :

- هل يمكن ان تمارس اوروبا العجوز قدرا من الاستعصاء والممانعة امام السيد الصهيوامريكي وتقبل بخروجه محجما وبالتالي القبول بتحجيم كل نظام الهيمنة الغربي التقليدي؟

بمعنى هل يمكن ان تراهن بذلك اوروبا على بناء نظام جديد يكون لها فيه موقع اكثر احتراما مما تعيشه الان من احتقار في النظام الذي يتزعمه الامريكي والصهيوني ؟ هل تجازف اوروبا بشق عصا الطاعة في وجه الامريكي الصهيوني وتتركه يستنزف في هذه الحرب وحده لتصبح شريكة في نظام جديد ، مع قوى جنوب العالم وشرقه اي في نظام يتجاوز البلطجة الصهيوامريكية وينبني على قيم مشتركة لاوروبا عقل الانوار السابق وشرق الحضارات الروحية في اسيا وافريقيا ؟

ام ان اوروبا ستفضل الدفاع على نظام الهيمنة الغربي التقليدي السائد والذي ساهمت في بنائه مع الامريكيين بعد الحرب العالمية الثانية والذي يجمعها فيه معهم الارث اليهومسيحي ومركزية الرجل الابيض ؟

من الواضح ان اوروبا تعيش الحيرة امام هذه الاسئلة وما اختلاف مواقف دول اوروبية تريد الانعتاق من الاملاءات الامريكية مثل اسبانيا واخرى تريد الاستمرار في الخضوع مثل المانيا الا دليل على التمزق الذي يشق العقل الاوروبي .

على قوى شرق اسيا ووسطها الطامحين لنظام عالمي جديد يطرح ايضا السؤال : هل ستقبل الصين وباقي دول اسيا الطموحة بانكسار ايران في حرب عالمية اطلسية وحلف دولي ضدها ما يعني انتهاء كل أمل اسيوي في اعادة ترتيب العالم خارج نظام الهيمنة الغربية التقليدي ؟ أم انها ستعمل سرا وعلنا على دعم الصمود الايراني وتحريك القوى الحية ومشاعر الانعتاق في العالم العربي (قلب الصراع العالمي ومسرحه ) لتحجيم النفوذ الغربي وهرسلته للذهاب الى عالم جديد يكون فيه للصين ومن اراد من القوى الجديدة مكانة اساسية واقامة نظام عالمي جديد ينهي عقود الظلم واستغلال الشعوب وثرواتها ؟

في غرب اسيا وشمال افريقيا اي في العالم العربي بما هو قلب الكون الذي تجري فيه وعليه حاليا المواجهة الدولية لا تبدو الدول والأنظمة الحاكمة ( المهزوزة شرعيتها والمسلوبة ارادتها ) قادرة على فرض الجواب على هذه الاسئلة وستبقى متفرجة على القوى المتصارعة لترى من سيفرض الجواب فتنحاز اليه رغم ما نراه من محاولات خجولة للاسراع باعداد خطة عربية مشتركة تمنح هذه النظم قدرا من الاستقلالية والكلمة المسموعة في صراع الاقوياء .

لكن في المقابل تبدو قوى المقاومة ، داخل جزء من العالم العربي في العراق واليمن ولبنان وفي فلسطين ايضا ، ارقاما مهمة الى جانب حليفتها ايران وستكون محددة في صياغة الاجوبة وتقرير مصير المنطقة والعالم في اتجاه الامكانيتين التي ذكرناها اعلاه .

ليست قوى المقاومة اذرعا او وكلاء ، كما يسميها اعلام العار العربي الرسمي او كما يتصورها المغفلون وادعياء التحليل والمدسوسون في التيارات السياسية والنخب المفوتة ، بل هي جزء اصيل وقوي من " منظومة التحرر الوطني " التي يتاكد يوما، بعد اخر من مجريات هذه المنازلة ، انها منظومة اعدت بصبر استراتيجي وعقل ثاقب لتجد نفسها جاهزة حين تحين ساعة اعادة ترتيب العالم وها قد حانت .

ان هذه "المنظومة" تستعيد اليوم وبعد اشهر قليلة من انكسار الطوفان موقعها الرئيسي في " حرب اعادة ترتيب العالم " بعد ان ذهب في ظننا وظن الكثير ان الترتيب الجديد سيكون كالقديم الذي كان في اواسط القرن الماضي غربيا اطلسيا .لقد كان ظننا الخاطئ هذا بعد ان راينا تدمير غزة وضرب حم...ا...س و الحزب وبعد ما تصورناه عزلا نهائيا لايران وبعد ما توهمناه من ان الامر يستقر للامريكي نحو استعمال احلاف اخرى مرتهنة له وقابلة لتسوية براغماتية ضيزى مع الصهيوني .

ولكن اندلاع هذه الحرب تجبرنا اليوم على اعادة النظر في ما ظنناه امرا محسوما .

ان " منظومة المقاومة " التي سميت محورا ذات يوم قد جعلت فلسطين في قلب برنامجها بمعنى انها اعتبرت نظريا وعمليا ان "مقارعة الصهيونية وانهاء اسرائيل" وبناء القوة المادية والروحية والشعبية لهذه المقارعة هي المدخل الاساسي لاعادة بناء العالم . ويبدو ان هذا الاعتبار الذي قامت عليه الثورة الايرانية منذ قيامها في اخر السبعينات بدا يثبت نجاحه كما تشير اليه وقائع الايام 16 في هذه الحرب التي يبدو اننا نعيد فيها اكتشاف المفاجئ والغريب والمدهش في هذه " المنظومة " التي يبدو انها تقدم نظرية اخرى لمداخل التنمية الاقتصادية والسياسية بعد مقولات " الاستقلال " و " الدمقرطة " و " الوحدة " وهي نظرية : ازالة اسرائيل من المنطقة و"لاامركة المنطقة " deamericanisation .

تقف التيارات السياسية العربية التقليدية حاليا من الاسلاميين والعروبيين واليساريين في " دول الداخل " في موقع المتفرج فعليا امام صراع اللاعبين الاساسيين في حرب اعادة ترتيب العالم ولا تملك اطياف واسعة من هذه التيارات (ممن لم تتموقع سابقا مع " منظومة المقاومة " كما فعل اسلاميو وعروبيو ويساريو عواصم المنظومة في دول المواجهة ) الا ان تعيد النظر في رؤاها وتصوراتها على ضوء " التجارب " العملية التي هي محك النظريات ولن يكون ذلك الا بالبحث لنفسها عن ادوار اكثر دقة وتحيين نظري وعملي في حمأة هذه المنازلة الكبرى وسنرى في هذا التحيين والتدقيق تحولات وانقسامات في قلب هذه التيارات نفسها .

ستكون حرب ومنازلة كبرى وسنرى فيها احلافا يكون في صف الامريكي والصهيوني من لم نتوقع ان يكون في صفهم من اسلاميين وعروبيين ويساريين وسيكون في الصف المقابل من لم نتوقع ايضا من نفس هذه التيارات ...وسيعاد ترتيب العالم اما بتثبيت جديد للهيمنة الغربية مرة اخرى او بولادة نظام اخر لصالح شعوب العالم المضطهدة ...لكن المنازلة ستكبر ...والله اعلم ...

تاريخ أول نشر 2026/3/16