search

حوار في المنهج

أنتمي إلى الجيل الطلابي الذي كان يفتتح حواراته بالحديث عن المنهج وتحديد المفاهيم، حتى يكاد يستغرق ذلك أغلب ساعات الحوار، وقد يقتصر عليها. وهي خاصية ترتبط بشكل ما بالابستيمياء الفرنسية وبالأثر العميق لمنظور مدرسة الغرب الإسلامي. حيث يشتركان في اعتماد المنهج الاستنباطي بشكل أساسي في التفكير، وهو ما يختلف منهجيا عن الرؤية الأنجلوسكسونية وخلفيتها البراجماتية التي تنعكس على طرق التفكير المنهجي الذي يميل إلى منهج الاستقراء أكثر من الاستنباط.

تلك الرؤية المنهجية تفرض بطبيعتها الصرامة، ويعسر فيها توليد الفكرة، وخاصة في القدرة على الذهاب بها إلى أقصاها من حيث التفصيل والتنزيل. حيث يصيب "الارهاق" المفكر، فيكتفي غالبا بمقدمات ما إن ينتهي من تحبيرها حتى يدركه "السأم" ويصيب طاقته الضمور. وكان ابن خلدون قد برر في مقدمته توقفه عند ما قدمه من علم أدرك أنه علم جديد، أنه ليس على مكتشف العلم إلا بيان موضوعه وعلى من يأتي بعده التفصيل في ذلك. ثم كتب "ناريخه" في وجه لا يختلف على سابقيه.

في هذا الإطار، أرى غالبا أن حواراتنا تعاني نوعا من الانسداد، يعود أغلبه إلى عدم الاتفاق على القواعد المنهجية أو المداخل المنهجية لطرح الموضوع، فيتشعب الخلاف بسبب عدم الاتفاق على المنهج والمفاهيم، ويرتد ذلك على نتائج الحوار فيصيبه بالضمور أو الشلل أو العقم.

والمشتغلون بالمنهج يعلمون أنه مرتبط بمدارسه الفكرية الكبرى، ولكن أيضا بالعلوم التي ينتمي إليها. ومع أن هناك مناهج بينية كما هي المناهج التي تربط بين التاريخ وعلم الاجتماع أو بين علم النفس وعلم الاجتماع أو بين الأنتروبولوجيا والتاريخ، إلا أن ذلك لا يعني الخلط أو استعمال المناهج بطريقة لا تراعي مستويات الربط بينهما. وإلى جانب العلوم الانسانية والاجتماعية المتخصصة وتفرعاتها المتعددة والتشابك بينها، هناك علوم أخرى مرتبط بموضوعات معينة وبمجالات بعينها، كأن نتحدث عن علم التغيير الاجتماعي، أو علم الطبقات الاجتماعية، أو علم النخبة، أو علم الثورة، أو علم الدولة، أو عن الجيوستراتيجيا وغير ذلك.

أعرف أن الحوار بهذه المستويات هو شأن النخبة المثقفة بالأساس. وقد كتب ريمون آرون مرة أنه في ستينات القرن الماضي كانت الكتابة في الصحف أو الظهور في القنوات التلفزية حطا من قيمة المفكر. أما وقد تغير الحال، فإن عملية تبسيط النقاش وتحويله للفضاء العمومي، يقتضي أن تكون النخبة حذرة من جعل التبسيط يمس بالمنهج والمقاربة، وبالتالي بالنتائج والمخرجات، وهو ما لم ننجح فيه للأسف بالشكل المطلوب.

وبقدر ما وفرت السوشل ميديا من أسباب التواصل والانفتاح على الفضاء العمومي مما يعد عنصرا إيجابيا، بقدر ما فرضت تقنيات السوشل ميديا وأنظمتها تأثيرا سلبيا على القدرة على إدارة حوار مثمر وبناء، وساقت النخبة من دون أن تشعر نحو البحث عن "رضا الجمهور"، وأثر ذلك بشكل كبير على مضامين الحوار وعلى منهجية إدارته. وهذه ضريبة لا تعني بالضرورة الخروج من ساحة الفضاء العمومي الذي يصيبها التلوث أحيانا، فالعودة إلى الوراء غير ممكنة. ولكن يبقى على عاتق المثقفين وخاصة المثقفين العضويين مسؤولية "توجيه الفضاء العمومي" نحو وعي منهجي قادر على "إنتاج الفكرة" وتحويلها إلى "مشروع تغيير".

تاريخ أول نشر 2026/6/2