تقدم الدكتور المرزوقي في حواره يوم 13 جوان على قناة البلاغ بإدارة الإعلامي أسامة العذاري تصورا لـاليوم التالي والمقصود به اليوم التالي من سقوط الانقلاب.
لا يهتم السؤال بخريطة الطريق للوصول إلى إسقاط الانقلاب، ولكن بما بعد سقوطه.
كلنا ندرك أن الطريق إلى إسقاط الانقلاب له تأثير على ما بعده، ولكن لغاية منهجية تم الفصل بين الإثنين حتى يتركز الجواب على مضمون اليوم التالي، لأن التجربة علمتنا ومنها تجربتنا خلال الثورة، حيث أن الثورة التي فاجأتنا على غير ميعاد جعلتنا في اليوم التالي نقع تحت رحمة مشكلتين: الأولى أننا تقدمنا بدون بديل جاهز، والثانية وهي مرتبطة بالأولى، فقد يسر ذلك على "خصوم" الثورة من خلال تموقعهم داخل الدولة في مؤسساتها العلنية أو في أعماقها على جرنا إلى مربعهم بشكل أو بآخر، حيث تغلب منطق "استمرارية الدولة" على الحلول القادرة على الاستجابة لاستحقاقات الثورة. ورغم أن قوى الثورة استطاعت عبر التفاوض أساسا تحقيق بعض مطالبها، إلا أن فقدانها للبديل الجاهز أضعف موقعها كثيرا، بل أن خصومها استطاعوا تشتيت وحدتها وتضييع بوصلتها.
أعلنت أكثر من مرة إعجابي بالدكتور المرزوقي مفكرا وسياسيا وحقوقيا. وإذا كان البعض يرى أنه حقوقي أكثر منه شيئا آخر فأنا أخالفهم في ذلك. فهو مفكر من قلائل المفكرين العرب، وصانع للمعنى، ومخترق للمسلمات، وباحث عن التجديد، ومشبع بالتأمل في تجارب الأمم والشعوب، وذو تكوين موسوعي، ومواكبة آنية لعالم الأفكار. كما أنه سياسي، ليس فقط لأن كل مفكر هو سياسي بالضرورة، فاشتغاله على الفكر يحوله إلى رجل مشتغل بالسياسة مهما كان موقعه، فما بالك وهو مفكر مشتبك مع الواقع، مهموم بقضايا أمته. وحتى لو اقتصرنا على الجانب الحقوقي الذي يقر له البعض به، فإن أي حقوقي هو سياسي بالضرورة. لكن الدكتور المرزوقي سياسي غير حزبي، تبدو شخصيته متجاوزة لما تتطلبه الحياة الحزبية من التزامات تقيد حرية الفكر والحركة، وهو شيئ يصعب عليه الالتزام به. وقد جرب في حزب المؤتمر وفي حزب الحراك تلافي هذا النقص لكنه لم يوفق. وهو أيضا سياسي ولكنه "غير رهدان" لا بالمعنى الإيجابي ولا السلبي. يميل للحلول الجدية والمباشرة، ولا يبالي بمصادمة الواقع والناس. لكنه في نفس الوقت لا يرفض التوافقات الجادة والعمل المشترك. وعلينا أن نعترف أنه من أوائل من دعوا إلى العمل المشترك، وإلى نبذ الإقصاء، وإلى ضرورة الانفتاح على الاسلاميين. وكان ذلك منذ تجربة المجلس الوطني للحريات. بل إن "المؤتمر" و"الحراك" كانا ثمرة توافق يجمع بين العلمانيين والاسلاميين، وهي تجربة شبيهة بتجربة "الحزب الديمقراطي التقدمي"، وكان مصيرهما متشابها. ورغم أنهما لم يحققا الطموح الذي قادهما، إلا أنهما أسسا لتجربة تركت أثرها وإن سقطت شكلا، إلا أنها بقيت كمرجع مشرق في الحركة السياسية التونسية يفتح على أفق جديد واعد.
هذه الفقرة الطويلة حول المرزوقي ليست اعتباطية، ولا هي بحث عن مكانة عنده فلا هو يحتاج ذلك مني ولا أنا أحتاجها، لكنني أريد بها أن نرتفع بتعاملنا مع رجالاتنا عن الأحكام المبتسرة المبنية على مجرد التعاطي المزاجي، ولا أيضا التعامل مع الناس من خلال أمزجتهم وطبائعهم الشخصية، وإنما علينا التعامل معهم من خلال ما يقدمون من أفكار ومقترحات وبدائل. والدكتور المرزوقي سواء اتفقت معه أو اختلفت، أعجبك مزاجه ام لم يعجبك، استسغت سَمْتَه المرزوقي أم لم تستسغ، هو صاحب راي يجب أن يستمع له وأن يحاور حوار المقدر لخبرته وتجربته.
أعود إلى مضمون الحلقة للحوار مع الدكتور المرزوقي.
يرى أن هناك ثلاث ملفات كبرى تنتظرنا في اليوم التالي، وعلينا أن نعد لها العدة. وهي مشكلة الفقر ومشكلة الجفاف ومشكلة تداعي مؤسسات ومنظومات وبنيات الدولة المادية والمعنوية. يجب أن تكون هذه الملفات أولوية الدولة في اليوم التالي، ولا يجب أن تعلى عليها أولويات أخرى.
ورأيي أنه أحسن التقدير في ذلك.
ومشكلة الفقر تعني تقديم بدائل عملية - وليس مجرد شعارات - في المجال الاقتصادي في كل جوانبه، على أساس أن يصب ذلك مباشرة في حل مشكلة الفقر بما في ذلك التفاوت الجهوي وحسن توزيع الثروة والتقليص من الهدر الذي يشمل كل المجالات تقريبا.
الجميع الان يرى أن من أخطاء الانتقال الديمقراطي أنه لم يولي مسألة الفقر ما تستحق من الأولوية، مما جعل البعض يتطرف في القول ويجعل ذلك خيانة لشعارات الثورة الرئيسية. لكن المعظلة هنا ليست رفع الشعار، وإنما الاشتغال على إعداد بدائل عملية ذات صبغة علمية مبنية على معطيات ميدانية وإحصائية وعلى استيعاب لتعقيدات الوضع الاقتصادي، واجتراح حلول لا تأخذ بعين الاعتبار الحلول الجميلة نظريا والجذابة على مستوى الأرقام، ولكن يجب أن يكون مع ذلك خارطة طريق عملية مؤسسية وبرنامجية، وجدول زمني، ومؤشرات أداء، لتأمين انتقال عملي وسلس من وضع حالي بائس إلى غد مبشر ومضمون.
وعملية الانتقال هذه ليست فقط متطلبات مالية ومؤسسية، وإنما أيضا روح جماعية وبرامج تربوية وثقافية وإعلامية وتوافق وطني حول القضايا الكبرى، التي تتعلق بالأرض والتوازن الجهوي وما إلى ذلك.
كل ذلك يشكل كلا مترابطا يحتاج إلى مخطط تنظيمي يشمل الزمن والكلفة والموارد البشرية ومراحل الانجاز ومستلزمات ومؤشرات الأداء.
أما مشكلة الجفاف فهي من الناحية الاستراتيجية أم المشاكل ويلحق بها مشكل الطاقة وقضايا أخرى لا تقل أهمية كمشكل التهرم السكاني.
وإذا كان مشكل الفقر قد يحتاج عشرية لتقديم نتائج إيجابية ونقلة نوعية فيه، فإن مشكل الجفاف والطاقة والتهرم السكاني قد يحتاج عشرات السنين. وكل تأخر فيه يعني زيادة كلفة إصلاحه المادية والزمنية بل ربما مضاعفتها.
وأما مشكل إصلاح المنظومات والهياكل فهو أهم وألح، لأن كل الاصلاحات التي ستتم في المجالين أعلاه، لا يمكن أن تكون ممكنة بدون إصلاح في بنية المنظومات والمؤسسات والهياكل المادية والمعنوية للدولة، وبعض بنياتها قد بلغ بها التهرم والخراب العظم، وتكاليف إصلاحها أو إعادة بنائها يحتاج أكلافا بالغة من المال والرجال والزمن.
كل هذه البرامج التي يتطلب إعدادها وقتا وتكاتفا واستثمارا في كل طاقات وخبرات وإطارات تونس، تحتاج أولا الدخول السريع ومن الآن في الاشتغال عليها، فإذا جاء اليوم التالي ونحن لا نملك منها إلا شعارات فكأننا لم نفعل شيئا، بل إننا نعيد الخطأ ذاته الذي وقعنا فيه سنة 2011، ويعني ذلك أننا سننفق لا أقل من سنتان أو ثلاث من أجل إعداد ذلك، وهل سنجد الشعب والنخب قادرين على التفهم والصبر على ذلك ... والتونسيون ضيقوا الصدور وقليلوا الصبر؟
وكيفما كان الحال، سواء تقدمنا لليوم التالي ببرامج جاهزة أو شبه جاهزة أو لم نتقدم، فإن عهد استقرار حكومي لا يقل عن 5 سنوات يعتبر مسألة أكثر من ضرورية وأكثر من لازمة. فلا قدرة على الإصلاح بدون استقرار حكومي.
ولكن ذلك الاستقرار لن يتم بدون توافق وطني وبدون تضامن وطني، تضامن يلتقي فيه الجميع على أرض صلبة واحدة شعبا ونخبا ودولة. فهل هذا ممكن؟
هنا نأتي لنقطة الاختلاف مع الدكتور المرزوقي.
يرى الدكتور المرزوقي بأنه علينا أن نتجنب أن ندخل اليوم التالي من باب "مرحلة انتقالية". فهو يرى أن أسوء مدخل هو مدخل المرحلة الانتقالية. لأن ذلك سيربك برنامج التغيير ويدخلنا في فوضى الصراع من جديد وتخلف الإنجاز.
لا بل إنه يدعو إلى تجنب الدخول في انتخابات، ويدعو في المقابل إلى تكوين مجلس رئاسي يشرف على تنفيذ الاصلاحات. وهذا المجلس يتم اختياره من القوى الشبابية الصاعدة متخذا من الانتفاضات الشبابية التي حدثت في بعض دول العام مثالا.
الحقيقة أن الدكتور المرزوقي بقدر ما كان موفقا في التشخيص واقتراح الملفات الكبرى، بقدر ما كان مقترحه لخارطة طريق إدارة اليوم التالي مرتبكا.
أولا ليس هناك من دليل أن الانتفاضات الشبابية قد أفضت إلى تغييرات حقيقية ملموسة باستثناء مرحلتها الأولى في إسقاط النظام أو خلخلة قواعده، لكن المخرجات بعد ذلك لم تكن خارج الصياغات المعهودة في الانتقال من حكم الدكتاتورية، وهي لا تبتعد عما حصل في تونس بشكل أو بآخر.
لذلك كيفما كان الحال في عملية اسقاط الانقلاب، فلا طريق سليم دون إعداد البلاد لانتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها في ظرف وجيز، وفق إصلاحات دستورية ضرورية، أو مرسوم استثنائي يهندسه فقهاء القانون الدستوري يتم بموجبه:
- إصدار عفو تشريعي عام.
- إعادة تفعيل الهيئة العليا لمراقبة دستورية القوانين
- اعتماد القانون الانتخابي المنقح سنة 2019، وتشكيل هيئة عليا مستقلة للانتخابات، مع تنقيحات ضرورية لضمان حيادية وسائل الاعلام، ومحاصرة التمويل غير المشروع للأحزاب والحملات الانتخابية، ومنع سبر الآراء، ومراقبة الحملات الانتخابية عن طريق السوشل ميديا وما يرتبط بها من تضليل وتلاعب بالرأي العام.
هذا الطريق ليس الطريق الأمثل ولكن الأفضل من كل الطرق الأخرى.
أرى أن الساحة تتهيأ شيئا فشيئا إلى استعادة وعيها، وأن الجميع بدأ يدرك أن التصحيح يتمثل في العودة لما قبل 25 جويلية، وقد أدركت الساحة ما يجب تغييره وما لا يجب التفريط فيه. فلا مجال للتفريط في دستور الثورة 2014، وإن احتاج إلى تنقيحات ضرورية، ولا عيب في التدرج في الاصلاحات السياسية وإنما العيب في قلة الصبر على ذلك.
لقد كنا نتجه إلى تطوير تجربتنا وخبرتنا بوتيرة معقولة ولم يفسدها إلا قلة الصبر، ونقص الخبرة .... وها أننا تعلمنا ودفعنا الثمن، ولم يفسدها أيضا إلا الاستقطاب المقيت والتآمر المدفوع أغلبه من قوى خارجية لا تريد الاستقرار لتونس ويزعجها وجود ديمقراطية عقلانية ناشئة.
فهل عزيز على النخبة التونسية أحزابا وخبراء وإطارات في الداخل والخارج أن ينكب كل بما أتيح له من أجل الاشتغال على توفير بدائل مضمونية لليوم التالي نختصر بها الوقت، وكي ينكب الجميع في اليوم التالي على العمل والانجاز لتونس ... تونس التي تثأر لشهدائها، وتسفه أحلام مناوئيها، وتعيد البسمة لكل أبنائها، وتضمن حقوق أجيالها القادة؟
تاريخ أول نشر 2026/6/14
