search

خلاصات... من حاضرنا العربي البائس

*خلاصة أولى: سقط في سوريا نظام الأسد الإبادي فيما يشبه الدراما والخيال. أحد عشر يوما من تقدّم مفاجئ ل"جماعات معارضة مقاتلة" كانت كافية لينتهي حكم متوحش يئس السوريون المنكوبون في المنافي والنزوح والسجون/المطاحن من سقوطه. ولتكتمل الدراما "تمّ تصعيد" شخصية "غير عادية" لقيادة البلاد. شخصية قدّمها الإعلام الغربي خلال سنوات نموذجا لل"الإرهابي المثالي".. وملاحقة من طرف "باندي العالم" أمريكا.

لتجد سوريا نفسها، بعد فرحة خيالية بتفكك نظام الإجرام الأسدي، أمام انزلاق تدريجي وشبه حتمي لدمار جديد.

كل المؤشرات تقول أن انقلابا على "الفصل الأخير من الثورة السورية" هو بصدد الحدوث الآن: قصف صهيوني يومي ومتصاعد لكل المقدّرات العسكرية والحيوية، احتلال صهيوني لأجزاء واسعة من أرض سوريا في تحدّ وجبروت أعمى لكرامة السوريين وسيادتهم، تلويح صهيوني باتخاذ الدروز ذريعة لاحتلال جديد في سوريا ومنع توحيدها، رفض أمريكي لرفع العقوبات، تنسيق روسي أمريكي في الموقف من أحداث الساحل واتجاه نحو توظيف لغم الأقليات، تراجع أوروبي عن مساندة الحكم الجديد، وأخيرا فتور/تردد سعودي في "احتضان/احتواء" الحكم الجديد بعد الاندفاعة الأولى "المشبوهة" في اتجاهه.

الخلاصة.. يبدو أن الفيتو العالمي الاستعماري على "الثورات العربية"، الذي تم رفعه مبكرا في مصر ومتأخرا بعض الشيء في تونس، يُرفع الآن بصيغة أخرى في سوريا. ولن تعصمهم من ذلك تناقضات المصالح بين الفاعلين الدوليين والإقليميين الكثر، وأن تراجيديا الدماء السورية ستظل مفتوحة إلى مدى مجهول.

* خلاصة ثانية: غزة الآن يتيمة في مواجهة عدم التاريخ. ولا ينكر إلا مكابر أنها تكبدت أكبر خساراتها حين فقدت حليفها الوحيد القوي الوفيّ حسن نصر الله. الحزب في لبنان تكبد هزيمة مؤلمة ستطلق أيدي الكيان النازي في غزة.

ومجرد استحضار هذه الخسارة/المأساة يجعلنا نتخيل حجم الدماء التي ستسيل في غزة بعدها.

أدرك طبعا أن السوريين ما زالوا مكلومين من جرّاء ما ارتكبه حزب الله في حقهم. لكنها مفارقات التاريخ العربي الأرذل.

*خلاصة ثالثة: في تونس مأساة أخرى. انقلاب شعبوي صفّقت له أجزاء واسعة من نخب السياسة في تونس، والتي تبين أنها لا تقلّ رثاثة وأمية وجهلا عن العامة. انقلاب أغلق كل أبواب السياسة والعقل وجمّد كل الأجسام الاجتماعية الوسيطة.. وحوّل البلاد إلى بيمارستان جماعي، ليصل إلى طريق مسدود.

وها نحن بعد نهاية السياسة، بما هي جدل مؤسّسي بين أفكار ومشاريع حكم متنافسة، نشهد ارتكاسا إلى "صراعات بدائية" بين تيار عنصري شعبوي عنيف يدعو إلى محاصرة المهاجرين وتجويعهم في انتظار طردهم، وتيار سياسي إنساني يدعو إلى عدم تحميل المهاجرين مسؤولية فشل الانقلاب في التعامل مع ملفهم. فهم ليسوا إلا ضحايا معاهدات مشبوهة بين ميلوني ممثّلة عن الاستعمار الأوروبي والانقلاب حولت البلاد إلى "مركز احتجاز مفتوح" للمهاجرين الممنوعين من الوصول إلى أوروبا.

هكذا تحولت تونس من ثورة عربية رائدة وانتقال ديمقراطي حقيقي بثّ حركية استثنائية في كل مفاصل المجتمع..، إلى مقبرة سياسة تزدهر فيها أرذل أدواء المجتمعات: الشعبوية والعنصرية.

داءان كفيلان بجعل أي بلد تربة مناسبة لحروب انقسام بدائية دائمة.

تاريخ أول نشر 2025/3/18