search

خنساوات النهضة ... بين الجحود والتجاهل

لو يطلق القارئ لقلمه العنان، لأمكن له أن يكتب من وحي رواية محمد عزالدين جميل الغراد خنساء في سجن النساء بقدر حجمها أو يفوق من الصفحات.

فلو كتب في جريمة التعذيب، وهي جريمة دولة بإمتياز ولا تسقط بالتقادم، لكان له ذلك بما يلجم كل أفواه الأفاكين.

ولو كتب في جريمة التعدي الصارخ على كرامة المرأة من أفضعها إلى أفضعها، في بلد بنت جزءا من تاريخها الزائف على تحرير المرأة، لكتب بما يجعل كل تلك الثورة الكاذبة لتحريرها مجرد حفلة تنكرية سيئة الإخراج.

ولو كتب بالمقابل حول أفواج المجاهدين الصابرين الذين قدموا أجسادهم وأرواحهم وسطروا آيات البطولة والفداء ذودا عن المبدأ ودفاعا عن كرامة وطن، لأرى العالم كيف يكون التمسك بالقيم والنضال من أجل الحرية والكرامة، وكيف أنه أقوى من توحش دولة.

ولو كتب في جهاد النهضاويات ونضالهن الطاهر، ليس فقط في الصبر على توحش الدولة، وإنما أيضا في قدرتها على العطاء والبناء وتحمل المسؤولية، ولا أبالغ مطلقا إذ أقول أنها قد فاقت الرجال، لأظهر صفحات من نور تضيئ وضاء.

تلك الريادة التي تبوأتها النهضة بعد الثورة ولا زالت حتى بعد الانقلاب.

كان بعض النخبة "ينصب الفخاخ" بزعمه للنهضة، وهم يصرون على افتعال شروط وإجراءات تفرض وضعا متقدما للمرأة باسم التناصف وغيره، لكن ذلك في الواقع تحول إلى فرص حقيقية تقدمت إليها النهضاويات باقتدار لافت، فإذا هم يعجزون ليس فقط على المنافسة وإنما حتى على الترشح. وتوفرت بذلك فرصا كبيرة ابرزت فيها النهضاويات قدرات ومستويات عليا نائبات برلمانيات ووزيرات وموظفات ساميات ورئيسات بلديات وقيادات حزبية ووجوه مجتمعية ورموز شرفت تونس في المحافل الدولية.

في المقابل استمر الجحود والإنكار من نخبة مريضة خلال سنوات الاستئصال، أين مورس على المرأة النهضاوية ما تنوء بحمله الجبال، وبعد الثورة حين عوملت كما يقول القرآن "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم".

وأنا أقرأ الرواية وفصول الانتهاك المرعب لكرامة المرأة النهضاوية، قفز إلى ذهني دور جمعية كجمعية النساء الديمقراطيات، وهي جمعية تضم محاميات على اطلاع لما يحصل للمرأة، وتضم سيدات اخريات تسمح لهن مكانتهن الاجتماعية بالوصول إلى المعلومات التي تخرج من مخافر التعذيب وأقبية السجون. ومع ذلك واصلن تنكرهن بل انهن لم يستحين ان يصدرن في تلك السنوات السود بيانا منددا بعودة الحجاب!

وبعد الثورة تواصل الإنكار والتنكر حتى من أولائك الذين كانوا في جمعيات ومنظمات تمتلئ أرفف مقراتهم بالشهادات الفضيعة لما ارتكب في حق النهضاويات.

أحيانا أفكر في ما حصل لتونس من انتكاسة للمسار الثوري، وأقول أن فيه وجها طبيعيا. ذلك أن من ذهل عن عدم جعل اقتلاع كل ما كان سببا في هدر كرامة الانسان التونسي من قوانين ورجال، يستحق أن يجازى بما جوزي به شعبا ونخبا واحزابا ومنظمات. يستوي في ذلك من ناصبوا الثورة العداء ومن انهمكوا في تقديم المهم على الأهم إن لم يكن أقل من ذلك.

أولائك الذين قابلوا ما حصل لسلوى ومحرزية وأمينة وغيرهن كثيرات بمنطق لا يتجاوز الأسف إن لم يكن التجاهل، فضلا عن اولائك الذين تجاوزت صفاقتهم كل حساب فقالوا: "بقداش كيلوا النضال" ... لم يكن أقل منهم سوءا أولائك الذين قابلوا بلاءهم وصمودهم وجهادهم وعطاءهم كما لو كان كل ذلك مجرد قيام بواجب ... فإذا تواضع الاعتراف والتكريم لا يقل ألما عن الجحود والإنكار.

لقد كتبت عن الرواية فور صدورها، وها أنا وقد أعدت قراءتها في طبعتها الرابعة أمام شهادة قد تكون فريدة في إنصاف المرأة النهضاوية.

صحيح ان الرواية تعج بصور تدمي القلب لما تعرضت له المرأة النهضاوية، ولكنها أيضا تعج بصور القوة في عنفوانها والإيمان في أسمى تجلياته مما تفخر به النهضة وتفخر به تونس رغم جحود وإنكار البعض.

أنا مطمئن إلى انه رغم المحاولات المريرة لكتابة تاريخ لتونس ملؤه التزييف والتجاهل والإنكار لحقائق الواقع، فإن ما سيثبته التاريخ هو ما سطرته الدماء الزكية والنضالات التي قابلت جور الطغيان بالصمود والتحدي ... وذلك هو الذي تشرّبه وجدان الشعب التونسي وهو الوقود الحقيقي للرفض والظلم.

حاول الكثيرون العمل على طمس دور النهضة في الثورة، متجاهلين انهم كانوا وقودها الحقيقي، فقد مست آلامهم كل بيت وأجج غضبهم كل روح حي في الشعب ...

بقيت لي كلمة حول عائلة المرحوم علالة البجاوي، عائلة بحجم وطن بأكمله. لما نعيته عند وفاته قبل حوالي سنة، لفت انتباهي الأخ عزالدين جميل انه علم مؤخرا ان المرحوم علالة ابن شهيد ... استشهد ابوه في معارك مقاومة الاستعمار وقبره مجهول ... كانت هذه المعلومة بالنسبة لي مفتاحا استطعت ان افك به شفرة هذه العائلة المجاهدة، وان اتفهم ما حصل معها وما قامت به مما يصعب ان تفسره الأسباب التقليدية ...

تاريخ أول نشر 2026/5/30