search

راشد الغنوشي: سجينُ الحرية زمن انكسار الدولة الوطنية

اكتب هذا المقال الدراسي حول مشروع الشيخ راشد الغنوشي والشيخ راشد الغنوشي وراء القضبان في سجون الدكتاتورية والفساد والاستبداد. وهي سجون خبر ظلماتها وظلامية مبتدعيها الذين تهافتوا على إعدام صوته من أجل تصفية الإرادة العامة للشعب التونسي، والحيلولة دون تقدمه وتطوره وتقرير مصيره بيده، في تصور ميتافيزيقي واهم  بأن الإرادة الحرة يمكن كبتها، وأن الشغل والحرية والكرامة الوطنية يمكن تصفيتها، وأن النجمة والهلال في راية تونس  الشاهدة والشهيدة وفي أعالي الهمم والجبال يمكن الإجهاز عليها أو اغتيالها. لكن الشيخ راشد الغنوشي له وشائج من الحب والتقدير تسكن قلوب التونسيين الأوفياء  لوحدة الشعب والوطن ، والأوفياء لدماء شهداء حركة التحرير الوطني، وشهداء الثورة والكفاح المرير للحركة الديمقراطية التي كانت حركة النهضة وشهداؤها الأبرار مكونا رئيسيا من مكوناتها.

 ها تجوز المقارنة؟

شكّل مؤتمر ليلة القدر في تونس لحظة فارقة في التشكل السياسي للكفاح الوطني التحريري إثر الحرب العالمية الثانية. عقدت الأعمال التحضيرية لمؤتمر ليلة في 23 أوت 1946 بجامع الزيتونة ومحيطه في العاصمة، فيما عقدت الجلسة السياسية للمؤتمر سرًّا في منزل المناضل محمد بن جراد بحيّ «ترنجة» بنهج الملاحة في العاصمة تونس.  وتوفرت الظروف الملائمة لعقد المؤتمر بعد   تأسيس الجبهة الوطنية سنة 1945 وتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة فرحات حشاد بخلق مناخ وحدوي جديد داخل الحركة الوطنية التونسية.

ومثل المؤتمر محطة وطنية مفصلية في تاريخ الحركة التحررية التونسية، رغم أنّ التحضيرات الفكرية والسياسية له بدأت منذ سنة 1945 في سياق نهاية الحرب العالمية الثانية، وتنامي الآمال لدى الشعوب المستعمَرة في تقرير مصيرها. وقد سُمّي المؤتمر بـ«ليلة القدر» لأنّه انعقد في السابع والعشرين من رمضان، في توظيف رمزي يجمع بين البعد الديني والوطني.

كان الهدف المركزي للمؤتمر هو توحيد القوى الوطنية التونسية حول مطلب الاستقلال التام، بعد أن كانت بعض الأطراف ما تزال تراهن على الإصلاحات أو الحكم الذاتي تحت الحماية الفرنسية. كما سعى المؤتمر إلى تجاوز الانقسامات بين الدستوريين القدامى والجدد، والنقابيين والزيتونيين، وإعطاء القضية التونسية بعدًا شعبيًا جماهيريًا أكثر وضوحًا.

شارك في المؤتمر طيف واسع من القوى الوطنية والاجتماعية والدينية، مكون من 300 شخصية وطنية منهم صالح بن يوسف، محمد الفاضل بن عاشور، صالح فرحات، علي البلهوان، المنجي سليم، فتحي زهير، الهادي نويرة، الباهي الأدغم، سليمان بن سليمان، الطيب العنابي، وعبد العزيز الثعالبي كرمز تاريخي للوطنية التونسية، إلى جانب فرحات حشاد الذي كانت الحركة النقابية بقيادته مكونا رئيسيا في المشروع الوطني التحرري. وهو ما جعله من أوسع الاجتماعات الوطنية الجامعة في تلك المرحلة. فقد حضرته شخصيات زيتونية ونقابية ومستقلة، إضافة إلى حضور قوي للطلبة والعلماء وشيوخ جامع الزيتونة، وقد خرج المؤتمر بلائحة واضحة تطالب بالاستقلال الكامل لتونس، وتكوين حكومة وطنية، وإقرار سيادة الشعب التونسي، وهو ما مثّل تحولًا نوعيًا من خطاب الإصلاح إلى خطاب التحرر الوطني الشامل.

داهمت الشرطة الفرنسية مكان الاجتماع أثناء انعقاد المؤتمر، واعتقلت عشرات المشاركين. وقد جرى نقل عدد منهم إلى المحكمة العسكرية ثم إلى السجن المدني.

الاعتقال المتوحش والاستهتار بليلة القدر ورمضان

ترحل مؤتمر ليلة القدر في الزمن، واستقر بين يدي الشيخ راشد الغنوشي رئيس البرلمان الديمقراطي التونسي. ففي ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 2023، وهي ليلة القدر، الليلة التي يحييها التونسيون باعتبارها من أكثر الليالي قداسة وروحانية، اقتحمت قوات الأمن منزل راشد الغنوشي بطريقة مفاجئة وعنيفة، في مشهد أثار صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية والدينية. فقد جاء الاعتقال قبيل موعد الإفطار، وتم اقتياده دون مراعاة لحرمة الشهر أو خصوصية ليلة القدر، وهو ما اعتبره أنصاره ومتعاطفون معه سلوكاً يحمل أبعاداً رمزية قاسية تتجاوز البعد الأمني إلى نوع من الاستفزاز للمشاعر الدينية والوجدانية لدى قطاعات واسعة من التونسيين. وقد تداولت شهادات ومواقف سياسية آنذاك أن عملية المداهمة جرت وسط أجواء متوترة اتسمت بالقسوة والصرامة، بما عكس حالة الاحتقان السياسي التي عرفتها البلاد بعد إجراءات 25 جويلية 2021.

ورأى كثير من المنتقدين أن توقيت الاعتقال وطريقته، شكّلا رسالة سياسية ذات طابع استعراضي، خاصة وأن العملية تمت في ليلة ترتبط في الوعي الإسلامي بالسكينة والتعبد والتسامح. كما اعتبر البعض أن منع الرجل من استكمال إفطاره أو التعامل معه بما يراعي سنه ومكانته الفكرية والسياسية يعكس تراجعاً في احترام الرموز الوطنية وفي مراعاة القيم الدينية والاجتماعية التي درج عليها المجتمع التونسي. وبدا البعد الرمزي والأخلاقي والاستفزازي لعملية الاعتقال واضحا، في اعتداء على خصوصية الشهر الكريم وحرمة ليلة القدر في المخيال الجمعي التونسي. ولكن كل شيء يهون من أجل عيون الاستبداد والدكتاتورية الريعية والامبريالية..وما اشبه الليلة بالبارحة، ففي مداهمة الشرطة الاستعمارية الفرنسية لمقر اجتماع مؤتمر ليلة القدر، كانت التهمة هي توحيد التونسيين حول الكفاح التحريري من أجل الاستقلال الوطني، وتهمة الغنوشي الذي انتهكت سلامته في بيته المتواضع، هي وحدة التونسيين من أجل استرجاع كرامتهم الوطنية وثورتهم الديمقراطية.

وقبل الانطلاق في عرض المشروع النظري للشيخ الرئيس راشد الغنوشي لا بد من التوقف عند بعض المحطات المضيئة في مسيرته.

بين الغنوشي والثورة البولشيفية

كنت شابا يافعا في ثانوية مدنين مغرما بالفنون المسرحية والسينمائية التي قادتني الى تلمس طريقي نحو الاطلاع على الأدبيات الماركسية اللينينية والتشبع بأفلام المخرج السوفياتي الكبير"سرغاي ايزنشتاين" ومنها فيلم "المدمرة بوتمكين" عن ثورة 1905 الروسية، وفيلم "اكتوبر" عن الثورة البولشيقية 1917، والذي اقتبس قصتها عن فصول من كتاب جون ريد "10 أيام هزت العالم" إضافة الى فيلم "إيفان" الرهيب. في ذلك المنعرج العظيم الى أين ستكون وجهتي؟

ومشيناها أياما واقدارا كتبتنا ونكتبها...

كيف لي وأنا أتلمس طريقي في سبل تختلط فيها المعرفة بالثقافة والايديولوجيا أن ألتقي شخصا أسمع به من بعيد قيل أنه يدعو إلى تصور للإسلام يناهض الجمود الفكري والركود الديني؟

كنت مدعوا في يوم صائف من أيام يوليو/جويلية 1976 الى مخيم للشباب في جربة. فالتقيت بشاب اسمه راشد الغنوشي في محطة سيارات الأجرة بمدنين قريبا من نزل "ايبيس" اليوم، يرتدي بدلة صيفية رمادية بكمين قصيرين، وشعر مصفف اسود، ولحية طغى سوادها على بياضها. كانت تلك أول رفقة حملتنا الى شواطئ أجيم بجربة حيث التقينا ثلة من الشباب التلمذي والجامعي.

ومن ذلك المكان انطلقت الرحلة مع الزمان...

مستقبل الحركة الإسلامية

في ندوة عقدت في يوم من أيام سنة 1980 بباب سويقة، دار النقاش بين رجل الفكروالقانون عياض بن عاشور والشيخ راشد الغنوشي حول مستقبل الحركة الإسلامية في تونس والوطن العربي، فقال عياض بن عاشور بأن مستقبل الحركات الإسلامية مرهون بموقف الدولة والسلطات المنوطة بعهدتها. فيما قال الشيخ راشد الغنوشي بأن مستقبل الحركات الإسلامية منوط بإرادة الشعوب في التحرر وتقرير المصير. وبقيت الإشكالية معلقة في ذهني ردها من الزمن.

راشد الغنوشي والبرجوازية الكمبرادورية

كان ذلك في خريف 1980 حينما استضافني الشيخ راشد الغنوشي بمعية عدد من رفاقي الطلبة على مسامرة مع ضيفه الدكتور عبد الله النفيسي أستاذ العلوم السياسية وذلك في منزل متواضع بباب سويقة. انطلقت المسامرة بحديث حول الأوضاع العربية والإسلامية. وتبرم صلاح الدين الجورشي  من الحديث وعقب على الدكتور قائلا إنك تستعرض عموميات سياسية والحال أن العالم والمجتمعات تشقها صراعات وموازين قوى، وقد فعلت الامبريالية والبرجوازية الكمبرادورية فعلها. فاستوقفه الدكتور مستأذنا الشيخ راشد الذي كان يدير النقاش وسأل صلاح ما معنى كمبرادورية؟ فحاول ان يقدم تعريفا عموميا للكمبرادورية. فصحح الدكتور له المفهوم المصطلحي وقدم لنا محاضرة عن الكمبرادور، مشيرا إلى أن البرجوازية الكمبرادورية هي فئة من البرجوازية المحلية ترتبط مصالحها الاقتصادية والسياسية بالخارج أكثر من ارتباطها بالبنية الوطنية المنتجة. وقد ظهر المصطلح بقوة في الأدبيات الماركسية ونظريات التبعية عند مفكرين مثل كارل ماركس وفلاديمير لينين، ثم توسّع مع كتابات مفكري التبعية في أمريكا اللاتينية والعالم العربي مثل سمير أمين وأندريه غوندر فرانك.  وكلمة “كمبرادور” أصلها برتغالي، وكانت تُطلق على الوسطاء المحليين الذين يعملون لحساب الشركات الأجنبية في المستعمرات، ثم أصبحت تدل على طبقة اجتماعية وسيطة تقوم بدور الوكيل الاقتصادي والسياسي للرأسمال العالمي داخل البلدان التابعة.

في التحليل الاقتصادي والسياسي، لا تُعرَّف البرجوازية الكمبرادورية فقط بكونها طبقة ثرية، بل بكونها طبقة غير منتجة في الغالب، تعتمد على الوساطة التجارية والمالية والخدماتية وربط السوق المحلية بالشركات الأجنبية. فهي تستورد أكثر مما تنتج، وتربح من الامتيازات والوكالات والسمسرة والعقود والاحتكارات، ولذلك تكون مصلحتها مرتبطة باستمرار التبعية الاقتصادية للخارج، لا ببناء اقتصاد وطني مستقل. ومن هنا اعتبرها مفكرو اليسار والقوميون العرب أحد أهم معوقات التنمية الصناعية والسيادة الاقتصادية.

وقد لعبت هذه الطبقة أدوارًا متعددة في البلاد العربية منذ الحقبة الاستعمارية. ففي زمن الاستعمار الفرنسي والبريطاني، تكوّنت شرائح من التجار وكبار الملاّك والوسطاء الذين تعاملوا مع الشركات الأجنبية والإدارات الاستعمارية، ثم تحوّل جزء منهم بعد الاستقلال إلى نخب مالية وتجارية مرتبطة بالبنوك العالمية والاستثمارات الأجنبية. ومع التحولات النيوليبرالية منذ السبعينيات والثمانينيات، توسعت هذه الفئة مع سياسات الانفتاح والخصخصة، خاصة بعد تدخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الاقتصادات العربية. فاندهش الحاضرون الذين بعد ان كانوا قد استهانوا بالقيمة العلمية للرجل، واظهروا له الامتنان والتقدير. واضاف الدكتور ناصحا لنا بضرورة توخي الدقة العلمية والمعرفية في فهم البنى الاجتماعية والاقتصادية ووعي تناقضاتها حتى نفقه مسارات التطور والتغيير.

الشيخ راشد والزعيم النقابي الحبيب عاشور

كنا محشورين في سجن الناظور برج الرومي إثر محاكمتنا سنة 1981، وفي سنة 1983 تقريبا بعث الشيخ راشد رسالة خاصة الى الزعيم النقابي الحبيب عاشور بطريقة سرية. ولكن حراس السجن اكتشفوا تلك المراسلة، فأصابهم الذعر وقرروا التنكيل به عبر معاقبته بالسجن الانفرادي وحرمانه من الحاجات الأولية. وبقي نصيبه من الرسالة هو السجن الانفرادي والتنكيل المادي والمعنوي.

الغنوشي وفلسفة العمل اليومي

 فلسفة الغنوشي في العمل اليومي بالسجن آنذاك تختلف عن فلسفة مهدي عامل، فهي تخص اتقان توزيع الصبر والمصابرة على قراءة الورد اليومي من القران الكريم وتكرار المحفوظ منه حتى بترسخ في الذاكرة الحية، التسبيح والصلاة على النبي المختار، صلاة النوافل وقيام الليل ما استطاع اليه سبيلا بعد الفرائض التي تصلى جماعة. لعب الكرة الطائرة في وقت الضحى والظهيرة لان المكان ضيق ولا يسمع بلعب كرة القدم. الالتزام بجلسات المساء حول المباريات الشعرية بين الشيخ ضو صويد والشيخ عبد الفتاح مورو. الحرص على المطالعة الجماعية وحلقات النقاش. الاختلاء لنفسه لكتابة خواطر وملاحظات. قراءة ما يصلنا من صحف ومجلات ممنوعة مثل جون افرك وصحف الراي والمستقبل والطريق الجديد المعارضة، يسربها لنا بعض الوطنيين من الحراس ...

ممنوع منك يا وطني،

ممنوع من الحرية،

ممنوع من الكلام،

ممنوع من الآهات،

وفي كل يوم في حبك تزيد الممنوعات.

على رأي العظيمين أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى.

وقد خلص الشيخ الى تأليف كتابين أولهما حول القضية الوطنية الفلسطينية التي كانت شغلنا الشاغل خلال ترحيل الفلسطينيين من بيروت. أما التأليف الثاني فكان حول الديمقراطية وهو ترجمة لكتيب مالك بن نبي حول الديمقراطية واشترك الشيخ راشد في ترجمة هذا الكتاب مع الحبيب ريحان المتخصص في التاريخ.

وأذكر أننا درسنا كتاب الموافقات للشاطبي والكتاب الجدلي في "سبيل ارتقاء المرأة "لروجيه غارودي.

مشروع الغنوشي من خلال كتاباته

1-  من تجربة الحركة الإسلامية في تونس

ونخلص الآن إلى عرض أربع من أهم مؤلفات الشيخ راشد الغنوشي المعبرة عن مشروعه الوطني.

يُعدّ كتاب "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" لـراشد الغنوشي من النصوص المرجعية لفهم التحولات الفكرية والسياسية التي عاشتها الحركة الإسلامية التونسية منذ السبعينات. فالكتاب لا يقدّم مجرد سرد تاريخي لمسار حركة الاتجاه الإسلامي ثم حركة النهضة، بل يحاول بناء مراجعة فكرية ونقدية لواقع الإسلاميين، وعلاقتهم بالدولة، والمجتمع، والحداثة. وقد كتب الغنوشي هذا العمل في سياق كانت فيه الحركة الإسلامية تعيش صدامًا مع السلطة البورقيبية ثم النوفمبرية، الأمر الذي جعل الكتاب يجمع بين البعد الفكري والبعد الدفاعي والتجربة الذاتية.

في الفقرة الأولى من أطروحات الكتاب يبرز اهتمام الغنوشي بإعادة تعريف المشروع الإسلامي بوصفه مشروعًا حضاريًا شاملًا لا يقتصر على الجانب الدعوي أو الأخلاقي فقط. فهو يرى أن الإسلام يتجاوز التصورات الطقوسية الضيقة ليصبح رؤية للعمران والسياسة، والثقافة، والاقتصاد، والاجتماع. ومن هنا حاولت الحركة الإسلامية في تونس أن تقدم نفسها كحركة إصلاح اجتماعي وسياسي تسعى إلى استعادة التوازن بين الهوية الإسلامية ومتطلبات العصر الحديث.

كما يركز الكتاب على خصوصية التجربة التونسية مقارنة ببقية الحركات الإسلامية العربية. فالغنوشي يبين أن البيئة التونسية تميزت بقوة الدولة المركزية وبالتراث الإصلاحي الزيتوني وبالتأثير العميق للمشروع البورقيبي الحداثي. لذلك لم يكن من الممكن – في نظره – استنساخ تجارب المشرق الإسلامي أو الحركات الثورية الراديكالية، بل كان لا بد من صياغة خطاب يتفاعل مع الواقع التونسي وتعقيداته الثقافية والاجتماعية.

ومن القضايا المركزية التي يناقشها الكتاب علاقة الإسلام بالديمقراطية. إذ حاول الغنوشي أن يبرهن على أن الشورى الإسلامية يمكن أن تتطور تاريخيًا إلى صيغ ديمقراطية حديثة تقوم على التعددية والانتخابات واحترام الإرادة الشعبية. ولهذا اعتبر أن الاستبداد ليس قدرًا إسلاميًا، بل هو انحراف تاريخي ارتبط بتجارب الحكم السلطاني. ومن هنا جاءت دعوته إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية والدولة المدنية والمؤسسات التمثيلية.

ويُظهر الكتاب كذلك اهتمامًا واضحًا بمسألة الحرية باعتبارها أساسًا لأي مشروع نهضوي. فالغنوشي ينتقد الأنظمة العربية التي رفعت شعارات التحديث والتنمية بينما مارست القمع السياسي والإقصاء الثقافي. ويرى أن غياب الحرية أدى إلى تعطيل طاقات المجتمع وإنتاج أزمات هوية عميقة، وهو ما سمح للحركات الإسلامية بأن تتحول إلى فضاءات احتجاج اجتماعي وسياسي ضد الدولة التسلطية.

كما يناقش الغنوشي تجربة الحركة الإسلامية مع الجامعة والنقابات والطبقة الوسطى. فهو يعتبر أن انتشار الحركة في السبعينات والثمانينات لم يكن نتيجة العمل الدعوي فقط، بل جاء أيضًا بسبب الفراغ الأيديولوجي والحاجة الاجتماعية الملحة لإرواء العطش الروحي والانطولوجي بعد ان تضرر من تراجع المشروع القومي واليساري بعد هزيمة 1967 وفشل التجارب الاشتراكية العربية. ولذلك استطاعت الحركة الإسلامية أن تستقطب شرائح واسعة من الشباب المتعلم الباحث عن معنى روحي وهوية حضارية متجددة.

ومن الجوانب المهمة في الكتاب نقد العنف السياسي والتأكيد على أولوية التدرج والإصلاح السلمي. فقد حاول الغنوشي أن يميز تجربة الحركة الإسلامية التونسية عن التنظيمات الراديكالية المسلحة، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي لا يتم عبر الصدام الدموي والتخريب الرجعي ، بل عبر بناء المجتمع المدني والتراكم الديمقراطي. وهذا التوجه كان جزءًا من محاولة الحركة تقديم نفسها كقوة سياسية إصلاحية لا كتنظيم تمردي منغلق. رغم ما لفقته ضدها المباحث البوليسية من عنف وتنظيمات سرية لم تثبتها اية محاكمات عادلة لم يلعب فيها التدمير المنهجي وقضاء التعليمات أدوارا شوفينية وكارثية.

ويتناول الكتاب أيضًا علاقة الإسلاميين بالمرأة والحداثة الاجتماعية. فعلى الرغم من تمسك الغنوشي بالمرجعية الإسلامية، فإنه حاول تطوير خطاب أكثر مرونة تجاه قضايا المرأة والتعليم والعمل العام في تمايز رسالي عن التيارات المحافظة. وقد سعى إلى إبراز إمكانية التعايش بين القيم الإسلامية وبعض مكتسبات الحداثة التونسية، وإن ظل هذا الموضوع محل جدل واسع بين خصومه وأنصاره.

ومن الناحية الفكرية، تأثر الكتاب بعدة مرجعيات؛ منها فكر مالك بن نبي حول القابلية للاستعمار وشروط النهضة، بدلا عن تأثره القديم بأفكار سيد قطب حول المفاصلة والحاكمية، إضافة إلى تأثره ببعض الأدبيات الديمقراطية الغربية وتجارب الحركات الإسلامية المعاصرة. لكن الغنوشي حاول إعادة تركيب هذه المرجعيات ضمن سياق تونسي خاص يوازن بين الهوية الوطنية والانتماء الإسلامي.

وفي المجمل، يمثل الكتاب شهادة فكرية وسياسية على مرحلة مهمة من تاريخ تونس الحديث، كما يعكس التحولات التي عاشها الإسلام السياسي من الخطاب الحركي التقليدي إلى محاولة التكيف مع مفاهيم الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية. لذلك يبقى الكتاب وثيقة أساسية لفهم تطور حركة النهضة وتحولاتها الفكرية والتنظيمية، وكذلك لفهم العلاقة المعقدة بين الإسلام والدولة والحداثة في المجال العربي المعاصر.

2-  الحركة الإسلامية ومسألة التغيير

والأكيد أن كتابه "الحركة الإسلامية ومسألة التغيير" من أهم الكتب التي حاولت بناء نظرية متكاملة حول التغيير الحضاري والسياسي في الفكر الإسلامي المعاصر. فالكتاب لا يتناول التغيير بوصفه مجرد انتقال سياسي أو صراع على السلطة، بل يربطه بإعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة ضمن مشروع نهضوي شامل. وقد جاء الكتاب في سياق نقد الحركات الإسلامية التقليدية من جهة، ونقد الأنظمة السلطوية والنماذج الحداثية المشوهة نسبة الى التحديث المشوه من جهة أخرى، ليطرح تصورًا يجمع بين المرجعية الإسلامية والحرية السياسية والتجديد الحضاري.

يرى الغنوشي أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة تدين أو عقيدة بقدر ما هي أزمة تخلف حضاري واستبداد سياسي وتمزق اجتماعي. ولذلك فإن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الانقلاب الفوقي أو العنف الثوري المعزول عن المجتمع، وإنما عبر بناء وعي جماهيري طويل النفس يعيد تشكيل الثقافة السياسية والاجتماعية للأمة. وهو هنا يقترب من بعض تصورات مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار"، حيث يعتبر أن تحرير الإنسان فكريًا وأخلاقيًا شرط لتحريره سياسيًا.

ومن أهم محاور الكتاب نقده للحركات الإسلامية التي اختزلت الإسلام في الجانب الوعظي أو الفقهي أو التنظيمي الضيق. فالغنوشي يؤكد أن الإسلام مشروع حضاري شامل يتضمن السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وأن الحركة الإسلامية مطالبة بأن تتحول من جماعة مغلقة إلى مشروع مجتمعي مفتوح. لذلك يرفض فكرة "النخبة الطليعية المنعزلة" التي تحتكر الحقيقة، ويدعو إلى الاندماج العضوي داخل المجتمع والتفاعل مع قضاياه اليومية وهمومه الواقعية.

كما يعطي الغنوشي أهمية كبيرة لمسألة الحرية باعتبارها شرطًا جوهريًا للتغيير. فهو يرى أن الاستبداد السياسي هو أصل أزمات الأمة، وأن أي مشروع إسلامي لا ينحاز إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان سيتحول إلى نسخة أخرى من السلطوية. ولهذا دافع مبكرًا عن التعددية السياسية والانتخابات والتداول السلمي على السلطة، معتبرًا أن الشورى في العصر الحديث لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مؤسسات ديمقراطية حديثة تضمن مشاركة الشعب ورقابته على الحكم.

ويتناول الكتاب أيضًا العلاقة بين الدعوي والسياسي داخل الحركة الإسلامية. فالغنوشي يحذر من تحويل الدين إلى مجرد أداة للصراع الحزبي، ويرى أن العمل السياسي يجب أن يبقى خاضعًا للأخلاق والقيم الإسلامية دون أن يتحول الى لاهوت سياسي متحدث باسم الدين والحق الإلاهي. ومن هنا بدأت تتشكل لديه مبكرًا فكرة "التخصص الوظيفي" بين المجال الدعوي والمجال السياسي، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقًا في تجربة حركة النهضة بعد الثورة التونسية.

وفي سياق حديثه عن التغيير، ينتقد الغنوشي النماذج العنيفة التي ترى المجتمع مجرد مادة للتعبئة الإيديولوجية. فهو يعتقد أن التغيير الإسلامي ينبغي أن يكون تدريجيًا وسلميًا ومتراكمًا، قائمًا على الإقناع لا الإكراه، وعلى التربية لا القسر. ولذلك يركز على دور المجتمع المدني والنقابات والجامعات والمساجد والفضاءات الثقافية في صناعة التحول التاريخي، بدل الاعتماد الحصري على الدولة أو التنظيمات السرية.

ومن الأفكار المركزية في الكتاب تأكيده على مركزية الهوية الحضارية في عملية التغيير. فالغنوشي يرى أن مشاريع التغريب القسري التي عرفها العالم العربي أدت إلى انفصال النخب عن شعوبها، وخلقت ازدواجية ثقافية بين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن أي مشروع نهضوي ناجح يجب أن ينطلق من المرجعية الثقافية للأمة ومن موروثها الحضاري، دون أن يعني ذلك الانغلاق على العصر أو رفض الحداثة العلمية والسياسية. وقيمها الكونية والإنسانية.

كما يناقش الغنوشي العلاقة بين الإسلام والحداثة، رافضًا الثنائية التي تجعل الإنسان مضطرًا للاختيار بين الأصالة والتقدم. فهو يعتبر أن الحداثة ليست كتلة واحدة، بل تتضمن عناصر إيجابية مثل العقلانية والمؤسسات والحرية السياسية، يمكن الاستفادة منها داخل إطار حضاري إسلامي. ومن هنا جاءت محاولته الملاءمة المتجددة والمتحركة بين المرجعية الإسلامية ومفاهيم الديمقراطية والدستور والمواطنة، في إطار ما يمكن تسميته "الحداثة الإسلامية".

ويبرز في الكتاب أيضًا البعد الاجتماعي والاقتصادي للتغيير، إذ يؤكد الغنوشي أن المشروع الإسلامي لا يقتصر على الهوية والشعارات، بل يجب أن يعالج قضايا الفقر، والبطالة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية. لذلك يدعو إلى اقتصاد يوازن بين الحرية الاقتصادية والتكافل الاجتماعي، ويرفض في الوقت نفسه استبداد الدولة الاشتراكية وتوحش الرأسمالية والريعية التابعة. وهذه الرؤية جعلت مشروعه قريبًا من بعض أطروحات الاقتصاد الاجتماعي ذي المرجعيات الديمقراطية الاجتماعية والأخلاقية.

وفي المجمل، يمثل الكتاب محاولة فكرية لبناء نظرية إسلامية معاصرة في التغيير تجمع بين الإصلاح الحضاري والتحول الديمقراطي والتجديد الفكري. وقد أثّر هذا الكتاب في أجيال من الإسلاميين العرب لأنه نقل النقاش من مجرد الشعارات الأيديولوجية إلى أسئلة الدولة والحرية، والمجتمع، والهوية، والتنمية. كما يكشف الكتاب عن التحولات المبكرة في فكر راشد الغنوشي نحو تصور أكثر انفتاحًا على الديمقراطية والتعددية والعمل المدني، وهو ما سيظهر لاحقًا في تطور تجربة حركة النهضة داخل السياق التونسي.

3- المرأة بين القرآن وواقع المسلمين

لا شك أن كتاب "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" للمفكر والزعيم السياسي راشد الغنوشي من أبرز الكتب التي تناولت قضية المرأة داخل الفكر الإسلامي المعاصر من زاوية إصلاحية مقاصدية، حيث حاول فيه الغنوشي إعادة قراءة وضع المرأة في الإسلام انطلاقًا من النص القرآني لا من التقاليد التاريخية التي تراكمت عبر العصور. ويرى الغنوشي أن الأزمة الحقيقية ليست في الإسلام ذاته، بل في الفجوة بين القيم القرآنية التحررية وبين الممارسة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية التي أعادت إنتاج أنماط من التهميش والإقصاء للمرأة تحت غطاء ديني أو فقهي.

ومن أهم الأفكار المركزية في الكتاب، تأكيد الغنوشي على أن القرآن أحدث ثورة تاريخية في وضع المرأة مقارنة بالمجتمعات الجاهلية القديمة، إذ نقلها من وضعية التبعية المطلقة إلى مرتبة الإنسان الكامل المكلّف والمسؤول. فالمرأة في الرؤية القرآنية شريك للرجل في الاستخلاف والعمران والتكليف الأخلاقي والقانوني، وليست كائنًا ثانويًا أو تابعًا له. ولذلك يرفض الغنوشي التصورات التي تجعل المرأة مجرد أداة للمتعة أو الإنجاب، ويرى أن هذه التصورات نتجت عن الثقافة الذكورية أكثر مما نتجت عن روح الإسلام.

كما يناقش الكتاب قضية المساواة بين الرجل والمرأة، ويعتبر أن الأصل في العلاقة بينهما هو التكامل القائم على العدالة لا الصراع أو الهيمنة. ويؤكد الغنوشي أن كثيرًا من الأحكام التي تبدو تمييزية يجب فهمها ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي، لا باعتبارها أحكامًا أبدية جامدة. ولذلك فهو يدعو إلى قراءة فقهية متجددة تراعي تغير الواقع وتطور المجتمعات، مع الحفاظ على الثوابت الأخلاقية الكبرى للإسلام.

ويولي الغنوشي أهمية كبيرة لمسألة التعليم والثقافة في تحرير المرأة، معتبرًا أن الجهل والأمية والاستبداد السياسي والاجتماعي هي من أبرز أسباب تراجع وضع المرأة في العالم الإسلامي. فالمرأة، في نظره، لا يمكن أن تنهض بدورها الحضاري إلا إذا حصلت على حقها الكامل في التعليم والمعرفة والمشاركة الفكرية. ولهذا ينتقد النظم التقليدية التي حصرت المرأة داخل أدوار ضيقة ومنعتها من المساهمة في المجال العام.

ويتناول الكتاب أيضًا قضية العمل والمشاركة الاقتصادية للمرأة، حيث يرفض الغنوشي اختزال دورها في البيت فقط، ويرى أن الإسلام لم يمنع المرأة من العمل أو الإنتاج أو التملك، بل منحها استقلالًا اقتصاديًا مبكرًا مقارنة بكثير من الحضارات الأخرى. لكنه في المقابل يؤكد ضرورة تحقيق التوازن بين الوظيفة الأسرية للرجل والمرأة والدور الاجتماعي، بحيث لا يتحول النموذج النمطي الحداثوي الغربي إلى شكل جديد من الاستغلال الاقتصادي والجسدي للمرأة تحت شعار التحررالزائف.

ومن المحاور المهمة في الكتاب نقد الغنوشي للنموذج الغربي في تعامله مع المرأة. فهو يرى أن الغرب، رغم نجاحه في تحرير المرأة قانونيًا وسياسيًا، وقع أحيانًا في تحويلها إلى سلعة استهلاكية داخل السوق والإعلام والثقافة الجماهيرية. ولذلك يحاول الغنوشي تقديم تصور إسلامي بديل يجمع بين الحرية الأخلاقية والكرامة الإنسانية، دون الوقوع في التطرف المحافظ أو الانفلات الاستهلاكي.

كما يناقش الغنوشي قضية الحجاب باعتبارها جزءًا من منظومة أخلاقية وثقافية أشمل، في هندسة الجمال لا مجرد قطعة لباس. ويرى أن الحجاب في الإسلام مرتبط بمفهوم الحياء والهوية الحضارية، لكنه يرفض تحويله إلى أداة قسر وإكراه سياسي أو اجتماعي. لذلك يؤكد أن التدين الحقيقي لا يُفرض بالقوة، وأن قيمة الحجاب تنبع من حرية الاختيار والاقتناع الداخلي لا من الضغوط السلطوية أو العائلية.

ويتوقف الكتاب عند دور المرأة السياسي والاجتماعي، حيث يدافع الغنوشي عن حقها في المشاركة السياسية والعمل العام، ويرى أن التاريخ الإسلامي نفسه عرف نماذج نسائية فاعلة في التعاقد، والعلم والسياسة والجهاد. ولذلك يعتبر أن إقصاء المرأة من المجال السياسي لا يستند إلى أساس قرآني صريح، بل إلى تراكمات تاريخية ارتبطت ببنية المجتمعات التقليدية وهيمنة السلطة الذكورية.

ومن الأفكار الأساسية كذلك أن إصلاح وضع المرأة مرتبط بإصلاح شامل للمجتمع والدولة. فالغنوشي يربط بين تحرر المرأة وبين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية الفكر، ويرى أن الأنظمة الاستبدادية غالبًا ما تستعمل الدين أو التقاليد لتكريس التبعية والسيطرة. لذلك فإن نهضة المرأة لا يمكن فصلها عن مشروع حضاري أوسع يقوم على الحرية والشورى واحترام الإنسان.

وفي المجمل، يعكس الكتاب محاولة راشد الغنوشي لبناء رؤية إسلامية إصلاحية معاصرة لقضية المرأة، تنطلق من المقاصد القرآنية الكبرى مثل العدالة والكرامة والمساواة الإنسانية، مع نقد مزدوج لكل من الجمود الفقهي التقليدي والتغريب الحداثوي المنفصل عن الخصوصية الوطنية والثقافية للمجتمعات الإسلامية. ولذلك يُنظر إلى الكتاب باعتباره جزءًا من مشروع أوسع عند الغنوشي يسعى إلى التوفيق بين الإسلام والديمقراطية والحداثة ضمن أفق حضاري متوازن.

4-  الحريات العامة في الدولة الإسلامية

يجمع المتابعون لمشروع راشد الغنوشي ومؤلفاته ان كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" من أبرز المحاولات الفكرية الإسلامية المعاصرة لإعادة بناء العلاقة بين الإسلام والديمقراطية والحرية السياسية على أسس اجتهادية حديثة. وقد سعى الغنوشي من خلال هذا الكتاب إلى تفكيك الصورة التقليدية للدولة الإسلامية بوصفها دولة وصاية أو قهر، مؤكّدًا أنّ الأصل في الإسلام هو الحرية، وأنّ الاستبداد انحراف تاريخي أكثر منه تعبيرًا عن جوهر الإسلام. وفي هذا السياق طرح جملة من المحاور الفكرية والسياسية التي أصبحت لاحقًا من ركائز مشروعه الفكري والسياسي داخل حركة النهضة وخارجها.

أولى الأفكار المركزية في الكتاب تتمثل في اعتبار الحرية أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية، لا مجرد قيمة سياسية مستوردة من الغرب. فالغنوشي يرى أنّ الإنسان في التصور القرآني كائن مكرّم ومسؤول، وأنّ التكليف الديني نفسه يفترض حرية الاختيار والإرادة. لذلك فإنّ الإيمان القائم على الإكراه يفقد معناه الأخلاقي والروحي. ومن هنا يربط بين التوحيد والتحرر، معتبرًا أنّ تحرير الإنسان من العبودية لغير الله هو المدخل الحقيقي لتحريره سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا.

كما يركّز الغنوشي على نقد الاستبداد السياسي الذي عرفه التاريخ الإسلامي، مميزًا بين الإسلام كنصّ وقيم، وبين التجارب السلطانية التي حكمت باسمه. فهو يعتبر أنّ الكثير من الدول الإسلامية التاريخية تحولت إلى أنظمة ملكية أو استبدادية عطلت مبدأ الشورى وصادرت حقوق الأمة. ولذلك يدعو إلى إعادة قراءة التراث السياسي الإسلامي قراءة نقدية، تفصل بين المقدس والاجتهاد البشري، وتعيد الاعتبار لقيم المشاركة والرقابة الشعبية.

ومن أهم المحاور التي تناولها الكتاب دفاعه عن مبدأ الشورى بوصفه أساسًا للحكم الديمقراطي الحديث. فالغنوشي لا يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها نقيضًا للإسلام، بل يرى فيها آلية معاصرة لتحقيق مقاصد الشورى ومنع الاستبداد. لذلك يؤكد أنّ الأمة هي مصدر الشرعية السياسية، وأنّ الحاكم يستمد سلطته من التعاقد الحر والاختيار الشعبي، لا من التفويض الإلهي أو العصبية العنصرية أو قوة الاكراه العسكرية.

ويتناول الكتاب أيضًا قضية التعددية السياسية والفكرية، حيث يدافع الغنوشي عن حق الأحزاب والتيارات المختلفة في العمل السياسي العلني، بما في ذلك التيارات غير الإسلامية. ويرى أنّ المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يُدار بمنطق الحزب الواحد أو الجماعة المحتكرة للحقيقة، لأنّ الاختلاف سنة إنسانية وقرآنية. ولذلك يربط بين الحرية السياسية وبين التداول السلمي على السلطة واحترام إرادة الناخبين.

أما في مجال الحريات الفردية، فإنّ الغنوشي يحاول تقديم قراءة مقاصدية للنصوص الشرعية، توازن بين هوية المجتمع وحقوق الأفراد. فهو يدافع عن حرية التعبير والنقد والمعارضة السياسية، ويرى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العصر الحديث يتجسد أيضًا في حرية الصحافة والمجتمع المدني والرقابة الشعبية على السلطة. كما يؤكد أنّ تكميم الأفواه ومصادرة الرأي يتعارضان مع روح الإسلام ومقاصده.

وفيما يتعلق بحرية الاعتقاد، يقدّم الغنوشي معالجة اجتهادية لافتة، إذ يؤكد أنّ الإسلام أقرّ مبدأ "لا إكراه في الدين"، وأنّ الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو التعايش والاعتراف المتبادل. لذلك يرفض إقامة الدولة الإسلامية على أساس الإكراه العقدي أو التمييز القهري، ويدعو إلى دولة تحفظ حقوق المواطنة لجميع مواطنيها مهما كانت أديانهم أو انتماءاتهم الفكرية.

ويتطرق الغنوشي كذلك إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، مؤكدًا أنّ الدولة الإسلامية ليست جهازًا شموليًا يبتلع المجتمع، بل إطار تنظيمي يفسح المجال للمبادرات الحرة، والمؤسسات الوسيطة، والنقابات، والجمعيات. ولذلك يدعو إلى الفصل بين السلطات والتساوي في شرعيتها والحد من  هيمنة وتغول السلطة التنفيذية، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية مؤسسات المجتمع باعتبارها ضمانة أساسية ضد عودة الاستبداد.

وفي البعد الحضاري، يحاول الغنوشي تجاوز الثنائية التقليدية بين الإسلام والغرب، معتبرًا أنّ قيم الحرية وحقوق الإنسان ليست ملكًا لحضارة واحدة، بل هي ثمرة تطور إنساني مشترك. لذلك يدعو إلى الاستفادة من التجارب الديمقراطية الحديثة والخبرات العلمية والتعليمية والثقافية دون عقدة نقص أو تبعية ثقافية، مع إعادة انتاج تلك القيم ضمن المرجعية الإسلامية والمقاصدية.

وفي المجمل، يعكس الكتاب محاولة فكرية لإعادة بناء النظرية السياسية الإسلامية على أساس الحرية والديمقراطية والتعددية، بدل منطق الدولة السلطانية أو الحاكمية المغلقة. وقد مثّل هذا الكتاب أحد أهم النصوص المؤسسة لما عُرف لاحقًا بتيار الإسلام الديمقراطي، الذي سعى إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومبادئ الدولة المدنية الحديثة، مع الاحتفاظ بالهوية الثقافية والحضارية للمجتمع المسلم.

الإسلام المتردد ... نقد التجربة

يُعدّ كتاب حمادي الرديسي "الإسلام المتردد: الثورات وإسلام ما بعد الاستبداد" من الكتب التي حاولت قراءة التحولات الفكرية والسياسية التي عاشتها الحركات الإسلامية بعد الثورات العربية، وخاصة بعد ثورة تونس 2011.

 ينطلق الرديسي من فرضية مركزية مفادها أن الإسلام السياسي دخل مرحلة ارتباك تاريخي بين مرجعيته الدعوية القديمة ومتطلبات الدولة الحديثة والديمقراطية التعددية. ويرى أن الحركات الإسلامية، وعلى رأسها حركة النهضة، وجدت نفسها أمام امتحان الانتقال من خطاب المعارضة الأخلاقية إلى منطق الحكم وإدارة الدولة، وهو انتقال كشف تناقضات عميقة بين المثال النظري والممارسة السياسية الواقعية.

يركز الرديسي على فكرة "الإسلام المتردد" باعتبارها حالة فكرية وسياسية يعيشها الإسلاميون بين القبول بالديمقراطية والخوف من نتائجها الفلسفية والثقافية. فهو يرى أن جزءًا مهمًا من الحركات الإسلامية قبل بالديمقراطية كآلية انتخابية وتداول سلمي للسلطة، لكنه ظل مترددًا تجاه الأسس الفكرية العميقة للحداثة السياسية مثل الحرية الفردية، والسيادة الشعبية الكاملة، والمساواة الجندرية، وعلمنة المجال العام. ومن هنا يعتبر أن التحول الديمقراطي لدى الإسلاميين بقي جزئيًا وبراغماتيًا أكثر منه تحولًا معرفيًا جذريًا.

ومن أهم محاور الكتاب تحليل تجربة حركة النهضة بعد الثورة التونسية، حيث يقدّم الرديسي الحركة بوصفها النموذج الأكثر تطورًا بين الحركات الإسلامية العربية من حيث المرونة السياسية والقدرة على التكيف. لكنه في الوقت نفسه يرى أن هذا التكيف جاء نتيجة ضغوط الواقع أكثر من كونه نابعًا من مراجعات فكرية مكتملة. لذلك يفسّر انتقال النهضة من شعار "الإسلام هو الحل" إلى خطاب "الديمقراطية المسلمة" أو "الإسلام الديمقراطي" باعتباره محاولة لإعادة التموضع داخل النظام الدولي والوطني الجديد بعد سقوط الاستبداد.

كما يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين الدين والدولة في مرحلة ما بعد الثورات. فالرديسي يرى أن الثورات العربية لم تُنتج فقط صراعًا على السلطة، بل كشفت أيضًا أزمة عميقة في تصور الدولة الحديثة داخل المخيال الإسلامي. لذلك ينتقد استمرار الغموض في مفهوم "الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية"، معتبرًا أن هذا المفهوم بقي فضفاضًا وغير محسوم نظريًا، وأن الإسلاميين لم ينجحوا بالكامل في بناء نظرية سياسية حديثة تفصل بوضوح بين المجال الديني والمجال السياسي.

ويتوقف المؤلف أيضًا عند صعود التيارات السلفية والجهادية بعد الثورات، معتبراً أن انهيار القبضة الأمنية كشف عن وجود تيارات أكثر راديكالية من الإسلام السياسي التقليدي. ويرى أن الحركات الإسلامية الإصلاحية وجدت نفسها بين ضغط الدولة العميقة وضغط السلفيات التي اتهمتها بالتفريط في الشريعة. ومن هنا يفسر الرديسي حالة الارتباك التي عاشتها الحركات الإسلامية بعد 2011، حيث أصبحت مطالبة في الآن نفسه بإقناع الغرب بمدنيتها، وإقناع قواعدها الإسلامية بعدم تخليها عن الهوية والشريعة.

ويختم الرديسي أطروحته بفكرة أن مستقبل الإسلام السياسي مرتبط بقدرته على إنجاز "ثورة فكرية داخلية" تقطع مع منطق الجماعة العقائدية المغلقة، وتنتقل إلى فضاء الأحزاب المدنية الحديثة. وهو يعتبر أن مرحلة "إسلام ما بعد الاستبداد" تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الدعوي والحزبي، وبين الهوية الوطنية والانتماء الأيديولوجي. لذلك يبدو الكتاب محاولة لفهم ما إذا كانت الحركات الإسلامية قادرة على التحول إلى فاعل ديمقراطي دائم، أم أنها ستظل أسيرة التردد بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة.

قراءة ايديولوجية

وفي الواقع انه من وجهة موضوعية، يمكن توجيه نقد أساسي لكتاب الإسلام المتردد يتمثل في أنه يقرأ تجربة الإسلاميين من زاوية فلسفية ذاتانية وميتافيزيقية غربية مجانبة للواقع، تجعل التصور النمطي للمركزية الأوروبية والفكر الماركسي معيارًا غير محايدً للحكم على تطور الحركات الإسلامية. رغم أن الحداثة الغربية تعيش ترددا وارتباكا بين منجزها التاريخي والإنساني وبين ما تشهده من أخطر مآزقها التي شرعت للشوفينية والإبادة والحروب والكيل بمكيالين في ضمان حقوق الانسان والتراجع عن دعم التطور الديمقراطي ونشر الثقافة الديمقراطية للمجتمعات، والتراجع عن تعميم القيم الكونية الموحدة للبشرية. اذ يتجاهل الكتاب الخصوصية الحضارية للمجتمعات العربية الإسلامية، وأن الجمع بين الإسلام والديمقراطية ليس "ترددًا" بل محاولة لإنتاج نموذج حضاري جديد يزاوج بين قيم الإسلام والحرية والديمقراطية ويدافع عن مكتسبات الحداثة الإنسانية والكونية دون استنساخ نمطي للنموذج الغربي بالكامل، ومآلاته النيوليبرالية والامبريالية.

كما يمكن نقد ما ادعاه كتاب "التردد" من اختزال تحولات حركة النهضة في البراغماتية السياسية فقط، لأن ذلك – من وجهة نظر مجردة – يتجاهل مسارًا طويلًا من المراجعات الفكرية بدأ منذ الثمانينات والتسعينات حول الديمقراطية والحريات والتعددية وحقوق المرأة مثل مسارا متصاعدا ومتواصلا من الثورة الفكرية الداخلية. فالغنوشي مثلا يعتبر أن تطور النهضة لم يكن مجرد استجابة ظرفية لضغوط الواقع، بل نتاج اجتهاد فكري داخلي عمل على الملاءمة الحيوية بين مقاصد الإسلام والدولة المدنية الحديثة.

ويرفض المشروع الفكري لراشد الغنوشي أيضًا أطروحة الرديسي حول ضرورة الفصل الصارم بين الدين والسياسة، بل أعلن عن الفصل المنهجي والتخصصي بين المجالين الدعوي والسياسي. لأن الغنوشي يرى أن الدين في المجتمعات الإسلامية ليس مجرد شأن فردي خاص، بل هو عنصر مؤسس للهوية الوطنية والقيم العامة المكونة للنسيج الاجتماعي. لذلك سيكون المطلوب ليس إقصاء الدين من المجال العام، بل منع احتكاره وتوظيفه الاستبدادي، مع الحفاظ على حق المجتمع في التعبير عن مرجعيته الحضارية داخل العملية الديمقراطية.

لقد حاول مشروع راشد الغنوشي، كما تكشفه تجربته الفكرية والسياسية والسجنية، أن يعيد بناء العلاقة بين الإسلام والحرية والدولة الحديثة خارج ثنائية الاستبداد والتغريب. فالغنوشي لم يقدّم الإسلام بوصفه أداة هيمنة لاهوتية أو خطابًا هوياتيًا مغلقًا، بل باعتباره أفقًا حضاريًا مفتوحًا على الديمقراطية والتعددية والكرامة الإنسانية. ومن هنا جاءت محاولته الدؤوبة للتوفيق بين المرجعية الإسلامية وقيم الحداثة السياسية، عبر مفاهيم الشورى، والمواطنة، والحريات العامة، والدولة المدنية، والتداول السلمي على السلطة. لقد كان مشروعه في جوهره محاولة لتحرير الدين من الاستبداد السياسي، وتحرير السياسة من التقديس المغلق.

مسار الحرية والتحرير وليل الاستغلال والاستبداد

يكشف المسار السياسي الطويل الذي امتد من مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 إلى اعتقال الغنوشي ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 2023، عن استمرارية عميقة في التاريخ التونسي بين معركة التحرر الوطني ومعركة الحرية والديمقراطية. ففي الحالتين يظهر الصراع نفسه بين إرادة شعبية تسعى إلى تقرير المصير وبين سلطات تخشى انبعاث الإرادة الحرة للمجتمع. ولذلك فإن رمزية "ليلة القدر" لم تعد مجرد حدث تاريخي في الذاكرة الوطنية، بل تحولت إلى استعارة كبرى للصراع التونسي الطويل ضد الاستعمار والاستبداد معًا، وضد كل محاولة لمصادرة حق التونسيين في الحرية والكرامة الوطنية والديمقراطية.

لقد مثّل راشد الغنوشي، سواء اتُّفق معه أو اختُلِف حوله، أحد أبرز الفاعلين الذين نقلوا الإسلام السياسي العربي من منطق الجماعة المغلقة إلى أفق الإسلام الديمقراطي، ومن خطاب الهوية المجردة إلى أسئلة الدولة، والحرية، والتنمية، والتعددية. ولذلك فإن القيمة التاريخية لتجربته لا تكمن فقط في نجاحاتها أو إخفاقاتها السياسية الظرفية، بل في كونها فتحت داخل المجال العربي والإسلامي نقاشًا عميقًا حول إمكانية بناء مشروع حضاري يزاوج بين الإسلام والديمقراطية دون ارتهان للاستبداد المحلي أو التبعية الخارجية.

إن المستقبل الحقيقي لتونس والعالم العربي لن يُحسم عبر عودة السلطويات الأمنية أو عبر إعادة إنتاج الانقسامات الإيديولوجية القديمة، بل عبر قدرة المجتمعات على بناء عقد تاريخي جديد يدمج الحرية بالعدالة الاجتماعية، والهوية الوطنية بالديمقراطية، والتنمية بالسيادة الحضارية. وفي هذا السياق، فإن تجربة راشد الغنوشي ـ بما لها وما عليها ـ ستظل جزءًا من المخاض التاريخي الطويل الذي تعيشه المنطقة في انتقالها من زمن الدولة التسلطية إلى أفق الدولة المجتمعية الديمقراطية.

فالأفكار التي تربط الإسلام بالحرية، والدين بالديمقراطية، والهوية بالتعددية، لن تختفي باعتقال الأشخاص أو إغلاق الفضاءات السياسية، لأن التحولات الكبرى تُصنع داخل البنى العميقة للمجتمعات لا داخل السجون. ولذلك قد يكون السؤال المركزي في العقود القادمة ليس: هل سينتهي الإسلام الديمقراطي؟ بل: كيف ستعيد المجتمعات العربية إنتاجه ضمن صيغ أكثر نضجًا وقدرة على الجمع بين الاستقرار السياسي والكرامة الإنسانية والسيادة الوطنية في عالم يتغير بسرعة؟

تاريخ أول نشر 2026/5/18