search

رجل " من أقصى المدينة"

حدثني أحد تلامذة الشيخ راشد، الذين درسهم في معهد المنصورة بالقيروان سنة 1972/1973، ان الشيخ كان يسكن وسط مدينة القيروان، ويتنقل الى المعهد الذي يبعد عنها زهاء ثلاث كيلومترات راجلا ذهابا وإيابا. وكان كلما صادفه في طريقه أذان فريضة من الفرائض، يفرش رداءه ويصلي صلاته. فهو متمسك بالصلاة في وقتها مهما تكن الظروف.

لا شك انه لم يفكر ساعتها بجلب انتباه أحد بقدر حرصه على الاستجابة لأمر ربه. لكن تلك الحركة تحولت في الواقع إلى رسالة رمزية اخترقت مجتمعا تائها تتقاذفه رياح عاتية، أقفرت بسببها المساجد، واستوحش فيها روادها ... يصدق فيها الحديث الذي حفظناه مبكرا : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء".

لقد كان إيمانه و ثباته ويقينه هما اكبر ما يحمل من عدة مقاومة التيه الذي يحيط به. ولربما حدثته نفسه ان يكتفي بما اكتفى به غيره، ممن اكتفى بخويصة نفسه، وانتحى في زاوية شيخه يقرأ أوراده في هدوء وسكينة. لكن نفسه الأبية أبت عليه أن يقرأ "المدثر" ويكتفي بتلاوتها، وان يقرأ "المزمل" ويكتفي بالفريضة ...

لقد كان صاحب لسان فصيح، وقدرة على المحاججة والإقناع، ولكن قدرته كانت اكبر في ما وراء ذلك من اليقين والثقة في ما يقوم به، ومن سعة في الافق. ففي الوقت الذي كان يذكر ويحرض الناس على القيام بفرائض الإسلام، كان يرنو بنظره الثاقب إلى مشكلات الأمة الكبرى، وإلى نهوضها الحضاري .... لا بل إنه كتب حول الحضارة ومشكلاتها قبل العقائد واركانها ....

الناظر المتفحص في ما نطلق عليه الصحوة الاسلامية في تونس، يمكن ان يجد ما يؤكد انطلاقها قبل عودته .... ولكن لا يمكن له ان ينكر انها قد اتخذت منذ عودته طريقا قاصدا يتجاوز الفرد إلى المجموعة، و يتجاوز المجموعة إلى الجماعة، وكل ذلك من اجل الوصول إلى المجتمع حضورا وتأثيرا وتغييرا ...

كان صاحب همة عالية وأفق رحب منذ انطلق ... لم يستصغر نفسه رغم وعيه بثقل المهمة ... كان قد حدد هدفه، ووجه بوصلته، وركب فرسه ولم ينزل عنه ... وربما تعثر فرسه مرات ... لكنه لم يسقط ... ولم يسقط هو من فوقه ...

مثل هذا الرجل لا يضيره من خالفه، ولا من حاده ... إنه يرفض ان يضيع هدفه، لينشغل بمن يسعى للتشغيب عليه ... بل هو كما قال الشابي:

يرنو إلى الشمس المضيئة هزئا ### بالسحب والأمطار والانواء

تاريخ أول نشر 2026/5/1