كنت قد قرأت للمرحوم عبد الوهاب المسيري مقالا تحدث فيه عن واقعة هروب نعوم تشومسكي من مناظرته بعد الاتفاق عليها وعلى تاريخ إجرائها. اعتذر تشومسكي عن المناظرة بدون مبررات موضوعيه وتجنب مواجهة المسيري. المسألة ليس لها علاقة بما كشفت عنه ملفات جيفري أبستين من علاقة وثيقة جدا بينه وبين تشومسكي واستضافة الأخير في قصره وفي جزيرته وسفراته على طائرته التي تحمل اسما ذو إحالة جنسية فضلا عن مساعدات مالية تلقاها منه بسخاء، وإنما المسألة لها علاقة بالقاعدة الفلسفية التي يرتكز عليها فكر تشومسكي النقدي الذي يرى المسيري حدوده باعتباره لا يمكن أن يكون جذريا طالما أنه لا يخرج عن التصور الغربي العلماني الشامل الذي يحيل كل شيئ لعالم المادة سواء استمد من التصورات اليهودية/المسيحية أو المنظورات المادية البحتة على تنوعها.
ملفات جفري ابستين وقبلها 7 أكتوبر وتداعياتها كشفت حدود العقل النقدي الغربي وسقوط أيقوناته الفكرية النقدية التي احتفينا بها كثيرا مثل أورغن هابرماس الذي كشف موقفه من حرب الإبادة في غزة، حيث أن المنظر للأخلاق التداولية والمدافع عن حقوق الإنسان ينهار عندما تمس الهوية الغربية ويتحول العقل التواصلي إلى عقل انتقائي مشروط بالانتماء الجيوسياسي مما يجعلنا أمام سقوط معياري فاضح لنظرية تدعي الكونية.
أما مع إدغار موران فقد شهدنا الإنسانوية التي تتردد أمام الاستعمار، فالفيلسوف الفرنسي الذي انتقد بشدة إسرائيل ودافع عن الفلسطينيين، ركز بعد 7 أكتوبر على صدمة إسرائيل الوجودية واستخدم لغة التعقيد لتخفيف حدة الإدانة، وإذا منظر الفكر المركب والرافض للتبسيط الثنائي يرتد إلى مساواة بين عنف الاحتلال وعنف المقاوم للإحتلال ويتحول التعقيد إلى توازن زائف.
مع تشومسكي نجد أنفسنا أمام موقف أشد افتضاحا للمفكر الغربي، الذي يعتبر من أبرز من فكك تحالف المال والمعرفة وكشف نفاق النخب التقدمية وفضح كيف تدار الجرائم الكبرى تحت أقنعة احترامية زائفة، تشومسكي الذي كشف عن أن السلطة لا تعمل في العلن، والجرائم لا تمارس أمام الضيوف، والامتياز لا يمنح، نجده يغمض عينية ويصم أذنيه ويضع ذكاءه في خزانة حديدية سميكة ومحكمة القفل، لما يقرر الذهاب للاستمتاع مع صديقه الحميم، الذي لا تخفى عليه جرائمه حتى وإن صدقناه أنه لم يشاهدها أو يشارك فيها.
لم تكن هذه الصورة للرموز الفكرية النقدية للغرب وليدة اليوم، بل إنها تكررت في تاريخ الغرب المعاصر، ولعل نموذج ميشال فوكو ومن قبله جون بول سارتر مثالين من أبرز الأمثلة.
منذ يومين قرأت عرضا وتعليقا على كتاب غابرييل روكهيل Who Paid the Pipers of Western Marxism? من الذي دفع أجر عازفي المزمار في الماركسية الغربية؟، يحلل كيف استطاعت الليبرالية صناعة ماركسية جديدة، كانت أشد فتكا بالماركسية وتطبيقاتها في المجتمعات الاشتراكية من أسلحة الإمبريالية، وذلك من خلال توفير مناخات لرعاية ماركسيين ويساريين نقديين للمجتمعات والأنظمة الغربية يكتبون وينظرون، ويستمتعون في نفس الوقت بمستويات عيش رغيدة وعلاقات وامتيازات مع عالم الأوليغارشيات ومؤسسات صناعة أكثر الأسلحة فتكا بالانسان ماديا وروحيا. ولعل معهد ماساشوست للتقنية MIT هو المثال الصارخ لذلك، حيث إلى جانب إنتاجه لكل ما يفتك بالانسان يحتضن رموز "النقد الجذري" للمجتمعات الغربية وسياسة دولها.
يعتبر الدارسون لتاريخ الفكر الغربي، أن ميكيافيل هو الذي دشن ما يمكن تسميته الفصل بين الأخلاق والسياسة لا من حيث الممارسة فقط ولكن من حيث تبرير أن السلطة التي هي ضرورة بشرية تقتضي ممارستها العملية أن تكون خارج ما تقتضيه الأخلاق من أسس وقيم. لكن المفكرين الغربيين المعاصرين الذين اشتغلوا على مفهوم السلطة بما فيها سلطة المعرفة، ذهبوا فكريا وعمليا بالحفر والتفكيك إلى الفصل بين الأخلاق والسلطة و الفصل بين الأخلاق والمعرفة، وأن ذلك الاتساق الذي خيل إلينا أننا قد فقدناه من خلال تصرف هابرماس وموران وتشومسكي في نظرياتهم، هو الذي كان يقودهم باعتبار أن القاعدة التي تحكم كل تصوراتهم هي المنظور العلماني الشمولي الذي يوحد الغرب فلسفيا ووجوديا. وحينئذ غلب الاتساق الرؤيوي الشامل الإتساق المعرفي المصطنع.
ومن هنا لا عجب أن يساند سارتر الأنظمة الشمولية، ولا عجب أن يوقع فوكو في سبعينيات القرن الماضي مع مثقفين فرنسيين عريضة تطالب بإلغاء تجريم العلاقات الجنسية بين البالغين والأطفال "برضا الطرفين"، مدافعا عن هذا الموقف ضمن سياق نقد السلطة التأديبية و تفكيك مفهوم "الانحراف"كما تصوغه الدولة، وأن يوقع هابرماس على عريضة تدافع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وأن يتخفى إدغار موران وراء تعقيد الوضع ليخفي انحيازه للمحتل ويتعامى عن الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين، وأن يستمتع تشومسكي بالامتيازات واللذة على حساب انتهاك إنسانية الأطفال، ويحتضن الهدايا والمساعدات من شبكة النفوذ والسيطرة العابرة للحدود والمنتهكة لكل القيم والأخلاق وكل ما يعطي لحياة الإنسان معنى.
تاريخ أول نشر 2026/2/9
