"شيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه"
ذاك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في شيخه شيخ الإسلام الهروي صاحب كتاب "منازل السائرين".
ما ضر دكتورنا المحترم أبو يعرب أن يستعمل لغة بعيدة عن التوصيف الجارح الذي لا يليق به، واعتمد أسلوبا كالذي ظهر في رده: "لم يعجبني" ... "أخطأت" ؟
ومع ذلك فمن حقنا أن نستدرك على الدكتور في ما أورده مما هو ليس بصحيح أو لنقل ليس بدقيق. فلا النهضة ولا الإخوان غيروا مرجعيتهم، وبالنسبة للنهضة ها هي لوائح المؤتمر العاشر موجودة فلنراجعها وهي نفس اللوائح التي تحدثت عن "الاسلام الديمقراطي".
وما أثار استغرابي قول الدكتور في رده "ظنا منها" وهو لعمري تأويل لا يليق به وظن لا يأتيه من هو في مقامه. دكتورنا المرزوقي "على العين والرأس" ولكن لكل بشر مزاج والمزاج يغلب أحيانا، وذروة الحماس والثقة في النفس - وهو لها أهل - تجعل الانسان أحيانا يستهجن تفكير غيره ويستصغر مقاماته ويظن فيه "ظن السوء". لست أدري إلى أي حد أن دكتورنا مقتنع بأن القوم "سذج" وانطلت عليهم "حفاوة الغرب بهم" و "سال لعابهم" و"سقطوا في المصيدة".
لم تكن فكرة الديمقراطية وسائر الاجتهادات السياسية للنهضة ولرئيسها الشيخ راشد جديدة، وهي أفكار تم إعادة بلورتها في ضوء الممارسة، ولم تقم مقام المرجعية الاسلامية بكل محمولاتها، وقد ارتبطت بتحول الحركة من حركة شمولية إلى ما اقتضاه الواقع من الانسجام مع التحول الديمقراطي في البلاد، وما يقتضيه من ضرورة التمايز بين السياسي والثقافي/الدعوي، وحتى القرار الذي صدر عن المؤتمر العاشر كان دالا وهو أن الفصل بينهما كان لـ "التخصص".
أعيد هنا كتابة ما أشرت إليه منذ يومين. من يعرف النهضة ويعرف تاريخها وأجنحتها ورجالها وما يدور في مؤسساتها، وكيفية صناعة قراراتها وصياغتها، لا يمكن أن يرمي بالكلام على عواهنه.
أخيرا أقول أيضا ما أردده دائما، أن النهضة تمارس النقد داخلها و"ما يكبر في عين نخبتها أحد"، وتستقبل نقد الآخرين لها بصدر رحب كلما كان نقدا بناء، ينطلق من تقدير أنه أمام حركة عاشت تحت القصف خمسين عاما، وواجهت المعارك الكبرى في البلاد، بل إنها قادتها، وكانت القوة الاجتماعية الوحيدة التي تجرأت على مواجهة الدكتاتورية والتطرف العلماني البورقيبي واليساري، وخاضت معركتي الهوية والحرية، ودفعت في ذلك أثمانا باهضة جدا ولكنهما تستحقانها، وها هي تخوض الآن معركة الديمقراطية بالمفهوم العميق الذي تتبناه الحركة، وليس بالمفهوم الليبرالي المتوهم عند من يظنون أن موقفها مجرد "سذاجة سياسية".
ليس لأحد أن يحجر على الآخر نقده بأي وجه يريده، ولكن كما يقولون "من كتب فقد هوجم" و "من ألف فقد استهدف/ عرض عقله للناس" ... وكل يؤخذ منه ويرد ... ولكن البعد عن التجريح هو الذي يجعل النقد مقبولا ويدفع الناس للتعاطي معه بعقلانية.
شخصيا أحترم جدا دكتورنا أبويعرب، وأقدر عقله الفلسفي العميق، وأتعاطى مع تحليله السياسي والاستراتيجي، وأفهم الفرق بين المفكر الحر المتخفف من الالتزامات السياسية والتنظيمية، فضلا عمن لم يعايش الحياة الداخلية للتنظيمات والحركات، ومن يأخذ قراراته وعلى ظهره أحمال والتزامات وتعقيدات يصعب أحيانا للبعض تصورها، وحتى إن أمكنه تصورها فلن يبلغ مبلغ من يعيشها ويمارسها.
سيبقى الدكتور في مكانته التي تليق به، والتي لا شك أن أبناء النهضة أكثر من يقدرونها، ولن يعرضوا عن سماع رأيه ونصحه ولو كان قاسيا، ويتفهمون مزاجه الحاد أحيانا ... ولن تفسد المواقف العارضة للود بينه وبينهم قضية .
تاريخ أول نشر 2026/1/28
