يكتب ويتحدث البعض نعيا أو نقدا أو تحسرا على ما أصاب النهضة، ويستخرج البعض ما يشبه الخلاصات الصارمة التي تصب جلها في أن النهضة إما أخطأت البدايات أو أفسدت النهايات، بل وبعضهم يتحدث على أن النهضة لا فقط أخفقت في تحقيق أهدافها، وإنما عادت بالكارثة أو على الأقل بالضرر على الوطن كله. ولا يستنكف بعض خفيضي الصوت من أن يطلب منها أن ترحم نفسها وترحم تونس معها!
وأنت تقرأ وتسمع كل ذلك تصاب بالذهول من ذلك "الحول المنطقي". فلكأن النهضة فشلت ونجح غيرها! ولكأن البلد كانت "على السكة" وجاءت النهضة وأخرجتها منها!
عندما ظهرت النهضة كاستجابة سوسيولوجية لحاجة المجتمع التونسي قبل أن تكون حركة اجتماعية، كانت تشق البلاد تيارات إيديولوجية قومية ويسارية وليبرالية. وقد كان التياران القومي واليساري بتفريعاتهما يسيطران على عالم النخبة والجامعة والنقابة، ويحملان المنظورات الجذرية في تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي، إما بطريق الانقلاب كما يراه التيار القومي البعثي والناصري، أو عن طريق العنف الثوري كما يراه التيار اليساري. لكن التياران اصطدما بقوة الدولة مبكرا، فحولت خياراتهما إلى خيار "اختراق الدولة " باسم "الدخولية" عند اليسار والاختراق التنظيمي عند القوميين وخاصة البعثيين.
لكن الدولة استطاعت ابتلاعهما وتوظيفهما لتحقيق أهدافها وخاصة في التصدي للخصم الحقيقي لها ألا وهو التيار الاسلامي ممثلا في حركة النهضة. انتهى الأمر بالتيارين إلى أن يكونا مجرد وظيفيين في خدمة النظام القمعي ولم يحققا من ورائه إلا أن يكونا أداة القمع والتعذيب والاستئصال.
في النهاية تلك التيارات ابتلعتها الدولة. أين هي الآن؟ بعد الثورة تهيكلت تلك التيارات في أحزاب؟ أين هي الآن؟ ولولا القانون الإنتخابي لما كان لها صوت يسمع.
لقد تضررت النهضة بمشاركتها في الحكم وبدا ذلك في نتائج الانتخابات التي كانت تظهر تقلص شعبيتها، ولكن خصومها اندثروا ... هي تضررت صحيح ولكن خصومها اندثروا.
وانتهت الساحة السياسية كما كان ينظر إليها من قبل إلى قوتين: الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة.
عندما قررت الحركة الإعلان عن نفسها في 6 جوان 1981 كحزب سياسي، لم يكن هناك أكثر من 5% من أبناء الحركة وحتى من نخبتها القيادية مقتنعا بخيار الإعلان كخيار استراتيجي، وإنما كان ينظر إليه خطوة تكتيكية هربا من خطط السلطة لمحاصرة الحركة وضربها باعتبارها كيانا يعمل في السرية وخارج قوانين الدولة. لم يكن ذلك إيمانا بالعملية السياسية بمفهومها الليبرالي التقليدي في دولة الاستعمار الداخلي. كانت الحركة تدرك ان الدولة لا تملك مقومات الدولة الديمقراطية ولا الدولة التي تملك قرارها. كانت تؤمن بالتغيير البنيوي الجذري، ولا ترى في العملية السياسية التقليدية ما يقنع بأن تحدث تغييرا في بنية المجتمع وبنية الدولة. ومن هنا كان إصرارها على أن يكون اسمها حاملا لإشارة التغيير الشامل، وعوض كلمة "حزب" اختارت إسم "حركة" وحافظت على مسمى "الإسلامي" تمسكا بمرجعيتها. ولما اضطرت لتغيير اسمها لتجنب دعوى احتكار الاسلام، سمت نفسها "حركة النهضة" تمسكا بالرؤية الشمولية والبنيوية في التغيير. وقد أثار الاسم الجديد من الجدل يومئذ بين النخبة مثل ما أثاره الإسم الأول من الجدل.
وعندما انطلقت حركة الاتجاه الاسلامي في التعريف بنفسها وتقديم رؤيتها ومنهجها للناس، لم تقدم نفسها كحزب تدبير يقدم برنامجا للحكم والمنافسة عليه، وإنما قدمت نفسها كحركة تغييرية تؤسس لقيم جوهرية نهضوية على رأسها "الحرية". وحتى عندما قاربت المفاهيم التقليدية، اختارت لها التعريف الذي يتجاوز الشكلانية، وذلك مثلا عندما تحدثت عن الديمقراطية، حيث لم تعرفها تعريفا ليبراليا وإنما قدمت مفهوما للديمقراطية أعمق وغير شكلاني وقد تجلى ذلك من خلال ترجمة كتاب مالك بنبي حول الديمقراطية، ومن خلال الإصرار في وقت ما على ربط الديمقراطية بالشورى، والقصد من ذلك تجاوز حدود الديمقراطية الليبرالية الشكلانية وربطها بجوانب التغيير الشاملة.
لا يعني هذا أن النهضة تزدري العملية السياسية بأطرها الدستورية والقانونية أو تمارس الازدواجية، إنما هي تضعها في سياقها الإستراتيجي للتغيير البنيوي الشامل للدولة والمجتمع ... ذلك أن الدولة التابعة لن تكون في يوم من الأيام دولة الحرية والتحرر ودولة الكرامة والعدل، والتغيير الاجتماعي الذي لا يستهدف بنى الاستغلال والريع واللاعدالة بين الجهات لن يحقق العدل والتنمية ... وكل ذلك لن تغيره منظومة دولة الاستعمار الداخلي مهما ادخلت عليها من الإصلاحات .
الذين يقيمون النهضة ومسيرتها بعدسة السياسة التقليدية مخطئون، فالنهضة مشروع يتجاوز السياسة إلى الاشتغال على السياسي، وكونها تمارس العمل السياسي خاصة بعد الثورة تحت سقف السياسة وفق القانون والدستور لا يعني أن مشروعها الحقيقي هو ذاك. فالنهضة وإن اقتضت العملية السياسية أن تعمل كحزب تدبير إلا أنها في جوهرها حزب تغيير حزب مشروع حضاري، حزب يدرك أنه لا يصارع على أرضية الدولة الوطنية المستقلة وإنما يصارع على أرضية دولة الاستعمار الداخلي دولة الاستلاب الحضاري.
في مؤتمرها الرابع سنة 1986 أجازت النهضة استراتيجيتها، وكانت أولويتها ثقافية اجتماعية ولست سياسية، وحتى عندما مارست السياسة فإنها مارستها كما أسلفت بخلفية السياسي أي بخلفية التغيير الاجتماعي الحضاري.
كانت تمارس السياسة وتوائم خططها ووسائلها وتبني مواقفها دائما بتلك الخلفية.
وهي تدرك أن الصراع معقد ومركب، وتدرك أن التحولات الاجتماعية تحتاج من الزمن الوقت الطويل، وأن التغيير الحقيقي هو تغيير القناعات والأفكار وفق تسويات وتوافقات مرهقة ومضنية، لأنها ليست قرارات سياسية ولا قوانين تنظيمية، وإنما هي تغيير ما بالأنفس وتغيير البنيات الاجتماعية واستبدال فواعل بفواعل ونخب بنخب.
وفي حين نشهد تذرر بل واندثار التيارات الأخرى، وتحولها إلى مجرد كيانات وظيفية أو أشباح سياسية، لا زالت النهضة كمشروع وككيان تنظيمي تحتفظ بقوتها وعنفوانها، وتحمل مقومات التجدد البنيوي والمراجعات القادرة على التكيف مع التحولات و الجاهزية لمقاومة الضربات.
قد تحصل للنهضة تحولات تمس بنيتها التنظيمية ونخبتها القيادية، ولكن مشروعها لا زال وسيبقى محتفظا بقدرته وفاعليته، ولا زال المجتمع يعتبرها قوته الحقيقة للصمود والنهوض، لأنها المشروع الوحيد الذي انطلق من رحم المجتمع التونسي والمرتبط بهويته، في حين كانت المشاريع الأخرى "مستوردة" شاء أصحابها أم أبوا.
الحقيقة التاريخية والاجتماعية التي يذهل عنها الكثيرون، أن الحركات الاجتماعية يمكن تهرئتها إذا احتلت مواقع السلطة أيا كانت تلك السلطة، ولم تكن قادرة على الاستجابة لمتطلباتها أو أساءت استعمالها، ولكنها أبدا لا تختفي بالقمع ومحاولات الاستئصال، بل على العكس كلما اشتدت محاولات الاستئصال اشتد عودها وعنادها، وطورت من خلال المعارك أساليب مقاومتها ... وانتصرت.
تلك خبرة التاريخ ... وفي التاريخ فكرة ومنهاج ... لقوم يعقلون.
لذلك أقول باطمئنان وثقة، أن النهضة ونحن ننظر إليها من هذه الزاوية، تقدمت ولم تتأخر، ونجحت ولم تفشل. وإن عثراتها من طبيعة الصراع وثقل المهمة، بل ومن مستلزمات التغيير العميق، فالتغيير الذي تحدثه العثرات أوقع وأبلغ من الذي تحدثه الانتصارات ... و"الضربة التي لا تقسم ظهرك تقويك".
تاريخ أول نشر 2026/6/5
