search

في التنوير والتحرير مع محمد القوماني

لاقى الإصدار الجديد للمفكر التونسي محمد القوماني احتفاء مهما. وكان ذلك الاحتفاء طبيعيا وضروريا لما تضمنه من مبادرة معرفية في مساءلة التراث، وفي محاولة لاجتراح آفاق جديدة للتجديد من خلال تعميق النظر في المدونة التفسيرية لشيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور المعروف تحت عنوان " تفسير التحرير والتنوير". وقد اختار القوماني عنوانا يقدم التنوير على التحرير في تساوق مع ما يعتبره إجابة على المهام الملحة لعصرنا. وهي مهام تضع في راس اهتمامها التنوير العقلاني والمعرفي مسبقا في الترتيب العملي على مهام التفسير وتحرير التفسير.

وفي تقديم الدكتور حميدة النيفر للكتاب، وصفه بكونه نواة مشروع علميٍّ جادٍّ يستجلي بدقّة، في المستويين الفكري والتطبيقي، إمكانيات تجديد قراءة النصّ القرآني اليوم في سياق علمي حضاري مأزوم إنسانيا ومتوثّب عربيا وإسلاميا نحو آفاق جديدة.

فكتاب: “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن”، هو إشارة واضحة إلى انتماء “عاشوريٌّ” يحيل به الأستاذ “محمد القوماني” على أهمّ إنتاج علمي في التفسير القرآني مغاربيا في الفترة الحديثة والمعاصرة.

في الإحالة على” تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد في تفسير الكتاب المجيد” إعلانٌ، لا تخطئه العين، عن هويةٍ معرفيةٍ تليدة يعتز بها المؤلف لأنها تشدّ أزرَ الباحث بما تتيحه من عرى وثيقة موصولة بـمقولة” فيض القرآن”.

فما هي أهم المحاور والأفكار الواردة في كتاب “تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن”، لمحمد القوماني؟ وما جوهر الأفكار التي عبر عنها الكتاب؟ وما هي الإشكاليات التي اشتغل عليها الكتاب وكيف أجاب عنها؟ وما هي الغاية من الكتاب وماذا كانت مخرجاته؟

يكشف الكتاب بوضوح بنية المشروع الفكري لمحمد القوماني .

وتندرج طبيعة الكتاب وموقعه الفكري ضمن  تيار إصلاح الفكر الإسلامي المعاصر الذي يحاول:

  • إعادة قراءة القرآن خارج ثنائية التراث/الحداثة
  • تحرير العلاقة بين الوحي والعقل
  • إدخال مناهج فلسفية ولسانية حديثة على التفسير

وهو بذلك يقع بين مشاريع مثل: محمد شحرور، فضل الرحمن، وحامد أبو زيد، والياباني إيزوتسو.

لكن القوماني لا يطرح مشروع تفسير جديد كامل، بل مراجعة نقدية للمقاربات التفسيرية الحديثة والتراثية معًا.

والفكرة الأساسية التي تحكم الكتاب هي أن القرآن نص مفتوح تاريخيًا، يحتاج إلى أدوات معرفية متجددة لفهمه، دون قطع مع التراث ولا استسلام له. أي أن المشروع يقوم على ثلاثية:

التنوير بمعنى تحرير العقل

والتحرير بمعنى تحرير التفسير

والادّكار بمعنى استعادة المعنى القرآني المتجدد

ويركز الفصل التمهيدي للكتاب على السؤال الكلاسيكي:

هل العقل تابع للوحي أم شريك له؟ وهل يمكن تثبيت فهم القرآن عند عصر معين؟

وينتهي إلى موقف مفاده ان العقل ينير الوحي والوحي يرشد العقل وهو موقف إصلاحي لكن بصياغة معاصرة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في موضوع علاقة العقل بالنقل وموضوع الوعي التاريخي وموضوع رفض تجميد الفهم القرآني.

ويعالج الفصل الأول بالتحليل المنطق والفلسفة في الفكر الإسلامي عند الغزالي وابن رشد.

وهو فصل منهجي هدفه اثبات قوة الأدوات العقلية التي عرفها الفكر الإسلامي عبر تاريخه، إضافة الى تفكيك أسطورة الصراع المطلق بين الدين والفلسفة. وهو ما يثبت أن العقل كان دائمًا داخل المشروع الديني لكن تم تقييده سياسيًا وتاريخيًا.

ثم يدخل القوماني مباشرة إلى قلب الإصلاح المعاصر، فيدرس منهج شحرور اللغوي، وجهازه المفاهيمي، واعتراضاته على التفسير التراثي، ومواطن القوة والضعف في مشروعه. ليصل الى أن شحرور فتح أفقًا لكنه وقع في اختزال لغوي.

ثم ينتقل القوماني الى تحليل فكرة الياباني توشيهيكو ايزوتسو من خلال كتابه الله والانسان في القرآن. ومضمون تلك الفكرة أن التفسير اللغوي للنص لم يعد كافيا، بل يتطلب التفسير فهم شبكة المفاهيم داخل القرآن في ضرب من السياقية التداولية تنتهي الى أن السياق يصنع المعنى.

وتؤكد أطروحة القوماني أن القرآن يملك نظامًا مفهوميًا كليًا وليس مجرد ألفاظ منفصلة.

ثم يتناول القوماني بالتحليل في الفصل الرابع من الكتاب قصة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف ضمن قضايا الغيب والشهادة في القصص القرآني، في إطار تطبيق عملي على القصص القرآني، يهدف إلى تجاوز القراءة الأسطورية، والانتقال من التاريخ إلى الدلالة التي يرمز لها القصص وما تهدف اليه من استخراج العبر العابرة للزمن.

كتاب التنوير والتحرير اشتغل على إشكاليات خمس تمثلت في الإجابة عن الأسئلة التالية:

هل التفسير التراثي نهائي؟

 هل يمكن قراءة القرآن بأدوات حديثة دون تفكيكه؟

 هل اللغة وحدها تكفي لفهم النص؟

كيف يمكن التوفيق بين التاريخية والقداسة؟

كيف يمكن ان نحرر القصص القرآني مما علقت به المرويات وبعض التفاسير من خرافة؟

ويقترح القوماني نموذجا مركبا لتناول تلك الإشكالات المسائلة للتراث يتمثل في:

·  العودة إلى التراث العقلاني (الغزالي/ابن رشد)

·  الاستفادة من الإصلاحيين المعاصرين (شحرور، نصر حامد أبو زيد، فضل الرحمان)

·  إدخال اللسانيات التداولية (إيزوتسو)

·  اعتماد القراءة الدلالية السياقية

·  تحويل القصص إلى دلالات حضارية

ويعتمد هذا النموذج على تحديث أدوات التفسير وليس هدم التفسير.

ويمكن هنا صياغة جوهر أطروحة الكتاب وخلاصته الفلسفية في جملة واحدة:

لا يتحقق التنوير القرآني بتغيير النص، بل بتغيير منهج قراءة النص.

وهذا استنتاج قريب من:

  • أطروحة فضل الرحمن واطروحة نصر حامد أبو زيد لكن بطريقة اقل راديكالية.

يحمل الكتاب في النهاية غاية مزدوجة، وجهها الأول معرفي يخص بناء أدوات تفسير جديدة.

أما وجهها الثاني فهو حضاري يهم تحرير الوعي الإسلامي من الجمود دون فقدان المرجعية.

ما هي اهم النتائج والمخرجات التي انتهى اليها الكتاب؟

تكمن أهم النتائج والمخرجات في:

·  إعادة الاعتبار للعقل داخل التفسير

·   نقد القراءة اللغوية الصرفة

·   ترسيخ فكرة النظام المفهومي القرآني

·   تقديم نموذج قراءة سياقية

·   تحويل القصص إلى معنى حضاري

لكن مشروع الكتاب لا يقدم تفسيرا كاملا، بل يقدم أطارا منهجيا للتفسير.

يمثل الكتاب مرحلة في تطور الإصلاح الإسلامي:

ولا يعتبر الكتاب ذا منحى تأسيسي مثل محمد إقبال. ولم يعتمد الكتاب منهجا راديكاليا مثل نصر حامد أبو زيد ولا منهجا لغويا صرفا مثل محمد شحرور.

بل مثل الكتاب مشروعا منهجيا وسيطا.

وهنا يطرح السؤال: ما هو موقع القوماني داخل خريطة الإصلاح الإسلامي المعاصر؟

وما هو وجه المقارنة بين القوماني و فضل الرحمن وأبو زيد وشحرور؟

وهل يمثل القوماني بداية مدرسة جديدة أم مقدمات تجميعية تسبق مفهوم المدرسة؟

وهل هذا النموذج القوماني قادر على إنتاج تفسير فعلي؟

وما هي العلاقة بين مشروع القوماني وسؤال الوعي التاريخي والوعي الاجتماعي؟ وهل هذا الكتاب جزء من تحول عالمي في علوم القرآن؟

إذا رسمنا خريطة الإصلاح القرآني المعاصر على محورين:

·  موقفه من التراث التفسيري: هل يمثل المشروع قطيعة مع التراث ام حوارا مع التراث ام استئنافا له؟

·   ما هي مواقف مشروع القوماني من التاريخانية والسياق؟ هل هي نصية حرفية أم هي مقاصدية أم تاريخية-نقدية.

والقوماني يبدو أقرب إلى مدرسة “الاستئناف الإصلاحي التونسي” التي تستلهم “"الروح العاشورية" (الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور/التحرير والتنوير) ممثلة في:

·  تحرير المعنى من رواسب بعض التفاسير القديمة مع عدم إعلان القطيعة النهائية مع التراث.

  • اعتماد العقل كـمترجم للنص، والنظر إلى القرآن كنص تأسيسي مفتوح على الزمان والمكان.
  • دعوة لاستثمار المناهج الحديثة لبناء فهم جديد للنص يكون مدخلًا للتغيير الاجتماعي/والمشروع النهضوي.

بهذا المعنى: هو ليس ضمن السلفية النصّية، ولا ضمن التاريخانية الراديكالية التي تنتهي غالبًا إلى تصفير سلطة علوم التفسير، بل أقرب إلى مقاصدية-تأويلية بلسان تونسي معاصر يستبطن سؤال الدولة/ ومشروع النهضة.

مقارنة القوماني مع فضل الرحمن وأبو زيد وشحرور:

هي مقارنة من حيث الفروق المنهجية لا احكام القيمة:

·  القوماني .. فضل الرحمن

  • فضل الرحمن: يشتغل على حركة مزدوجة: (من سياق النزول إلى المقاصد/القيم) ثم (من المقاصد إلى واقع جديد عبر اجتهاد مؤسسي). جوهره: تاريخية المعنى الجزئي مع ثبات القيمة الأخلاقية.
  • القوماني: من خلال الكتاب، هو أقرب إلى استئناف عاشوري: تحرير المعنى، تفعيل العقل، وبناء قراءة ادّكارية مع حوار مع التراث لا قطيعة معه.
  • الفرق الحاسم: فضل الرحمن يقدّم آلة معيارية واضحة لتحويل الأخلاق إلى سياسة تشريعية/اجتماعية؛ القوماني (كما يظهر في الكتاب) يقدّم أفقًا إصلاحيًا ومفاتيح قراءة، وقد يحتاج إلى مزيد تقنين منهجي ليصير قريبًا من صرامة فضل الرحمن.
  • القوماني و نصر حامد أبو زيد:
  • أبو زيد: مركزه النص والخطاب والتلقي، وتحويل القرآن إلى موضوع هرمنيوطيقي تاريخي: وكيف تشكّلت الدلالة داخل صراعات السلطة والمعرفة. وهو يتعامل مع النص كمعطى تاريخي لا كوحي.
  • القوماني: يشارك أبو زيد في تعظيم أهمية القراءة والعقل وتعدّد المعنى، لكن لغته أقرب إلى المقاصد و مشروع النهضة بمعنى النهوض، وإلى تخفيف التوتر مع التراث بدل تفكيك بنيته السلطوية من الجذور.
  •  القوماني ومحمد شحرور:
  • شحرور: مشروع لغوي-نسقي شديد الخصوصية (الحدود، الكتاب/والقرآن…)، فيعيد تعريف الجهاز المفاهيمي نفسه، ويعتمد كثيرًا على الهندسة المفهومية الداخلية. ويتعامل مع النص باعتباره نصا لغويا وتاريخيا وليس باعتباره وحيا.
  • القوماني: لا يبدو (من مضمون الكتاب) أنه يبني نسقًا اصطلاحيًا مغلقًا مثل شحرور، بل يراهن على استكمال مشروع ابن عاشور وتطعيمه بمناهج حديثة.

فالقوماني أقرب إلى مسار إصلاح من داخل المدونة الثراثية وفي مؤشر فك ارتباط معها.

أما فضل الرحمن وأبو زيد و شحرور فيميلون أكثر إلى إعادة تأسيس أدوات القراءة بدرجات متفاوتة.

هل يمثل القوماني بداية مدرسة جديدة أم مقدمات تجميعية؟  

يمكن الحكم على أي مدرسة جديدة عبر شروط ثلاثة :

1.  وجود مفاهيم مركزية مُعرَّفة بدقة لا شعارات.

2.  وجود قواعد اشتغال قابلة للتكرار لو طبّقها باحث آخر يصل لنتائج قريبة.

3.  وجود سلسلة تطبيقات ممتدة على آيات الأحكام، القصص، العقائد، القيم….

و القوماني  هنا يمتلك بوضوح:

-      أفق تحرير/وتنوير.

-       ورغبة في بناء فهم جديد يشتغل اجتماعيًا، لكنه يحتاج للحسم بالشروط المدرسية.

-      بمعنى إبراز طبيعة  قواعد القراءة الادّكارية على نحو أدق خطوة بخطوة؟ وكيف تُوزن العلاقة بين السياق والمقاصد واللغة والآثار؟

لذلك يميل القوماني لأن يكون تيار استئناف عاشوري مُحدَّث أكثر من كونه قطيعة تؤسس مدرسة منفصلة بالكامل. فهل هذا النموذج قادر على إنتاج تفسير فعلي؟

نعم بشرط أن يتحول من برنامج إلى آلية تفسير عبر بروتوكول قراءة واضح وتحديد وحدة النص والسياق و مقصد السورة والمقطع وشبكة الألفاظ و تاريخ التلقي، ثم تنزيل المعايير.

  • معايير ترجيح تمنع التسيّب: متى نقول هذا المعنى أقوى؟ وبأي دليل؟

ومشروع الكتاب يظهر أن القوماني يراهن على العقل والتحرير من قيود تفاسير سابقة مع عدم البتر من التراث، وهذا يؤهله لإنتاج تفسير إذا صارت قواعده قابلة للتطبيق المنهجي.

لقد أعاد الكتاب للعاشورية القها بعد عقود من التجاهل واهالة التراب والدفن بتبريرات هي أقرب الى الاغتراب والغربة عن الذات المتحررة والإرادة الحرة للبحث العلمي والثقافة العضوية للتونسيين وعمقها الإقليمي والعربي.

لقد أبرز عنوان الكتاب طموحا وتطلعا نحو استرجاع مشروع التنوير العربي الذي بقي منقوصا واحيانا فاشلا. لذلك انتظرنا من الكتاب ان يسائل مشروع النهضة ومشروع التنوير العربي عن أسباب فشله والمرور الى تقييم برنامج التنوير العربي والإسلامي ومشروعه أملا في بناء مشروع جديد للتنوير يتجنب مطبات الماضي ويفتح أفقا طموحا للمستقبل.

 فمتى يصل الباحثون والمثقفون العضويون الى امتلاك الوعي الاجتماعي والتاريخي التقدمي، وإدراك أهمية بلورة هذه الثقافة النخبوية والعالمة إلى أدبيات بسيطة واضحة وناجعة تشد انتباه أجيال الثقافة الرقمية الجديدة وتمكنهم من تغيير واقعهم نحو الأفضل.

تاريخ أول نشر 2026/3/3