طبق المنهج الماركسي المادي التاريخي، النظام الحالي لا هوية طبقية ثابتة له. لا يستطيع أي مختص في الاقتصاد السياسي أن يجزم بطبيعة التعبيرة الطبقية لسلطة الانقلاب. إذ رئيس السلطة يتبنى خطابا ناطقا باسم الطبقة العاملة ومعاديا بحدة لمؤسسات النهب الامبريالي كصندوق النقد الدولي ورافض للتقسيم الرأسمالي العالمي للعمل وضد الخوصصة والتفريط في القطاع العمومي لصالح الشركات الرأسمالية المعولمة. يعني نحن أمام رئيس يمكن اعتباره الوريث الرسمي "خطابيا" لتراث كاسترو وتوماس سانكارا وباتريس لوممبا...
لكن الحكومات المتتالية منذ الانقلاب، والتي يغيرها الرئيس "العمّالي الأممي" باستمرار احتجاجا على عدم كفاءتها وعدم التزامها بخطه السياسي، هي حكومات تواصل بهدوء تنفيذ سياسات المؤسسات المالية الرأسمالية..، فتقوم بالرفع التدريجي والمموّه للدعم على المواد الحياتية، وتواصل سياسة التداين المكثف بشروط استعمارية مخيفة، وتقوم بتسريح كثيف لموظفي الدولة التزاما بإملاءات المقرضين في التخفيض الحاد لكتلة الأجور، وتجمّد الانتدابات لتحكم على قوى العمل التي تنتظر فرصتها منذ عقدين وأكثر بالعيش الأبدي على هامش دورة الاقتصاد والحياة، وتضرب الحق النقابي بتجميد كل المفاوضات النقابية وهرسلة النقابيين...
في المحصلة نحن أمام حالة تونسية طريفة: الرئيس ينطق باسم البروليتاريا والفقراء والمهمشين وضحايا رأس المال عموما.. وحكوماته تنفذ سياسة البرجوازية والاستعمار.
وهنا تأتي ال"لكن" الأهم لتعميق المفارقة. الحكومات لا تتردد في الاستهداف العنيف والعشوائي لجزء من البرجوازية المحلية وفي جزء منها "الوطنية". إذ قامت الحكومات المتتالية بسجن أصحاب شركات ومشاريع "ناجحة" بتهم فساد ملفقة في أحيان كثيرة. بما يثبت أن الحكومات لا تعمل لصالح بورجوازية "الكمبرادور" أي البرجوازية المحلية الوسيطة/العميلة بل لصالح بورجوازية استعمارية معلومة (حالة المخلوفي أكبر مصدّر لزيت الزيتون دالة جدا).
ما يدعم هذه الفكرة محاولات الإخضاع التدريجي والعنيف للمؤسسات البنكية المحلية وللبنك المركزي. فرغم النفوذ السياسي التقليدي للبنوك يبدو أن النظام الجديد فرض عليها أن تعمل لحسابه وأن تموّل سياساته الشعبوية. ولأنها مؤسسات في الجزء الأكبر منها معولمة فقد قبلت بالدور لكن على حساب المواطنين الذين تأخذهم رهائن عندها. بحيث تستجيب لنزوات النظام و"تفكتر" الحساب على حرفائها/رهائنها.
ماركسيا إذن، نحن أمام نظام/كائن أسطوري (sphinx) نصفه الحكومي(الفعلي) "رأسمالي امبريالي تابع"، ونصفه الرئاسي(الخطابي) "عمّالي ثوري أممي".
وهذه حالة تاريخية/سكيزوفرينية يجب أن تسجَّل باسم تونس.
مع الاعتذار من الأخوين ماركس وأنجلز صاحبيْ البيان.
تاريخ أول نشر 2025/2/27