search

قراءة في المشهد السياسي التونسي وآحتمالات تطوره

لا يمكن قراءة المشهد السياسي في بلادنا بمنطق الانفعال أو التوصيف الأخلاقي وحده، بل يحتاج إلى موقف بارد يزن عناصر القوة والضعف، ويقرأ توازنات الداخل وتحولات الإقليم معًا. تقريبا نتفق موالاة ومعارضة ان السلطة القائمة اليوم لا تستمد قوتها من إنجاز تنموي أو نجاح اقتصادي، بل من احتكارها لمفاصل القرار، ومن قدرتها على ضبط المجال العام أمنيًا وقضائيًا، ومن خطاب شعبوي ما يزال يستثمر في ثنائية “الشعب ضد المنظومة”. هي سلطة ضعيفة اقتصاديًا، لكنها متماسكة مؤسساتيًا، وقوية أمنيًا، وتستفيد من غياب بديل منظم أكثر مما تستفيد من حضور شعبي حقيقي.

الإنجاز التنموي غائب، والمؤشرات المعيشية متآكلة، والقدرة الشرائية تتراجع، والديون تضغط، والاستثمار يراوح مكانه. ومع ذلك لم يتحول هذا التآكل إلى انفجار سياسي، لأن الخوف ما يزال فاعلًا، ولأن قطاعات واسعة من المجتمع تخشى المجهول أكثر مما تضيق بالواقع. في هذا السياق تبدو السلطة في وضع مريح تكتيكيًا، لكنها ليست مستقرة استراتيجيًا. إنها تمارس إدارة أزمة لا مشروع دولة، وتعوض ضعف النتائج بتشديد القبضة، وتغطي العجز بخطاب تعبوي طويل النفس.

في المقابل، تعاني المعارضة حسب تقديري من أزمة لا تقل عمقًا. فهي مشتتة أيديولوجيًا، مثقلة بإرث العشرية، عاجزة عن إنتاج قيادة جامعة، ومحصورة في خطاب دفاعي يستعيد معارك الأمس أكثر مما يبني أفق الغد. ضعفها ليس عدديًا بقدر ما هو تنظيمي ورمزي. جزء مهم من الشارع لا يرى فيها بديلاً مطمئنًا، بل يراها امتدادًا لصراعات أنهكته. أما المعارضة في الخارج، فتمتلك حرية تعبير أوسع، لكنها محدودة التأثير الميداني، وغالبًا ما تُحاصر بخطاب رسمي يصورها كرهان على الخارج. فينشأ عندئذ فراغ سياسي تستفيد منه السلطة، لا لأنها مقنعة، بل لأن البديل غير جاهز.

العامل الحاسم في المرحلة القادمة في راي المتواضع سيظل اقتصاديًا اجتماعيًا. قد يستمر التآكل الصامت فترة، لكنه لا يمكن أن يدوم بلا كلفة. غير أن أي غضب اجتماعي غير مؤطر قد ينقلب إلى فوضى، وهو ما يعزز سردية الاستقرار التي تطرحها السلطة. لذلك فإن المعركة الفعلية ليست بين شخصيات أو عناوين حزبية، بل بين منطق الخوف ومنطق الأمل، بين إدارة الأزمة وبناء البديل.

إقليميًا، لا تبدو البيئة حاضنة لتغيير سريع. ليبيا غير مستقرة، والجزائر تفضل حدودًا هادئة، ومصر منشغلة بأولوياتها الداخلية، وأوروبا تبحث عن شريك يضبط الهجرة أكثر مما تبحث عن نموذج ديمقراطي مثالي. هذا يعني أن التغيير، إن حصل، سيكون في معظمه نتاج ديناميات داخلية لا ضغوط خارجية حاسمة.

أمام هذا الواقع، المطلوب من المعارضة ليس تصعيدًا لغويًا ولا رهانات على لحظة انهيار مفاجئة، بل عملًا تراكميًا هادئًا يعيد بناء الثقة. أول ما تحتاجه هو مراجعة صريحة لأخطاء الماضي، لأن المجتمع لا يثق بمن يرفض الاعتراف بمسؤوليته. وثانيًا، الانتقال من خطاب الشرعية المجردة إلى خطاب معيشي واضح: الأسعار، التشغيل، الصحة، التعليم، والديون. المواطن لا يتحرك من أجل سجال دستوري، بل من أجل أفق حياتي ملموس.

كما أن التحالفات المطلوبة اليوم ليست تحالفات هووية أو أيديولوجية، بل تحالفات وظيفية حول نقاط جامعة: الحريات الأساسية، استقلال القضاء، وبرنامج إنقاذ اقتصادي قصير المدى. ومحاولة جادة لتعليق الصراعات وتاجيلها . إن أي اصطفاف جديد يعيد إنتاج انقسامات الهوية سيعمق العزلة ولن يكسرها. ما يحتاجه الناس هو بديل مطمئن، لا جبهة صراعية جديدة.

كسر حاجز الخوف لا يتم بالدعوة إلى انتفاضة شاملة، بل عبر مسارات تدريجية: تحركات مطلبية قطاعية، معارك قانونية مدروسة، مساحات نقاش محلية، حضور منظم داخل النقابات والجمعيات المهنية. الخوف يُفكك بالتراكم، لا بالشعارات العالية. كل مساحة صغيرة تُستعاد في الفضاء العام تمثل خطوة نحو استعادة السياسة ذاتها.

أما المعارضة في الخارج، فارى ان دورها الواقعي يتمثل في دعم المعركة الحقوقية، وفتح قنوات تواصل دولي لحماية الحريات، وتوفير خطاب عقلاني يطمئن الداخل بدل أن يحرجه. القيادة الفعلية لأي تحول يجب أن تبقى في الداخل، لأن الشرعية تُبنى من الميدان لا من المنابر البعيدة.

السلطة اليوم أقوى أمنيًا من أن تُسقط بسهولة، لكنها أضعف اقتصاديًا من أن تضمن استدامة طويلة بلا تعديل أو مراجعة. والمعارضة ليست عاجزة بطبيعتها، لكنها مطالبة بإعادة تعريف نفسها: من كتلة احتجاجية إلى مشروع إنقاذ، ومن تجمع هويات متصارعة إلى إطار جامع حول الحد الأدنى الوطني.

في النهاية، ليست المسألة صراعًا بين سلطة ومعارضة بقدر ما هي صراع بين إدارة الخوف وتنظيم الأمل. إن استطاعت المعارضة أن تقدم أفقًا واقعيًا، اجتماعيًا، مطمئنًا، فإن ميزان القوى يمكن أن يتحول تدريجيًا. أما إذا بقيت أسيرة الماضي أو أسيرة الانفعال، فإن الفراغ سيستمر، وستظل السلطة تستثمر في غياب البديل أكثر مما تستثمر في حضور الإنجاز.

وفي انتظار تحقق الادنى المرحلي المطلوب ستخسر تونس الكثير وللمعتقلين وعائلاتهم كثير من الصبر والمكابدة .

تاريخ أول نشر 2026/2/11