النورس يخترق القضبان
طليقا كطيف النسيم
خلقت...
وطير الحمام
يسوق الغمام ...
يهز الركام...
حالما علمت بصدور كتابين استبشرت خيرا وتملكني شعور يسكنه أذان الفجر وتسابيح الأسحار. كتابان توأمان دبجهما يراع الأخ والصديق العجمي الوريمي الذي عرفته بواكير نضالات الحركة الطلابية في تونس باسم الهيثم. انطلق نورس الكتابة من وراء القضبان حاملا رسائله الفصيحة والمشفرة متحديا سلاسل الأغلاق والانغلاق. هي بلاغة المنفى وبلاغة الغربة النابضة داخل الوطن المضرج بالدماء، والتفاهة، وبالحرمان، وبالحديد. صرخة ضد الاغتراب داخل الوطن، وتجربة حية في الكتابة تعكس مأزق الإنسان التونسي وهو يجترح من عمق المأساة سبيلا للأمل.
مُدَندِنا مع محمود درويش ومرسيل خليفة تساءلت:
من أين للكتاب وللكتابة من أين ادخل في الوطن
ودخلت في "الساحات"... من بوابة "الدار" الوحيدة
شاهراً حبي ففر الحاجز الرملي...
وانقشعت تضاريس الوطن
من أين أدخل في الوطن...
من بابه؟
من شرفة الفقراء؟
أيها الجبل البعيد أتيت...
أتيت يا وطني
أتيت يا وطني...
صباح الخير...
كيف تسير أحوال القرى والقمح و"الفرح" العظيم ...
ومجدنا و"الناس " يا وطني.
ومما زاد في شاعرية الكتابة انها كانت باقة من المقالات جمعتها رفيقة درب العجمي المناضلة ورفاق لها من نثار كالورود متمثلة دور "جفرا" التي وصفها الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة في قصائده الملحمية بـ "السيدة الحاملة للأسرار الثورية" مفعما بالشجاعة الأخلاقية أصدر العجمي الوريمي كتابيه التوامين عابرا للحصار معبرا عن "الاعتدال العنيد" أولا وعن "النقد والبناء" ثانيا.
محمد عابد الجابري
وقبل الخوض في الكتابين تفاعلا ونقدا، أذكر أن المفكر المغربي محمد عابد الجابري إثر مشاركته في إحدى الندوات في تونس في تسعينات القرن الماضي، سأل عن العجمي الوريمي أو سقراط الصغير كما كان يسميه، فقيل له أنه في السجن فدمعت عيناه تأثرا وقال بلغوه تحياتي وسلامي.
المجتمع المدني
وفي أحد التجمعات العامة في الحركة الطلابية التي ترأسها العحمي الوريمي - في زمن عسكرة المجتمع وفرض الحصار البوليسي على البلاد تحت سلطة بن علي والتجمع الدستوري - قدم العجمي تعريفا لمفهوم المجتمع المدني وفقا لتعرف أنطونيو غرامشي بكونه ليس فضاء محايدا بل هو مجموعة المؤسسات والتنظيمات التي تعمل خارج جهاز الدولة المباشر، لكنها تساهم في إنتاج المشترك الثقافي الأدنى للمجتمع وتشمل المدارس والمعالم الإسلامية ووسائل الإعلام والأحزاب والنقابات والجمعيات الثقافية.
هاجمته الأجهزة الرسمية خوفا على سلطتها في احتكار المعنى الذي تختزله في التقابل بين المجتمع الدني والمجتمع الديني للتغطية على عسكرة المجتمع والتنظير لشرعية القمع في اضطهاد الإسلاميين ورواد المساجد.
الانتليجنسيا
وفي الواقع إن صدور كتابي العجمي الوريمي "الاعتدال والنقد" أثارا عديد النقاشات والتفاعلات غلب عليها طابع البيوغرافيا والسيرة الشخصية، والحال أن المطلوب هو ترميز العجمي باعتباره عقلا جامعا للإنتليجنسيا الموزعة والمشتتة في مدارج الجامعات والفضاءات المدنية والثقافية. اذ حان وقت تشكلها ضمن فكرة الكتلة التاريخية بعد أن غابت طويلا وضمر فعلها.
تُشير الإنتليجنسيا إلى الفئة المثقفة أو النخبة الفكرية في المجتمع، أي مجموعة الكتّاب والمفكرين والأكاديميين والفنانين والصحفيين الذين ينتجون الأفكار وينقدون الواقع ويؤثرون في الرأي العام. ويكمن دورها التاريخي في نشر الوعي عبر تفكيك أنماط الهيمنة والخرافة والاستبداد، وفتح النقاش والإنتاج المعرفي حول قضايا الحرية والعدالة والديمقراطية والهوية والتنمية، وتحويل المعرفة من مجال نخبوي إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير في الناس حتى تربط بين الفكر والواقع، وتساهم في بناء الوعي النقدي، وصياغة المشاريع الثورية، وتوجيه المجتمع نحو مراجعة العوائق التي تسببت في خضوعه وسلبيته.
اغتصاب الوطن
ولكن ما الذي حصل حتى يتم سجن جميع رموز وقيادات الحركة الوطنية الإسلامية والديمقراطية في محاولة لإعدام الأمل والرجاء واغتيال عرق العمال والفقراء، والشعراء، والمثقفين، والفلاحين. والعمل للقضاء على الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والمكونات الوسيطة لإبادة أجيال الثورة والوعي لتبنى على دمائهم ظلامية العلو الشاهق والإيديولوجيا الوضيعة للقاعدية الفلكلورية والمجالسية الجوفاء.
سؤال كبير وحاسم تشرح مغلقاته جرائم ما عرف بالتصحيح الذي نصب زبانيته وجلاديه يوم 25 جويلية 2021 لقتل السياسة وانتزاع الكرامة والعيش الكريم من أبناء الشعب، تحت قناع "الشعب يريد"و"محاربة الفساد" الزائفة. وظهرت الملامح البنيوية للتشوهات العميقة التي أصابت الوطن الجميل متمثلة في: الشمولية التوتاليتارية.
يسير نظام الانقلاب المركزي والسلطاني السلطوي على نفس الخطى التي رسمت الفيلسوفة الالمانية حنة ارنت أسسها ومعالمها. فالشمولية والتوتالتارية ليست مجرد أنظمة استبدادية تقليدية، بل هي أنظمة شمولية تسعى إلى السيطرة الكاملة على الإنسان والمجتمع والفكر والتاريخ . وفي تحليلها للشمولية بينت حنة ارنت من خلال تجربتي النازية والستالينية كيف تنشأ التوتاليتارية من تفكك المجتمع، والعزلة الجماهيرية، وصعود إيديولوجية الخلاص المطلقة، وتحويل الفرد إلى كائن فاقد للقدرة النقدية داخل جهاز ضخم من الدعاية والخوف والعنف البوليسي، حيث يصبح الإرهاب أداة دائمة للحكم وليس مجرد وسيلة مؤقتة، وتتحول الحقيقة نفسها إلى شيء تصنعه السلطة عبر الإعلام والتنظيم الشعبوي والزعيم الكاريزمي، لذلك اعتبرت أرنت أن أخطر ما في التوتاليتارية هو تدميرها للفضاء الإنساني الحر وضرب القدرة على التفكير والحكم الأخلاقي المستقل.
تفاهة الشر
عرف لفيف من قضاة التعليمات بـ "تبكي أمه قبل أن تبكي أمي" وانحرفوا عن سيادة العدل والقانون وحماية المواطنين إلى الانكفاء البارد و"البريء" على الشأن الشخصي والمصالح الخاصة، وتنظيم حملات الرعب والاعتقال العشوائي التي تذكر بفلسفة "تفاهة الشر" لحنة أرنت وما آلت إليه من الخراب وسيادة التفاهة والضياع.
فالشر ليس دائمًا ناتجًا عن شيطنة عميقة أو نوايا شريرة واعية فقط، بل يكون أيضا نتيجة التفاهة وانعدام التفكير والامتثال الأعمى لأوامر البيروقراطية كأمر عادي دون تفكير أخلاقي حقيقي، وهو ما يجعل الشر أكثر خطورة، لأنه يمكن أن يُرتكب بأيدي أشخاص "عاديين جدًا".
خيانة الرفاق
وكما خان الرفاق وعلى رأسهم بالميرو تولياتي زعيمهم أنطونيو غرامشي في إيطاليا لصالح النظام الفاشي، امتدت خيانة لفيف من الرفاق للإسلاميين والحركة الديمقراطية في تونس، رغم ما يجمعهم مع الإسلاميين في الحركة الديمقراطية من مشترك في المطلب الديمقراطي والوطني وفي المنحدر الطبقي طيلة حكم النظام البوليسي للمخلوع النوفمبري زين العابدين بن علي، وخلال انخراطهم في الثورة المضادة وتخريب الثورة إلى أن وصلوا بالبلاد إلى الانقلاب مبشرين به ومتصالحين معه.
ارتباك الحركة
ارتبكت الحركة الإسلامية حين غفلت عن الإنصات إلى الأنتليجنسيا من مثقفيها ومثقفي الثورة ولم تمتلك نظرية وبرنامجا للدولة والثورة. ولم تمسك مع حلفائها في الثورة بوزارات السيادة ولم توفر القاعدة الاقتصادية والطبقية والإعلامية والثقافية للثورة. مع غياب أعمال التطوير والتعميق للتمثلات الحداثية والديناميكية والديمقراطية والوطنية للإسلام. ولم تتوفر فضاءات الحوار الحر والمعمق داخل هياكلها ينتقل باستراتيجيات الخطاب من العمودي إلى الأفقي مما تسبب فيما عرف من التشققات.
وسأحاول هنا ان أقدم عرضا تحليليا حول كتابي العجمي الوريمي حسب ما توفر من معطيات وتعليقات وحوارات حولهما حتى لا أكون ممن يقولون "هذا على الحساب حتى نقرا الكتاب" نظرا لما يفصلنا من مسافات لا تمكن من الحصول حاليا عليه.
وإذ أتطلع للحصول على الكتب أفتح المجال للتفاعل والإثراء إلى أن يتوفر ما يساعد على مزيد الإثراء والتعميق.
الاعتدال العنيد
يطرح كتاب "الاعتدال العنيد" للمفكر العجمي الوريمي إشكالية الاعتدال ليس بوصفه موقفًا أخلاقيًا بسيطًا أو حيادًا سياسيًا، بل باعتباره مشروعًا فكريًا وثقافيًا معقدًا يواجه نزعات التطرف والاستقطاب داخل المجالين الديني والسياسي. ينطلق الوريمي من نقد التصورات السطحية للاعتدال التي تختزله في التكيف أو المهادنة، ليعتبر أن الاعتدال الحقيقي يحتاج إلى "عناد" فكري وأخلاقي، أي قدرة على الصمود أمام العنف الإيديولوجي وضغط الشعبوية والانقسامات الحادة. لذلك يناقش الكتاب العلاقة بين الدين والسياسة والهوية، وكيف تحولت المجتمعات العربية إلى فضاءات صراع بين الراديكالية والانغلاق من جهة، وبين التبعية الثقافية أو التفكك القيمي من جهة أخرى.
ومن أهم محاور الكتاب أيضًا تحليل أزمة الفكر الإسلامي المعاصر، خاصة بعد التحولات السياسية التي عرفها العالم العربي منذ الربيع العربي. يحاول الوريمي الدفاع عن إمكانية بناء خطاب إسلامي ديمقراطي ومدني قادر على التعايش مع الحداثة دون الوقوع في الذوبان أو الانغلاق. ولهذا ينتقد في الوقت نفسه تيارات التشدد الديني والتيارات العلمانية الإقصائية، معتبرًا أن كلا الطرفين يساهم في تعميق الاستقطاب وتعطيل بناء المجال العمومي التعددي. كما يركز على أهمية الحوار والعقل النقدي والتدرج الإصلاحي، ويرى أن المجتمعات لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوافق وإدارة الاختلاف.
أما البعد الثالث في الكتاب فيتمثل في الطابع الحضاري والثقافي لفكرة الاعتدال؛ إذ يقدم الوريمي الاعتدال باعتباره قيمة معرفية ومنهجًا في التفكير قبل أن يكون مجرد موقف سياسي. فهو يدعو إلى إعادة بناء العلاقة مع التراث والحداثة بطريقة نقدية متوازنة، تتجاوز الثنائية التقليدية بين "الأصالة" و"المعاصرة". كما يؤكد أن الاعتدال ليس ضعفًا أو استسلامًا، بل هو شكل من أشكال المقاومة العقلانية ضد العنف الرمزي والمادي وضد تحويل الاختلاف الفكري إلى صراع وجودي. لذلك يمكن اعتبار الكتاب محاولة لتأسيس رؤية فكرية تسعى إلى حماية المجال الديمقراطي والثقافة المدنية في المجتمعات العربية من الانهيار تحت ضغط التطرف أو الاستبداد.
وفي الواقع أن الاعتدال العنيد يُقدّم محاولة فكرية لإعادة تأهيل مفهوم "الاعتدال" داخل المجال السياسي التونسي بعد سنوات من الاستقطاب الإيديولوجي الحاد، غير أنّ الإشكال النقدي الأساسي في الكتاب يكمن في الطابع الملتبس للمفهوم نفسه. فالاعتدال عند العجمي الوريمي لا يظهر باعتباره موقفًا سياسيًا إجرائيًا محدد المعالم، بل يتحول أحيانًا إلى قيمة أخلاقية عامة أو إلى استراتيجية خطابية تهدف إلى تخفيف التوترات أكثر من إنتاج مشروع سياسي واضح. لذلك يبقى السؤال النقدي قائمًا: هل الاعتدال هنا خيار فكري يمتلك أدواته النظرية وبرنامجه العملي، أم مجرد تموقع وسط بين الراديكاليات المتصارعة؟ كما أن المرجعيات المفهومية للكتاب تبدو هجينة؛ إذ تتداخل فيها نزعات إصلاحية إسلامية، ولمسات ليبرالية توافقية، وأصداء من فلسفات “العيش المشترك” الحديثة، دون بناء نسق إبستمولوجي صارم يحدد بدقة حدود الاعتدال وعلاقته بالصراع الاجتماعي والعدالة والسلطة. ومن هنا يمكن القول إن الكتاب ينجح في الدفاع عن الحاجة الأخلاقية إلى التهدئة، لكنه لا يحسم بما يكفي في سؤال: أي اعتدال؟ ولصالح أي بنية سياسية واجتماعية؟
أما مفهوم “العنيد” فيمثل أكثر عناصر الكتاب إثارة وجدلاً، لأنه يحاول الجمع بين المرونة السياسية والثبات القيمي، أي بين الاعتدال بوصفه تسوية، والعناد بوصفه مقاومة للانهيار الأخلاقي أو للانزلاق نحو التطرف. غير أن هذا التركيب المفهومي يظل إشكاليًا؛ فالعناد في التجربة السياسية التونسية قد يتحول بسهولة من فضيلة أخلاقية إلى نوع من المحافظة المقنّعة أو الدفاع السلبي عن التوافقات القائمة، خاصة في ظل أزمة الثقة العميقة التي يعيشها المجال السياسي بعد 25 جويلية. لذلك يبدو الكتاب أقرب إلى محاولة لإنقاذ "المركز السياسي" التونسي من التفكك أكثر من كونه مشروعًا لتأسيس أفق تاريخي جديد. فرغم أهمية الدعوة إلى تجاوز منطق الإقصاء والثنائيات الحادة، فإن الكتاب لا يقدّم تصورًا عمليًا كافيًا لكيفية تحويل "الاعتدال العنيد" إلى قوة اجتماعية قادرة على إنتاج إصلاحات بنيوية أو إعادة بناء المجال العمومي. ومن هنا تأتي محدوديته الأساسية: فهو يمتلك قيمة فكرية وأخلاقية معتبرة في نقد التطرف والاستقطاب، لكنه يظل مترددًا في الانتقال من مستوى الحكمة السياسية إلى مستوى الفعل التاريخي القادر على إعادة تشكيل التوازنات داخل الواقع التونسي المأزوم.
النقد والبناء
يُعدّ كتاب "النقد والبناء" للمفكر والسياسي التونسي العجمي الوريمي محاولةً للجمع بين المراجعة النقدية للفكر والحركة السياسية الإسلامية وبين البحث عن أفق إصلاحي جديد يتجاوز منطق الصدام والأيديولوجيا المغلقة. ينطلق الوريمي من فكرة أنّ النقد الحقيقي لا ينبغي أن يكون هدماً أو تصفيةً للتراث والتجارب السياسية، بل أداةً لإعادة البناء الفكري والتنظيمي. لذلك يناقش أزمة العقل السياسي العربي والإسلامي، وحدود الخطابات التقليدية، وعجز كثير من النخب عن إنتاج مشروع حضاري قادر على التفاعل مع الدولة الحديثة والديمقراطية والتحولات الاجتماعية. كما يركز على أهمية العقل النقدي في تفكيك اليقينيات الجامدة وإعادة قراءة التجارب الإسلامية والسياسية بروح تاريخية وواقعية.
ويعالج الكتاب أيضاً إشكالية العلاقة بين الهوية والحداثة، حيث يحاول الوريمي تجاوز الثنائية الحادة بين "الأصالة" و"التغريب". فهو يدافع عن إمكانية بناء مشروع إصلاحي يستوعب قيم الحداثة السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية دون الانفصال عن المرجعية الثقافية العربية الإسلامية. ومن هنا تظهر أهمية مفاهيم مثل التدرج، والحوار، والتوافق، والعمل المدني، باعتبارها أدوات لبناء المجال السياسي لا لتفجيره. كما ينتقد النزعات الراديكالية سواء داخل التيارات الإسلامية أو داخل النخب العلمانية التي تنظر إلى المجتمع بمنطق الإقصاء أو الوصاية الفكرية.
أما على المستوى السياسي العملي، فيقدّم الكتاب قراءة لتجارب الإسلام السياسي والتحولات التي عرفتها المنطقة العربية، مع اهتمام خاص بالسياق التونسي وما أفرزته الثورة من تحديات تتعلق بالديمقراطية والانتقال السياسي وإدارة الاختلاف. ويؤكد الوريمي أن البناء الديمقراطي لا يتحقق فقط عبر المؤسسات، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة قائمة على الاعتراف المتبادل، والقدرة على النقد الذاتي، وتغليب المصلحة الوطنية على الصراعات الإيديولوجية. لذلك يمكن اعتبار الكتاب دعوة إلى إعادة تأسيس العمل السياسي على قاعدة "النقد المنتج" الذي يراجع الأخطاء دون السقوط في العدمية، ويسعى إلى بناء مشروع وطني ديمقراطي أكثر توازناً وواقعية.
أما على المستوى الفكري والمنهجي، فالكتاب يعكس نزعة تأويلية واضحة تستفيد من الفكر الفلسفي المعاصر ومن مناهج النقد الثقافي والسياسي. فالوريمي لا يتعامل مع الهوية أو الدين أو الحداثة كمعطيات ثابتة، بل كمسارات تاريخية قابلة لإعادة القراءة والتأويل. ولهذا يطرح مفهوم "البناء" بوصفه فعلًا حضاريًا يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الفكر والواقع، وبين الأخلاق والسياسة، وبين الحرية والمسؤولية. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب باعتباره محاولة للخروج من منطق السجال العقائدي نحو أفق إصلاحي نقدي يبحث عن إمكانات التعايش والديمقراطية وإعادة إنتاج المعنى في المجال العربي المعاصر.
يقدّم كتاب "النقد والبناء" لـلعجمي الوريمي محاولة للخروج من الثنائية التقليدية التي حكمت جزءًا كبيرًا من الخطاب السياسي التونسي، أي ثنائية الدفاع التبريري أو الهدم العدمي. فمفهوم النقد عند الوريمي لا يُطرح بوصفه مجرد تفكيك للأخطاء أو تصفية حسابات مع التجربة الإسلامية، بل باعتباره آلية مراجعة داخلية لإعادة تقييم علاقة حركة النهضة بالدولة، والمجتمع والديمقراطية والحداثة. غير أنّ الكتاب، رغم أهميته في الدفع نحو ثقافة المراجعة، يبقى أحيانًا أسيرًا للغة توفيقية تجعل النقد أقرب إلى "إصلاح أخلاقي" منه إلى مراجعة إبستمولوجية عميقة للبنية الفكرية والتنظيمية للحركة. فالمفاهيم المستعملة، مثل "الاعتدال"، و"التدرج"، و"الواقعية"، تبدو في بعض المواضع مفاهيم سياسية مرنة أكثر من كونها أدوات تحليل دقيقة، وهو ما يجعل النقد محدود القدرة على مساءلة الجذور العميقة للأزمة السياسية والفكرية التي عرفتها الحركة والإسلام السياسي عمومًا بعد الثورة التونسية.
أما مفهوم البناء في الكتاب، فيرتبط بمحاولة تأسيس أفق سياسي جديد قائم على التوافق الوطني وإعادة دمج الإسلاميين داخل المجال الديمقراطي المدني، بما يتجاوز منطق الصراع الهوياتي. وتكمن قوة الطرح في سعيه إلى الربط بين النقد والبناء باعتبارهما عمليتين متلازمتين: فلا إصلاح دون مراجعة، ولا مراجعة دون أفق عملي جديد. لكن الإشكال النقدي هنا أنّ البناء المقترح يبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى إعادة ترتيب الخطاب السياسي للحركة منه إلى إنتاج مشروع فكري جديد قادر على تجاوز المأزق البنيوي الذي تعيشه النخب التونسية عمومًا. فالكتاب ينجح في فتح نقاش مهم حول ضرورة الانتقال من الشرعية الأيديولوجية إلى الشرعية المدنية والمؤسساتية، لكنه لا يقدّم بصورة كافية تصورًا عمليًا لكيفية بناء كتلة تاريخية أو ثقافة سياسية جديدة تستجيب لأزمة الثقة الاجتماعية والاقتصادية العميقة في تونس. لذلك يمكن القول إن قيمة الكتاب الأساسية تكمن في فتحه باب المراجعة الفكرية داخل الفضاء النهضوي، أكثر من كونه نظرية سياسية مكتملة قادرة على إعادة تأسيس العمل السياسي التونسي على أسس جديدة.
تاريخ أول نشر 2026/5/7
