search

كيف نفهم تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول العلاقات التونسية الجزائرية؟

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون "أمن تونس من أمن الجزائر وأمن الجزائر من أمن تونس"

فكيف نفهم هذا التصريح؟

في تاريخنا الحديث، وبعد الاستقلال، لم يهدد أمن تونس إلا باستعمال حدودنا الغربية، باستثناء ما فعله الكيان الصهيوني، من حمام الشط حتى اغتيال محمد الزواري ،وضرب سفن أسطول قافلة الصمود الذي لم نسمع للجزائر حسا في التنديد به، ولا نعيب عليها ذلك طالما صديقها قيس سعيد بلع لسانه.

وقعت محاولة جدية لتهديد أمن تونس من حدودنا الشرقية - في ظرف ليبي غير مستقر - ولكن بسالة أمننا وجيشنا وتكاتف شعبنا أفشلت ذلك واستأصلت شأفتها بعد مغامرتهم الدنيئة لجعل بن قردان قاعدة "جهادية".

قلت، لم يهدد أمن تونس إلا من حدودنا الغربية، ابتداء من حادثة قفصة التي تسلل مغامريها ونقلت أسلحتهم من الحدود الجزائرية. كما أن جل إن لم يكن كل الإرهابيين وعتادهم اتخذوا من الحدود مع الجزائر مقرا لهم وخاصة في جبل الشعانبي، وتحدثت تقارير وتحقيقات عدة على تورط جزائريين في ذلك !

وكذلك كان دخول المهاجرين الأفارقة إلى التراب التونسي في قوافل تكاد تكون استعراضية كان من ذات الحدود، وكلنا يعلم أن ذلك يعتبر مسا بأمن تونس.

ودون أن ننسى التدبير الجزائري الإيطالي الذي وصل حد التصريح علنا بأنهم تحدثوا في الشأن التونسي واتفقوا على مساندة قيس سعيد!

لا أريد أن أتجاهل أيضا الحديث عن شبهات تورط أجهزة جزائرية في الاغتيالات التي كان مخططا لها نسف تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، أسوة بما فعلت من نسف تجربة الانتقال الديمقراطي في الجزائر سنة 91.

كما استغلت الجزائر الفترة الانتقالية قبل بناء المؤسسات التأسيسية صيف 2011، فافتكت من الباجي قائد السبسي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية خارج رقابة المجتمع المدني وأساسا خلال عدم وجود البرلمان، وهو الجهة الوحيدة التي يفوض لها الشعب المصادقة على الاتفاقيات باسمه. ونفس الشيئ تكرره مرة أخرى حيث عمدت إلى توقيع اتفاقية أمنية عسكرية في ظل انقلاب ورئيس استولى على كل سلطات الدولة حتى تلك التي أقرها في دستوره الذي كتبه وحده.

فهل كان ما سردته اهتماما بأمن تونس أم لعبا في الحديقة الخلفية لتونس؟

لذلك، من حق التونسيين أن يشكّوا، وأن لا يرتاحوا لما تفعله السلطة الحالية الحاكمة في الجزائر بشقيها المدني والعسكري.

لو لم تكن الاتفاقية فيها ما يريب فما الذي يمنع من نشرها؟ ومالذي يمنع من عرضها على برلماني البلدين؟

ما يطالب به التونسيون هو تقليد عالمي، حيث كل الاتفاقيات تمرر وجوبا على البرلمان للمصادقة عليها، وتنشر وجوبا في النشرية الرسمية.

لذلك أقول أن تصريح تبون يمكن أن يفهم في سياق آخر، وهو ما كشفت عنه وثيقة الاتفاقية المسربة، حيث يتبين من مضمون بعض بنودها أنها اتفاقية من أجل حماية السلطة القائمة أي سلطة الانقلاب، وعندها يتحول معنى تصريح تبون إلى تهديد للتونسيين وتحذيرا لهم من مواجهة سعيد وانقلابه، ذلك العصفور النادر الذي حصلت من خلاله الجزائر على ما لم تحلم به في عهدي بورڨيبة وبن علي فضلا عن عشرية الانتقال الديمقراطي عندما كان برلمانها - برغم ما نوجه له من نقد - حارسا أمينا على مصالح تونس الاستراتيجية، فلا تمر الاتفاقيات والعقود الدولية ومذكرات التفاهم والقروض إلا بعد أن تخضع لتدقيق وحوار عميق يتجاوز قبة البرلمان إلى المجتمع المدني والإعلام.

أعيد التأكيد أخيرا على ما كنت كتبته أكثر من مرة، أن موقفنا هذا لا يمس من علاقة الشعبين الشقيقين، ولا حتى من علاقة الدولتين الجارتين، بل ولا حتى احترامنا لجيش الجزائر الذي تأسس قطاعه الأساسي والأصيل على أرض تونس، جيش ثورة فاتح نوفمبر المجيدة.

تاريخ أول نشر 2025/12/31