منذ أيام نشرت فيديو لأحد العلماء الغربيين، يتحدث عن أنهم اكتشفوا ان في القلب مخ يشبه المخ الموجود في الدماغ، وله نفس الخصائص الوظيفية، وتفاصيل دقيقة أخرى تجعل من القلب ليس فقط مركز الاحاسيس والمشاعر كما درج عند عامة الناس منذ قديم الزمان، وإنما هو أيضا مركز التعقل والادراك.
طبعا ما أذهل الكثير من الناس أن ذلك جاء تصديقا في نعيه على الكافرين بقوله: "لهم قلوب يعقلون بها"يعني أن من وظائف القلب التعقل، بل إن بقية وسائل الادراك، كالسمع والبصر لا معنى لها، إذا كان القلب قد فقد وظيفة التعقل "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" ... لاحظ حددت الآية مكان القلب حتى لا يذهب التأويل إلى مكان آخر للتعقل.
هناك اكتشافات مخبرية كثيرة حددت طبيعة وظائف القلب وتأثيرها على الانسان، لا سيما تلك التي أجريت بعد عملية نقل وزراعة القلب من شخص لآخر، حيث لوحظ بشكل جلي انه قد انتقل مع القلب كل ما له علاقة بالمشاعر والاحاسيس. فإذا القلب الذي كان صاحبه الأول شاعرا حمل معه تلك الشاعرية، الى غير ذلك من طبائع الحب والكره، ومشاعر الابوة والامومة والصداقة وما إلى ذلك.
يخلص هؤلاء العلماء إلى ان مركز "التحكم والسيطرة" الاساسي في الإنسان هو القلب وليس العقل وما العقل إلا خادم عند القلب ...
وليس عبثا انك لن تجد في القرآن ذكرا للعقل، عكس القلب الذي ورد بصيغ إسمية وفعلية. و إنما اقتصر ورود العقل بصيغة فعلية فقط كنابة عن انه فعل القلب وليس ذاتا منفصلة عنه ....
انتصر لهذا المعنى الفيلسوف المتصوف المغربي طه عبدالرحمن، وجاءت المكتشفات العلمية بعد ذلك لتؤكد ما ذهب إليه.
والحقيقة ان الصوفية لهم تراث جليل في هذا الباب، ولكن غمره انحراف التصوف وغلبة الجهل والدروشة عليه، فطمر ذلك "علم نافع" قام عليه ما اصطلح على تسميتهم "أطباء القلوب".
و" محل الشاهد" ان كثيرا من معاركنا، ومنها تلك التي تلبس رداء التعقل والعقلانية، إنما تخفي داخلها أمراض قلوب، استولى عليها إما حب أعمى، أو كره أضل، أو تعصب أجهل، أو عناد افسد، أو حسد أبغض، أو غيرة "أذهبت الشيرة".
لقد كان طوفان الأقصى مثلا، مناسبة سقطت فيها عقول كبيرة لم يصدق الانسان انها يمكن تصل لذلك الحضيض، وكنا نقدر ان من انفق عمره في الحديث عن العدالة وعن الحرية وعن المساواة لا يمكن ان تسقط هالته واطنان كتبه وحججه في لحظة صدق واحدة ... وما اكثر الامثلة من حولنا ... وهل يعقل من لا قلب له؟!
دعوت ولا زلت أدعو إلى النقد الذاتي، وإلى الحوار العقلاني، وإلى البحث عن المشتركات، وإلى صناعة التوافقات الوطنية. ولكنني لست واهما ولا متوهما أن جبال الحزازات والكره والتباغض يمكن أن تزال في لحظة صدق عقلي جاف ما لم تبن قبلها على لحظة صدق قلبي عميق ... لن تنصلح العقول ما لم تنصلح القلوب ...
وإنني مدرك أن مساهمة العقول في إصلاح القلوب أضعف بكثير من تأثير القلوب الصالحة على العقول الجانحة ...
بنيت على العطف الجميل وإنها لتجف لو بنيت على التفكير
القلب الصادق يغفر ويسامح، ويقبل التدرج ويراعي المقامات، ولكن العقل لا يراعي ذلك الا قليلا. ببساطة، لأن سطوة القلب عليه كبيرة، ومساحة الحرية لديه محدودة بحكم طبيعته الوظيفية.
علي أن أقبل وأنا المؤمن بالقرآن هاديا، أن هناك قلوب طبع الله عليها فلا مطمع في تغييرها أو أن نسبة تغييرها "صفر فاصل" فلا أجعلها شرطا للتغيير والبحث عن البديل ....
لكن علي أيضا أن أؤمن أن الناس على فطرة الخير، وأن قلوبهم بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .... كل ما علي هو أن أركز جهدي على اكتساب قلوبهم، ودون أن أزهد في السعي معهم إلى إعادة تشكل عقولهم، حتى تستوي في تناغم مع عمل القلب، فيكون لدينا قلب تقي وزكي وعقل ذكي ونقي.
"إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تاريخ أول نشر 2025/8/14