استمعت إلى محسن مرزوق في حوار على قناة البلاغ مع الإعلامي والمدون الصديق خالد الهرماسي ، وقد رأيت من واجبي أن أتفاعل مع ما قدمه من أراء ومواقف، فمحسن مرزوق سياسي، ومن وجوه الساحة السياسية التي لعبت أدوارا مهمة في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وهو الآن وإن كان بعيدا نوعا ما عن الأضواء، إلا أنه يتابع ويتفاعل وربما يستعد على نحو ما إلى التقدم بخطى محسوبة، لساحة يرى أنها تعتمل في داخلها، وتؤشر إلى أعراض مخاض قد يكشف عن ولادة قسرية أو طبيعية. محسن " المزروب" يحاول التغلب على تلك الصفة التي ألصقت به، وقد بدا ذلك من الهدوء الظاهر في حديثه، وفي اختفاء انفعالات الحماسة واليقين ورقصات العيون استهجانا أو تحقيرا من تحت نظارته، وفي استدعائه للتاريخ، وفي حرصه على الابتعاد عن الهجوم وتوجيه السهام إلى "زملائه" في حقل السياسة، والاكتفاء بالغمز واللمز أحيانا. لم يخلو خطابه من الإقرار بالأخطاء التي ارتكبتها الطبقة السياسية، بل اعتبرها هي التي أوصلتنا إلى لحظة ما بعد 25 جويلية، و يرى أن إسقاط 25 جويلية بدون الإقرار بأخطاء ما قبلها، وتقديم بديل عنها، وعن ما جاء به قيس سعيد من "اللاشيئء"، عدا إدخال معارضيه للسجن ووضع سيادة تونس موضع سؤال، بدون ذلك لا يمكن لنا أن نتقدم نحو ما نصبو إليه جميعا.
وباستثناء الإقرار العام بأنه هو أيضا ارتكب مع بقية الطبقة السياسية أخطاء، فإنه لم يقدم لنا نقدا ذاتيا محددا، معبرا عنه بأدوات النقد الذاتي المعروفة من نوع "أخطأت في كذا" أو "لم أصب في كذا" وما إلى ذلك. وهذا هو أقصى ما وصلت إليه بعض أجنحة الطبقة السياسية وهي أقلية من النقد الذاتي. لا زال السياسي التونسي " الرهدان" يعتبر النقد الذاتي الصريح "جناية على النفس"، ولا زال يتمثل واقعة التحكيم التاريخية و موقف "أبو موسى الأشعري" باعتبارها سقطة غر، مع أن أبو موسى الأشعري، على عكس ما صوره المخيال العام للمسلمين، قائد عسكري ناجح، قاد كثيرا من الحروب، كما كان واليا على البصرة والكوفة ولم يعرف عنه أنه كان "درويشا".
للأمانة،لقد وجدت تحليل محسن مرزوق موفقا في كثير من جوانبه، ولا يستطيع أي منصف معارضته في ذلك. ومحسن بطبيعته صاحب لسان وقلم، وقبل ذلك صاحب عقل مثقف، وسياسي خبر السياسة منذ سنوات التعليم الثانوي، وكان أحد الرموز الأساسية إن لم يكن الرمز الأول للوطج ( الوطنيين الديمقراطيين بالجامعة)، لكنه في سنين بن علي العجاف على جميع الأصعدة وخاصة السياسية، اتخذ مسافة ظلت تتوسع مع الأيام مع الرؤية الإيديولوجية اليسارية وخاصة اليسارية الراديكالية و الوطد أحد أعمدتها. تابعت بعض أنشطته قبل الثورة، وقرأت له رأيا في أحد الندوات الحقوقية أو السياسية في تونس، يتحدث فيها على ما يمكن اعتباره نقدا ذاتيا، وتوجها جديدا فكريا وسياسيا، وهو ما برز بشكل أوضح في سنوات الانتقال الديمقراطي، التي بدا فيها محسن مرزوق "مزروبا" يسابق الريح من أجل تحقيق أحلام يراها مشروعة. في تلك التجربة كان محسن مرزوق يمارس قناعاته الجديدة التي "طلقت" الموقع الإيديولوجي القديم، ولـ"يلعب السياسة" على الطريقة الميكيافيلية ( ليس بالضرورة في وجهها السلبي المنطبع في أذهان الناس). ومن الطبيعي أن يجد في رفاق الأمس المقربين والأباعد سندا بل و "مادة يلعب معها أو بها". لكنه وظف كل ذلك من أجل رؤية ترى أن الخطر الوحيد على تونس هو "الخطر الاسلامي/السلفي"، رغم أنه كمثقف وكسياسي لا ينكر التمايز داخل الصف الاسلامي.
لا نستطيع الوقوف على حقيقة رأي محسن مرزوق، ولكن ممارسته هي من كشفت لنا وجوها من ذلك. كان أول عمل بادر به، وهو أول مؤشر على عدم قبول النخبة اليسارية والليبرالية المؤدلجة لنتائج الانتخابات التشريعية، وتصدر حركة النهضة النتائج وتشكيل حكومة الترويكا، هو تكوين " البرلمان الموازي". كانت حركة "مزروبة جدا"، ولأنها كانت كذلك لم تصمد طويلا، لكنه يبدو - وهذا استنتاج مني - قد اختار الأقل سوء بالنسبة له في مواجهة حكم الترويكا الذي يعتبر بالنسبة له "حكم حركة النهضة"، حيث قال لي صديق مشترك أنه حدثة مرة أنه عرض عليه خطة لجعل مجلس النواب "كاراكوز" و لكنه رفضها، وهي الخطة والمهمة التي قامت بها عبير موسي في برلمان 2019.
وبقدر ما كان محسن مرزوق أحد أعمدة نداء تونس حتى نجاحه، فإنه حاول بعد ذلك تعديل ساعته على ساعة الباجي قائد السبسي، وشهدت علاقته مع النهضة تواصلا وتحسنا، كما شهدت ممارسته "تعقلا" و"توازنا" على وقع أوتار "عقل الحكم"، ومن ذلك المشهد الطريف المعبر رمزيا، حيث كان في أحد الاحتفالات الدينية بجامع الزيتونة يجلس لابسا الجبة التونسية بجانب الشيخ راشد الغنوشي ببدلته الإفرانجية!
لم يدم مكوث محسن مرزوق في منصبه مستشارا لرئيس الجمهورية أكثر من ستة أشهر، فمنافسوه من أخلاط اليسار وأخلاط الليبراليين، عادوا لانقساماتهم بمجرد ما بدا لهم هزيمة خصمهم الألد حركة النهضة، وهو السبب الوحيد والأوحد الذي أمكن له توحيد اليسار في فترات قصيرة تاريخيا. انتهى الأمر بمحسن مرزوق إلى الخروج من نداء تونس وتأسيس حزب مشروع تونس بوجوه محدودة من المؤمنين به وبرؤيته، أو من الذين رغبوا في الاستفادة "مما لديه"، وحاول أن ينفتح أكثر وخاصة على حركة النهضة، لكن إمكانياته في تحويل الحزب إلى رقم في الساحة كانت محدودة ولم يستطع الوصول للبرلمان.
من الطبيعي جدا لمحسن مرزوق كسياسي، وفي عمره الذي بلغه وتجربته التي خاضها، أن تكون له القدرة على الخروج بدروس مهمة، تهمه هو في شخصه، وتهم تونس وطريق خلاصها. والعقل قادر عند لحظات هدوئه على النفاذ إلى "ما كان يجب وما كان لا يجب"، و"ما يجب الآن وما لا يجب"، لكن الطبع والمزاج غلاب وقليل ما يخضع لأحكام العقل.
أهم ثلاثة نقاط في حواره وفي ما لها علاقة بالمستقبل وإن كانت الأولى تتحدث عن الماضي هي التالية:
- اعتباره حركة نداء تونس وما قامت به منذ انبعاثها وحتى استلامها الحكم هي التي أنقذت تونس، وهي التي أوقفت "زحف" المشروع المضاد (هو حاول تجنب تسمية الخصوم إلا عند الضرورة وبنبرة هادئة). لا شك أن هذه نقطة خلاف كبيرة معه، ذلك أنه في الوقت الذي يعتبر ما حصل عملية إنقاذ، نرى نحن أنها كانت عملية انقلاب على مسار الثورة، وهي التي مهدت إلى ما بعدها، بما في ذلك انتخاب قيس، و اقلاب 25 جويلية 2021 أيضا. نحن نتفهم أن محسن مرزوق كان أحد الأصوات العليا في اعتصام البرلمان (سمته قواعد النهضة وحلفائها اعتصام الرز بالفاكية)، وهو صاحب المقولة " دمنا أحمر ودمهم أسود"، في مقابل ما كان يدعو إليها راشد الغنوشي من الحوار في اعتصام القصبة ، لكن على محسن مرزوق أن يتحلى بقدر أكبر من الشجاعة، ليس لإدانة نفسه وتبرئة الآخرين، ولكن من أجل أن يكون أكثر إنصافا، ولا يبرر عملية عدوان على الشرعية، لولا "حكمة النهضة" لوقعت البلاد بسببها في بحر من الدماء، كان بعض رفاقه يبشرون به علنا. لا شك أن حوارا محدودا لا يكفي لتناول مواضيع تحتاج نقاشا عميقا، ولكن موقفا عاما كالذي صدر منه يجب أن يكون مدروسا لأنه يبعث برسالة سلبية لا يمكن غض الطرف عنها.
- فكرة الأمة التونسية و"الأمة الممكنة" فيها من الوصل والفصل ما فيها، وهي تحتاج للحوار حولها انتظار قراءة مضمونها في الكتاب الذي ينوي إصداره، لكن الروح العامة التي تصدر عنها نثمنها ونعتبرها شرطا ضروريا للتجاوز بقطع النظر عن التدقيق المفاهيمي وحدود التعريف والتفصيل المضموني.
- الروح المتفائلة التي برزت في ثنايا حديثه وخاصة في كلماته الختامية، روح إيجابية ندعمها ونشاركه فيها، وبقدر ما علينا أن نكون قادرين على ممارسة النقد والنقد الذاتي، فإن ذلك لا يجب بحال أن يجعل لليأس طريقا إلينا، فالتاريخ دورات وللشعوب نهضات وكبوات، وليست تونس خارج ذلك المدار، فقد مرت بما تمر به الآن مرارا، ولكنها نهضت ونفضت عنها الغبار وتخلصت من الأوحال، وسطرت في التاريخ صفحات بيض نعتز بها ونستلهم منها نهوضنا الجديد.
ختاما، السيد محسن مرزوق زميل دراسة في الجامعة، درسنا مع بعض في تخصص علم الاجتماع، بل إننا في السنة الأولى أو الثانية كنا في نفس فوج الدروس التطبيقية، لكنني وإياه كنا قليلي الحضور ولا أذكر أننا تواجدنا في الدرس مع بعض أكثر من حصة واحدة. لكن لم يكن بيننا تواصل مباشر. نحن ننتمي إلى الجيل الثاني من الحركة الطلابية، جيل مهموم بقضايا الفكر والسياسة، جيل الممارسة السياسية الحالمة في دولة " منوبة " ودولة " المركب الجامعي"، وفي حين كنت أنا بعيدا عن الواجهة، كان هو من خطباء "حجرة سقراط" و "عتبات مدخل مشرب الكلية بمنوبة "، ورغم أنه كان حريصا على تمثل كل ما يمت إلى "الحداثة" بصلة حتى في "مظهرها"، إلا أن أصول الرفض الحقيقية ومزاجه النفسي عموما يبدو أنه "مثلوثي" (نسبة إلى قبيلة المثاليث).
تاريخ أول نشر 2025/12/26
