search

هل جاء أسامة بن عرفة بجديد؟

ظهر أسامة بن عرفة المدون المشهور مع الصحافية والإعلامية خولة بوكريم في بودكاست B3.

أسامة بن عرفة الذي كان أحد أعمدة الدعاية والتضليل وضرب الانتقال الديمقراطي الذي أستعمله قيس سعيد خاصة في زمن "حكم" نادية عكاشة في القصر.

فماذا قدم لنا بن عرفة مما لا نعرفه عن قيس وعن حكمه وعن عصابته؟

في الحقيقة لم يأتنا بجديد غير تأييده ما كنا نعرفه ونتداوله من معلومات، أو ما كنا وصلنا إليه من مواقف عن قيس. ولا شك ان تأكيد أسامة بن عرفة لكل ذلك له أهمية. فالرجل كان احد اعضاء العصابة التي وقفت وراء الانقلاب وقبل ذلك تهيئة الأجواء له.

وسواء كان ذلك هو أيضا ضحية تضليل حصل له، وبعضه سببه الثقة المفرطة في قيس، وتدهور الوضع السياسي العام، والاخطاء الجسيمة التي وقعت فيها الحكومات والأحزاب التي وراءها أو التي عارضتها، فإن ذلك لا ينفي انه في الأخير كان ضمن عصابة واجهت فساد الحياة السياسية بفساد أشد، وكما قال أحمد غيلوفي جاءت للمريض وعوض ان تداويه أطلقت عليه رصاصة الرحمة.

لقد أكد أسامة بن عرفة ما استخلصناه حول شخص قيس فهو:

أولا مريض بدنيا ونفسيا، يقضي يومه نائما ويتحرك بالعقاقير،

وثانيا أنه "مسيلمة الكذاب"،وانه "غدار"، وأنه وراء كل القرارات بما فيها أبسطها، وأن ما لا يصدر عنه يتم برضاه. وانه من يختلق دعاوى محاولات اغتياله، وانه هو من مكن لعائلته الحكم معه واستغلال نفوذها للدخول في الفساد بشكل فاق ما حصل مع الطرابلسية، حيث أن الآخرين على الاقل كانوا مكشوفي الوجوه، أما هؤلاء فقد كانوا يتخفون وراء أسمه، ولا يقلون عبثا عن أولائك، ولو امتد بهم الزمن فسيتجاوزون فجورهم من دون شك.

أكد كل التسريبات وما تضمنته، واكد أنه وراء كل الانتهاكات وكل عمليات التطويع للقضاء، وكل عبث بالسلطة والإدارة والدولة، وكل انتهاك لسيادة الوطن، بل كل تفريط في استقلاله ووضعه رهن مصالح الجزائر وإيطاليا وفرنسا وأوروبا.

لم ينجز وعدا بل أخلف كل وعوده، ووضع كل مقدرات البلد لخدمة مصلحته الشخصية وهوسه بالسلطة ورهابه من ترك الكرسي.

لكن الاستنتاج المهم من البودكاست، هو أن كل ما حصل لا يقف وراءه عقل عبقري، ولا مؤسسات داعمة تخطط وتدير الدولة، وإنما استغل سطوة السلطة، وصلاحياته كرئيس، وهيبة السلطة في نفوس الجميع بما فيها مؤسسات الدولة الصلبة من أجل إخضاعهم لرغباته.

تلك الهيبة التي تمتد من جنرال الجيش إلى ضابط الامن إلى موظفي الإدارة السامين، ثم أخيرا إخضاعه للقضاء.

وأنا مع رأي الكثيرين ان السلاح رقم واحد الذي أستعمله هو القضاء، وبه أفرغ الساحة من مقاومته أو يكاد وعبث بالدولة وبالناس.

أستعمل قيس هيبة كرسي الرئاسة فأخضع الجميع، ووجد أمامه مؤسسات دولة لم تتخلص بعد من ظلال الحكم الرئاسي/ الملكي، التي بدأت تعود في ظرف وجيز مع الباجي، واستعادها هو بسهولة مع صراعات الأحزاب السياسية التي انشغلت ببعضها عنه، بل تواطئ بعضها معه ضد خصومهم ولم يبالوا بانهم يسقطون البيت على رؤوسهم.

ليس صحيحا أن كل شيء كان يتم بتخطيط داخلي أو خارجي، وإنما هو انتصر بهذا الوهم الذي في أذهان الناس من انه لا بد أن يكون هناك مخططون وغرفة عمليات في الداخل والخارج.

ذلك الوهم هو الذي كان يقود الجميع ويُخضع الجميع.

القوى الخارجية ناهيك عن القوى الداخلية إنما كان يقودها خيار "إدارة الأزمة" وليس غير ذلك. القوى الخارجية تتصرف بما يحافظ على مصالحها وهي تتعامل مع ثور هائج، وقوى الدولة تتحرك من خلال سطوة الوهم وسطوة موقع الرئاسة وما يتيحه من صلاحيات إصدار الأوامر .

قال لي صديقي - فك الله أسره - انه يرجح ان ليلة الانقلاب استدعى المؤسستين الصلبتين ووضعها قبالة بعضهما واعلمهم بقراره، فوجدوا أنفسهم في فخ تخشى فيه كل مؤسسة من الاخرى، وحقق ما أراد. صديقي يتحدث من وحي تحليله للأحداث وليس من خلال معلومة وصلت إليه، وأنا الذي لم يتخلص حينئذ من الوهم عارضته، ولكن الأيام بينت لي انه كان محقا.

ثقافة الخضوع للوهم ولسطوة السلطة في النخبة والدولة والشعب لم تكف 10 سنوات لاقتلاعها، لا بل إن فساد الحياة السياسية اعاد الحنين إليها، لدرجة انه لو قرر قيس سعيد بعد 25 مباشرة، وضع مشانق في كل ساحة لما وجد صعوبة في تنفيذ أمره، ولاستعاد دور مراد بوبالة بدون عسر يذكر. لقد استسلمت البلاد له استسلاما رهيبا وغريبا.

لا أريد التعميم ... ولا يعني ان مؤسسات الدولة لا تحاول المقاومة الآن، بما فيها المؤسستين الصلبتين. ولكنها مقاومة "ترهدين" على الطريقة التونسية، نتجنب ان تورط نفسها على المكشوف، ولكنها لا تملك شجاعة رفض التعدي عن الدستور والقانون، وتميل إلى تأويله تأويلا يبرر خضوعها.

ناسية أنها تورطت على المكشوف ورطة لا يمحى عارها بل جرمها يوم استجابت لأوامره لتنفيذ إنقلاب وقبل ذلك الإعداد له بإخفاء التلاقيح، و "رعاية" إعلامية وتأمينية وإعلامية لتحرك يوم الأحد باستهداف مقرات النهضة.

مع كل يوم مر، اكتشفنا قيس المريض، وقيس الكذاب، وقيس الغدار، وقيس الفارغ من كل فكرة وبرنامج، وقيس المستعد من أجل الكرسي ان يبيع البلد، وقيس الخاضع فقط لعائلته. وككل إنسان مريض من نوعه، تجد من يقوده من باب إظهار الولاء له، فكانت عكاشة وكان توفيق شرف الدين والآن هي العائلة.

لكن المأساة ان الجميع يعلم ذلك وأولهم الذين يديرون الدولة بأوامره.

نعم هو استثمر في "عقل دولة" لم تغير العشرية عقيدتها. عقيدة تنفيذ أمر الرئيس، وخدمة الرئيس، ولو جلد ظهرك وأكل مالك. عقيدة عبادة الشخص، وليس الامتثال للدستور والقانون.

استثمر في الوهم الذي عشش في الرؤوس: فوراء كل قرار تخطيطا، ووراء كل موقف مؤسسة، ووراء الجميع "المسؤول الكبير " ... ولا زال الناس يسألون عن " المسؤول الكبير " الذي تحدث عنه الباجي يوما. وما دروا ان المسؤول الكبير ليس إلا الوهم والخضوع للوهم، وليس إلا السطوة المتخيلة.

أسامة بن عرفة أراد أن يطهر نفسه فكشف عما كان يفعله، وهي شجاعة تحسب له، وبإمكانه ان يكفر عما فعل بأن يثأر للتونسيين ولنفسه من مسيلمة الكذاب والغدار، وبقية عصابته من عائلته، وعلى رأسهم اخوه نوفل سعيد، واخت زوجته عاتكة شبيل، ومستشاره ورئيس الحرس الرئاسي خالد اليحياوي.

تاريخ أول نشر 2026/6/17