search

وثيقة: حول الصفة الإسلامية لحركة الاتجاه الإسلامي

تقديم الوثيقة:

منذ أيام كتبت تعليقا على وصف الإسلاميين بـ"الاسلامويين" باعتباره وصما تحيل إليه "واو النسبة التهجينية" التي تميزه. وقد رأيت في إطار نفس الموضوع أن أنشر هذا النص - الوثيقة الصادر عن حركة الاتجاه الاسلامي سنة 1983 وتم نشره للعموم في كتاب الذكرى الثالثة للإعلان عن الحركة الصادر في جوان/يونيو 1984.

تم إعداد النص في سجن برج الرومي من طرف الشيخ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو والأستاذ بنعيسى الدمني، وتبنته قيادة الحركة وتم تداوله في صفوف قواعدها وتوزيعه على أصدقائها وعلى الجهات الإعلامية والسياسية. ويعتبر النص من الوثائق التأسيسية الأولى للحركة بعد إعلانها، وقد سبقه من حيث الترتيب، بيان " التعددية حق والجماهير هي المحدد لشروط ممارسته" وهو الرد الرسمي على ما صدر عن بورقيبة في مؤتمر الحزب أفريل/أبريل 1981من أنه لا مانع من تأسيس أحزاب بشروط أربع لا تخفي رغبة في استثناء أحزاب بعينها على رأسها حركة الاتجاه الاسلامي، ثم "بيان الاعلان عن حركة الاتجاه الإسلامي" ثم الردود على أسئلة الصحفيين في ندوة الإعلان عن الحركة والتي تم تدوينها في وثيقة تعتبر جزء من وثائق التعريف بالحركة، ثم يأتي هذا النص الذي ننشره.

أهمية النص تأتي من حيث أنه وثيقة رسمية تكشف عن رؤية الحركة السياسية وهي في بدايات انخراطها في العمل السياسي ويمكن من خلالها تبين "تطور" فكر الحركة ومواقفها وأيضا "الثوابت" التي تكشف عن خصوصيتها.

النص:

حول الصفة الإسلامية لحركة الاتجاه الإسلامي

لئن كانت دعوة النظام إلى التعدديه أمرا مستجدا خاصة وانه قد انفرد بالحكم ونشر مفاهيم الأحادية وكرس واقعها طيلة سنوات، فغن ظاهرة التنوع الفكري والسياسي لم تكن غريبة البتة عن المجتمع التونسي بل إن المستقرئ لتاريخ بلادنا المعاصر يشد انتباهه لا محالة التقلص الذي شهدته هذه الظاهرة طوال ما ينيف عن عقدي الزمن الأخيرين بشكل واضح ولأسساب اجتماعية وسياسية محددة، وذلك بعد أن عرف مجتمعنا مند مطلع القرن تعددية طريفة في مجل الحريات الفكرية والأجتماعية والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، ساهمت في تنوير المجتمع وتطور هياكله بشكل فعال وبعيد المدى، مما يفيد بأن تقاليد التعدد متأصلة في تاريخنا الوطني القريب فضلا عن التاريخ الإسلامي عامة وأن واقع التعدد المحتشم الذي تعشيه بلادنا حاليا ليس سوى امتداد موضوعي لهذه التقاليد وصمود منها في وجه العرقيل والموانع. على أن الجديد في المسالة هو اعتراف نظمم الحكم رسميا بواقع التعدد السياسي واتجاهه - حسب ما يبدو ـ نحو تنظيم هدا الواقع في إطار القانون.

وضمن مسار التحسس الإعلامي والسياسي الذى شرع النظام يمهد به لهذا التقنين المزمع برزت في مناسبات مختلفة تصريحات لبعض المسؤولين (م بينهم مدير الحزب الحالي ووزير المالية السابق ووزير الخارجية) تنم عن نية واضحة في استثناء أطراف سياسية ذات وجود فعلي على ساحة العمل السياسي وحرمانها من حق المساهمة في دعم «الديمقراطية»، قد خصت هذه التصريحات بالذكر الاسلاميين في أكثرمن مرة.

شبهات حول الحركة :

وبديهي أن لهذه الرغبة في الاستثناء منطلقات نحسب أنها لا تعدو أن تكون مجرد شبهات كثيرا ما حملت وتحمل عل عامة الاسلاميين وعلى حركة الاتجاه الإسلامي بصفة أخص. ولو حاولنا ضبط هذه الشبهات لأدركنا أنها موزعة على المحاور الثلاثة التالية :

1) محور تسمية الحركة.

2) محوراعتماد المسجد إطارا لنشاط قد يوحي بالرغبة في تحريف طابعه

التعبدي وتوظيفه في العمل الساسي.

3) مجو الأطروحات ومضامين الحركة الفكرية. وينطوي داخله ما يتهم به الاسلاميون من كونههم يدعون احتكار الصفة الإسلامية وينفونها عن حميع مخالفيهم وكونهم يدخلون عنصرا غيبيا غريبا في المعركة السياسية بقصد المزايدة عل المنافسين ونفي شرعية الجماهير تمهيدا لإقامة حكم ثيوقراطي يعتمد الاستبداد باسم الدين ... فضلا عما يرمى به الإسلاميون من صفات " الرجعية والماضوية فيما يتصل بالموقف من المسألة الاجتماعية وقضايا التقدم وما يتهمون به أيضا من تركيز مفرط عن النواحي الروحانية والغاء لثقل الواقع الموضوعي ولشروط الزمان والمكان من اعتبارهم.

ولو اتجهت همة المرء إلى البحث عن تفسير هذه الشبهات والمآخذ المنهالة على الاسلاميبن قصد تجليه أسابها العميقة لتمكنت من حصر هذه الأسباب في النقاط الخمس التالية :

- انتشار الجهل بحقائق الاسلام لأسباب حضارية عدة داخل فئات شعبية عريقة وحتى في صفرف كثير من المثقفين في مجمعنا عل نحو دفع بالكثيرين الى استلهام قيم الاسلام ومبادئه إما إنطلاقا من واقع المسلمين - وهو أبعد ما يكون عن تمثيل تلك القيم في عدلها ونضارتها - وإما من منابع فكرية وحضارية غريبة عن أصول الاسلام ذاته ، فاكتسحت تبعا لذلك التقييمات المسفة الاذهان وعمت المواقف الذاتية عل حساب الأمانة في الحكم والقصد في التعبير.

المنافسة السياسية :

2- وقد أسهمت وضعية الفكر الاسلامي المتسمة بعدم اكتمال النضج المطلوب والامتناع ـ بقصد أو بغير قصد ـ عن الحسم الواضح في شأن عديد القضايا الاجتماعية والسياسية العامة من حيث اتصالها الوثيق حياة الناس، أسهمت هذه الوضعية في ترك المجال متسعا أمام الملاحظين كي يعيروا الاسلاميين على أساس مقاييسهم الذاتية المتنوعة فيجدوا داخل الفكر الاسلامي ذاته ـ قديمه وحديثه ـ ما يسند تلك التعييرات ويبررها.

3 - وقد أضافت محدودية وسائل التبليغ لدى الحركة بفعل الضغوط المسلطة عليها وضيق مجالات الاتصال الفكري والسياسي بالبلاد نظرا لعدم توفر الحريات والمناخ «الديمقراطي » ، أضافت كل هذه العوامل السلبية الى ما سبق عراقيل أخرى عطلت قدرة الاسلاميين على التعريف بمواقفهم الاجتماعية والوطنية وفوتت عليهم فصة دفع الشبهات عن أنفسهم .

4 – وليس من شك في أن الأسباب التي سمحت للشبهات أن تعلق بحركة الاتجاه الاسلامي ما يرجع الى واقع التجارب الاسلامية ذاته مشرقا ومغربا وما عرفته هذه التجارب والثورات من أخطاء لا يفيد إخفاؤها ، وما شهدته من عثرات لم يبرأ من بعضها حتى الاسلاميون في تونس .

5 - على أنه لا يجوز للدارس الموضرعي في الأخير أن يغفل عن دور القوى الدولية المعادية للإسلام - وما أكثرها - في الترصد للحركات الاسلامية وعدم ادخار الجهد في عرقلة اية نهضة داخل بلاد المسلمين بسبب ما تتوقعه تلك القوى من تعارض هذه النهضة مع مصالحها بل ووجودها المقترن بتخلف عالمنا الثالث . وليس يعسر عل المتصفح لعديد وسائل الاعلام والمطبوعات الغربية أن يعاين ما يفصح عنه أصحابها جهارا من تضايق مرير إزاء الظاهرة الاسلامية في العالم وما يعملون على ترسيخه من تهم وشبهات ضد هذه الظاهرة في محاولة لخنق نموها السليم والإيعاز بضرورة ضرب تطلعاتها في الوجود والنهضة .

ولئن تعين على كل وطني صادق أن لا ينساق في موقفه من «حركة الاتجاه الاسلامي» وراء هذه المحاولات المشبوهة التي لا تنبع البتة من مراعاة مصالح وطننا وأمتنا ، فلا مناص للحركة في مقابل ذلك من بذل الجهد للتعريف بحقيقة هويتها ودرء ما وصمت به من شبهات ، ونحسب أن ما نحن بصدده لا يخرج عن كونه إنجازا لبعض هذه المهمة .

وسوف نطرق هذا السبيل التصحيحي مركزين بالخصوص عل التعريف بأهم الأصول النظرية التي تتحراها « حركة الاتجاه الاسلامي » فكريا واجتماعيا . مبتدئين بعرض الإيضاحات اللازمة لدرء شبة تسمية الحركة .


مسألة الاسم:

فقد تبلور عنوان « حركة الاتجاه الاسلامي » انطلاقا من اللقب الذي درجت وسائل الإعلام المستقلة على نعت المناضلين الاسلاميين به منذ بروزهم على السطح الاجتماعي والسياسي ألا وهو لقب « الاتجاه الاسلامي » ، وقد أبينا رفضه فيما بعد اعتبارا منا أن الصفة الاسلامية ليست بالنسبة إلينا سوى إشارة إلى أن حركتنا قد اختارت لنفسها منهجا معينا للتفاعل مع الاسلام حدده فهمها الخاص لهذا الدين الذي قد يختلف عن فهم الآخرين له ، خاصة وأن ما يحدد هوية أي تجمع فكري أو سياسي لا يقف عند حد العنوان الذي يتقمصه بل يتعداه الى المبادىء التي على أساسها تم الاجتماع والبرامج المزمع تحقيقها على ساحة الواقع . وفضلا عن كل هذا فإن إضافة صفة الى حركة ما كالاشتراكية والديمقراطية والدستورية والقومية ... لا يعني البتة احتكار هذه الصفة ونفيها عن بقية الحركات أو الأفراد ، وإذا كان اتصاف جماعات بهذه الأوصاف لا يثير بالنسبة إلينا أي استفزاز فان عجبنا لشديد من تحسس الأطراف حيالنا لمجرد تسميتنا بالاسلاميين .

أضواء على مبادئنا :

هذا من جهة الاسم، أما فيما يخص بقية الشبهات الأمر يقتضي منا توضيح جملة من المبادئ أهمها :

1) مبدأ الشمول : الذي تعتمده الحركة في فهم الاسلام بشكل لا يحصره في مجال العقائد والشعائر بل يشمل الحيز الاجتماعي والسياسي الذي تضمن الإسلام أصولا صريحة تحدد معالمه العامة وتعين على ضبط تشريعاته التفصيلية وهو ما يفند بصورة حاسمة ما يذهب إليه البعض على أحسن الأحوال بما يوحي بأن دعوتهم ذات طابع تخديري يصادم التطلعات الاجتماعية المشروعة .

على أن طائفة من الناس ينطلقون من نفس هذا المبدأ وما يتبعه من أساليب عمل ليرموا حركتنا بالخلط بين مستويات الحياة وأبعادها وعدم التمييز بين المؤسسات «الروحية» من جهة و« الزمنية » من جهة أخرى ، فيتصورون أن الإسلاميين يعملون مثلا على تحريف الطابع التعبدي للمسجد من أجل توظيف هذه المؤسسة الدينية في مجال العمل السياسي والمزايدات الحزبية - البحتة ـ وهو تصور يحتاج إلى توقف توضيحي نراه أساسيا في تعريف «حركة الاتجاه الاسلامي » بمناهج عملها .

فلئن كنا ندافع عن حق كل مثقف وعالم مسلم عل الإطلاق في العمل على توضيح حقائق الإسلام العقائدية والتشريعية في كل مجالات الحياة البشرية دون استثناء داخل المسجد دون أي شرط مسبق عدا التزام المنهج العلمي وحدود التثقيف والتوجيه الدينيين جتى يستعيد المسجد دوره الاجتماعي والحضاري الايجابي والفعال ، فإنه إلى جانب ذلك ليس في تخطيطنا ولا في نيتنا استعمال المسجد للدعاية الحزبية وسوف لن نتساهل قط مع أي كان - داخلنا أو خارجنا - إذا هو حاول تحويل وجهة هذه المؤسسة الدينية وتسخيرها الى مآربه الحزبية والسياسية، وذلك انطلاقا من أن الإسلام دين كافة التونسيين وأنه لا حق لأحد في المزايدة باسمه واحتكار تنشيط مؤسساته تحت أي غطاء .

2) ويقتضي ما سبق أن تضمن لكل المواطنين حرية التعامل الجاد مع الإسلام فهو رغم كونه دينا غطى كامل مجالات الحياة البشرية فإنه لا يمكن لأحد أن ينسب لنفسه صفة التفرد بتمثيله أو الكلام باسم عقائده وتشريعاته واحتكارالدعوة إليه والذود عن حماه، ومرد ذلك إلى أن الاسلام - رغم الطبيعة الرسالية المتعالية لمصادره الأساسية- قد فسح للإنسان مجالا رحبا لفهمه وحرية التعامل الجاد معه في حدود أصوله الثابتة مما قد يفضي - تبعا لذلك ـ الى اختلاف بين الناس في فهم هذا الدين بشرط أن لا يتحول هذا الإختلاف المسموح به شرعا الى ضرب من التكفير المتبادل، وإنه حري بأصحاب مختلف الفهوم للإسلام أن يرتفعوا بخلافهم من درك الاتهام والتكفير الى سمو الجدل والحوار البناء .

3) ودفعا منا لهذا الحوار الذي لا مناص منه للأخذ بأسباب النهضة الشاملة والأصيلة من ناحية وعملا منا على توضيح أنفسنا من ناحية أخرى نتعجل عرض واحد من أهم أسس فهمنا للاسلام وهو منهج تعاملنا مع الوحي (أو النص) .

فنحن نفهم أن الاسلام إذا كان في مجالي العقيدة والعبادة (بالمفهوم الشعائري) قد حدد مبادى وأحكاما نهائية لا مجال لتغييرها (عملا بالقاعدة الأصولية « لا يعبد الشارع إلا بما شرع») فقد اقتضت صلوحيته لكل زمان ومكان أن يكتفي في مجال التشريع الاجتماعي والسياسي (أو ما يسمى فقه المعاملات) - عدا بعض الاستثناءات المحددة - ان يكتفي في هذا المجال بوضع أصول كلية ورسم قواعد عامة تفتح أمام العقل البشري مجالا متسعا يمكنه من الاجتهاد في استنباط ما لا نهاية له من التطبيقات العملية لتلك الأصول وتحويلها الى تشريعات تفصيلية متصلة بواقع الحياة تمسح كامل جوانبه ، ومتلائمة مع مستلزمات كل تطور يمر به المجتمع والانسانية عامة .

فالاسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة بوصفها علاجا موقوتا أو تنظيما مرحليا يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن الى شكل اخر من أشكال التنظيم، ولكن يقدمها دائما باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور، فكان لا بد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب أن ينعكس تطور العصور فيها ضمن عنصر متحرك يمد الصورة بالمقدرة عل التكيف وفقا لظروف مختلفة . وعلى هذا الأساس وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعية التي نظم بها الحياة لتعكس العنصر المتحرك وتواكب تطور العلاقات وتدارك الأخطاء التي قد تنجم عن هذا التطور المتنامي عل مر الزمن ... إن منطقة الفراغ تعبر عن قدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصا أو إهالا وأنما حددت للمنطقة أحكاما يمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصيلة مع إعطاء المجتهدين صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية حيث الظروف لمئ ذلك الفراغ (انظر كتاب «اقتصادنا» للعلامة مجمد باقر الصدر . ص 653 وما بعدها . ط : دار الكتاب اللبناني . بيروت) .

4) وبناء عل هذا الفهم الأصولي للإسلام يتحدد منهج الحركة في تصور التراث : فهي لئن كانت ترفض التعامل مع نتاج ماضي الأمة الحضاري بنظرة عدمية تلغي كل ثرائه وتنفي تشابكه مع الحاضر ، فإنها لا تعتبر هذا الماضي في أي مرحلة من مراحله أو مستوى من مستوياته (كاشكال الحكم التي سادت وأساليب توزيع الثروة وعلاقة الرجل بالمرأة ... الخ) لا تعتبر شيئا من ذلك نموذجا يجب احتذاؤه وإسقاط قيمه وأشكاله العملية عل الواقع ، بل لقد كان تاريخ الأمة مجرد حقل لتجارب بشرية في مجالات الفكر والاجتماع والسياسة تفاعلت مع الإسلام بطريقتها الخاصة المتأثرة بخصوصيات الظرف التاريخي مما طبع كلا من تصوراتها وأوضاعها بطابع قد لا يتحمله الحاضر ومن باب أولى المستقبل... ونحن نتعامل مع هذه التجارب من منظور تحليل نقدي يفهم عوامل التخلف والانحطاط فيها - وهي كثيرة ـ ويستلهم من جوانبها الإيجابية ما يؤصل هويتنا ويطور واقعنا ويثري نهضتنا .

5) وإذا كانت نظرة حركتنا للتراث عل هذا النحو من رفض الجمود ومعاداة الرجعية فإن طموحنا إلى تنمية مجتمعنا ينبثق من منطلق أساسي هو استيعاب كامل معطيات الواقع ثقافيا بهضم مختلف جوانب الفكر الغربي وتطورات العلم والتكنولوجيا واجتماعيا بإعطاء الأولوية في الحلول الى مسألة الصراع الاجتماعي وحضاريا بالانطلاق من الاعتبارات الوطنية التي لا تتنافى والطموح الى العمل الوحدوي والنهضوي عل صعيد المغرب العربي الكبير والوطن العربي الأكبر فالأمة الإسلامية قاطبة ، مما يضفى عل حركتنا بعدا أمميا يعادي مفاهيم العمالة والتبعية ويتوق إلى التفاعل الايجابي البناء مع كل مكاسب الانسانية .

الصفة الاسلامية من منظور قانوني :

بعد إلقاء هذه الأضواء على الصفة الاسلامية لحركة الاتجاه الاسلامي من الزوايا الفكرية والسياسية نخلص الآن الى توضيح هذه المسألة من الناحية القانونية، وإن أول ما يتعين تأكيده في هذا الصدد هو أن حركتنا هي حركة إسلامية سياسية ذات طموحات تغييريه تنموية شاملة تسعى إلى تأصيلها بما يتلاءم وقيم الأمة الحضارية وتجتهد في تحقيقها استنادا على الشرعية الجماهيرية . فهي بهذا المعنى ليست حركة دينية تجزىء نظرتها للاسلام وتحتكر الحديث باسمه وتستمد شرعيتها من سلطة غيبية متعالية تفرض التسلط والاستبداد باسمها وتصادر حريات المخالفين العامة والخاصة من أجل السيادة .

إن رفض « حركة الاتجاه الاسلامي » اعتبار نفسها دينية بهذا المعنى وتأكيدها في مقابل ذلك عل طابعها السياسي بالمفهوم الاسلامي يجعل حقها في الممارسة السياسية واضحا ومشروعا لا يتوقف عل أن يحدده أو ينظمه طرف سياسي ما وإنما يفرضه واقعها الجماهيري وينظمه القانون وعلى رأس هرمه «الدستور» الحالي للبلاد رغم ما لنا عليه من مآخذ .

وإذا كان هذا الدستور يعترف الفصل الأول منه على أن « تونس دولة مستقلة دينها الاسلام » ، فإن ذلك يعني حسب فهمنا أن الاسلام هو محدد أساسي للشخصية المعنوية للمجتمع التونسي بأسره ومحدد هام للتشريعات والأركان التي يقوم عليها تنظيم هذا المجتمع وأن حق فهم الدين وممارسته مضمون لكل فرد أو مجموعة ، والمحافظة عليه واجب . فإذا كان الأمر كذلك فليس لأحد - بما في ذلك نظام الحكم - أن يحتكر شيئا من هذه الحقوق ويحرم منها غيره بأي ذريعة، بل من واجب الحكومة أن تمكن الجميع من الظروف الملائمة لممارسة ذلك الحق الدستوري وأداء ذلك الواجب فهما وتطبيقا ، ويعد كل اخلال بهذا الحق أو الصد عنه إخلالا خطيرا بهذا الفصل وتعطيلا لمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون المقرر دستوريا، فتكون المواطنة داخل المجتمع درجات يحتل المحظورون والمصادرون أدناها .

وتتلخص دلالة كل ما سلف في أن « حركة الاتجاه الاسلامي »، باعتبارها طرفا سياسيا، ليس لها أي مشكل إلا مع بعض الأطراف الني تكون متضايقة من وجودها عل الساحة السياسية وترغب في استثنائها من مجال العمل السياسي رغم علم هؤلاء المؤكد بما لهذه الحركة من وجود موضوعي لا يمكن تجاهله ولا إنكارأهميته داخل المجتمع التونسي .

وإذا كانت هذه الأطراف الراغبة في استثناء الاسلاميين تفعل ذلك من منطلق الرغبة في دفع الاسلاميين نحو متاهات العنف وظلمات القرون فإن هذه الحركة المنطلقة من تشبعها بروح الإسلام التحررية وحرصها الحرص كله عل نشر هذه الروح في كل الآفاق والمتحركة في إطار الحق لن تخرج من ساحة معركة الوجود والحرية مهما تكاثرت المضايقات وتعددت محاولات المصادرة والاستدراج . 

المرجع: الذكرى الثالثة .. حركة الاتجاه الإسلامي 1981 - 1984، ص.16-24، بدون تاريخ.